مؤتمر دعم الاستجابة الإنسانية في اليمن: نحو استجابة دولية أكثر كِفاية

مركز الإمارات للسياسات | 23 مارس 2021

عُقِد في مطلع مارس الجاري، وعلى نحوٍ افتراضي، المؤتمر الخامس من نوعه لإعلان التعهُّدات المالية للجهود الإنسانية في اليمن، وأفضى المؤتمر إلى تعهُّدات بتقديم 43% فقط من المبلغ الذي تُطالِب به الأمم المتحدة لتمويل المساعدات، ما يُهدِّد بتقليص برامجها وأعداد المستفيدين، وتفاقُم الوضع الإنساني في اليمن. وتُلقي هذه الورقة الضوءَ على سياق انعقاد المؤتمر ودلالات نتائجه، وتُقدِّم مقترحات من أجل رفع كفاية الاستجابة للأزمة الإنسانية في ظل تراجُع التمويل الدولي.

سياق انعقاد المؤتمر

تزامن انعقاد المؤتمر رفيع المستوى لإعلان التعهُّدات بشأن الأزمة الإنسانية في اليمن مع تصاعُد تحذيرات المنظمات الدولية من تفاقم معاناة اليمنيين من الحرب التي توشك دخول عامها السابع؛ إذ تفيد تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن 24.1 مليوناً من السكان (80% تقريباً) في اليمن في حاجة إلى شكل من أشكال المساعدة أو الحماية، وأن 16.2 مليوناً من السكان (54% تقريباً) يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد بمستويات متفاوتة يصل بعضها إلى درجة المجاعة، إلى جانب وجود 3.65 ملايين نازح يواجه معظمهم ظروفاً صعبة[1].

وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية حَذَّرَ قبيل هذا المؤتمر من تكرار سيناريو العام الماضي عندما بلغ إجمالي التبرعات 56% فقط (1.9 مليار دولار) من المبلغ المطلوب من أجل تمويل المساعدات (3.38 مليارات دولار)، مشيراً إلى أن هذه الفجوة في التمويل تسبَّبت في تقليص أعداد المستفيدين من 14 مليوناً، نهاية العام 2019، إلى 10 ملايين فقط أواخر العام 2020[2].

وجاء انعقاد مؤتمر المانحين، هذا العام، مع تَجَدُّد المخاوف من تداعيات انتشار وباء كورونا في اليمن في ظل الموجة الثانية من تفشي الوباء عالمياً، ووضع القطاع الصحي غير المؤهل للتعامل مع وضع كهذا، خصوصاً أن الموجة الأولى تركت تداعيات صحية وإنسانية كارثية لعلَّ أبرزها ما كشف عنه أمين عام الأمم المتحدة حول تسجيل أعلى معدل وفيات عالمي نتيجة الوباء داخل العاصمة المؤقتة عدن[3]، إضافةً إلى اشتداد حِدَّة مظاهر الأزمة الاقتصادية وانعكاساتها على الظروف المعيشية مؤخراً، سواءً في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، والتي تشهد تراجُعاً مستمراً في سعر صرف العملة المحلية وارتفاع أسعار السلع الغذائية مع عدم انتظام تسليم مرتبات موظفي القطاع العام وتدهور الخدمات الحيوية، أو في مناطق سيطرة الحوثيين، والتي يعاني فيها المواطنون من ظروف أصعب نتيجة انقطاع مرتبات موظفي القطاع العام منذ قرابة 4 أعوام مع توقُّف عمل معظم الخدمات الحيوية وشحة المشتقات النفطية.

دلالات نتائج المؤتمر

كانت الأمم المتحدة تتطلَّع في المؤتمر الخامس للمانحين إلى جمع 3.85 مليارات دولار من أجل تمويل الاستجابة للأزمة الإنسانية في اليمن هذا العام، لكن المؤتمر أفضى إلى تعهُّدات بتقديم 1.67 مليار دولار فقط، أي 43% من المبلغ المطلوب، ما دفع بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى التعبير عن خيبة أمله.

ويمكن تفهُّم هذا الموقف بالنظر إلى حصيلة التعهُّدات المقدمة في جميع مؤتمرات المانحين التي أشرفت عليها الأمم المتحدة منذ بداية الحرب، وعلى النحو الموضح في الجدول أدناه:

ومع أن التعهُّدات لهذا العام فاقت تلك المعلن عنها في العام الماضي من ناحية حجمها أو نسبتها من التمويل المطلوب، إلا أنها تعكس نمط تراجع مساهمات المانحين نفسه مُقارنةً بالعامين 2018 و2019، ومن ثمَّ بقاء الفجوة الكبيرة بين المبالغ المقدمة وبين التمويل المطلوب، وبالتالي استمرار تقليص أعداد المستفيدين من برامج المساعدات في وقت كان يفترض توسيع نطاق تلك البرامج تجاوباً مع تزايد أعداد المحتاجين نتيجة تفاقُم حِدَّة الأزمة الإنسانية في اليمن.

وقد كانت تعهُّدات المانحين في المؤتمر الأخير متفاوتة وعكست توجُّهات متباينة؛ فقد قدمت المملكة العربية السعودية المعروفة بأنها أكبر المانحين لليمن، 430 مليون دولار هذا العام مقارنةً بـ 500 مليون دولار في العام الماضي (2020)، ويبدو أن هذا التراجع المحدود على صلة بتداعيات وباء كورونا على اقتصاد المملكة وقدراتها المالية.

وحلَّت ألمانيا في المؤتمر الأخير في المرتبة الثانية في قائمة المانحين للمرة الأولى بعد تعهُّدها بتقديم 244.8 مليون دولار، وهي مساهمة كبيرة ولافتة على الرغم من تبرعاتها السخية سابقاً، إذ تكاد تربو على ضعف ما قدمته في العام الماضي تقريباً (138 مليون دولار)، غير أنها تندرج في نفس الوقت ضمن توجُّه واضح نحو زيادة مساهماتها منذ الأعوام السابقة (2018: 40 مليون دولار، 2019: 114 مليون دولار، ... إلخ).

وبادرت دولة الإمارات في المؤتمر الأخير إلى تأكيد التزامها بتقديم 230 مليون دولار كانت أعلنت عنها أثناء زيارة وزير الخارجية في حكومة الشرعية أحمد عوض بن مبارك إلى أبوظبي قبل عدة أسابيع، وهي بذلك تعد ثالث أكبر المساهمين في المؤتمر، ما يعكس حرصها المستمر على تفعيل استجابتها للوضع الإنساني الصعب في اليمن.

وجاءت الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الرابعة على قائمة المانحين هذا العام بتعهُّدها تقديم 191 مليون دولار، وفي تراجُع بسيط مقارنةً بما قدمته في العام الماضي (225 مليون دولار). وقد تعهَّدت المملكة المتحدة بتقديم 123 مليون دولار في هذا العام مُقارنةً بـ 196 مليون دولار في 2020، وبـ 261 مليون دولار في 2019، ويأتي هذا التخفيض في إطار سياسة جديدة اتخذتها المملكة المتحدة لتقليص جميع مساعداتها الدولية.

وتعهَّدت الكويت بتقديم 10 ملايين دولار هذا العام بعد أن كانت امتنعت في العام الماضي عن تقديم أي مساهمة، علماً أن مجموع ما قدَّمته في العامين 2018-2019 بلغ 500 مليون دولار. ويُعتقَد بأن هذا التراجع الكبير يعود إلى ما تُواجهه الكويت من عجز ضخم في الميزانية العامة. أما قطر فقد امتنعت للعام الثاني على التوالي عن تقديم أي مساهمة، رغم أن هذا الأمر بدا غير مفهوم، لاسيما في أجواء المصالحة الخليجية.

ومع هذا، يمكن القول بشكلٍ عام إن تعهُّدات المانحين في مؤتمر هذا العام مالت في معظمها إلى التراجُع مقارنةً مع الأعوام السابقة، ويبدو أن هذا التراجع يتَّصل بشكل رئيس بتداعيات جائحة كورونا على قدرات المانحين المالية، إضافة طبعاً إلى احتمال وجود دوافع أخرى – ربما سياسية – تخص بعض المانحين.

نحو سياسة استجابة دولية أكثر كِفاية وفعالية

في ضوء التراجُع المستمر في تعهُّدات المانحين مقابل اتِّساع نطاق الحاجة إلى المساعدات في اليمن، ومع غياب المؤشرات على إمكانية عودة التمويل إلى المستوى السابق في ظل تأثُّر قدرات المانحين المالية بجائحة كورونا، فمن المتوقع أن تترك هذه الفجوة تداعيات خطيرة على شريحة كبيرة من السكان، ما سيزيد حتماً من حِدَّة ما يوصَف منذ عدة سنوات بأنه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

وتستدعي هذه التحديات إعادة النظر جذرياً في استراتيجية هيئات الأمم المتحدة في إدارة الاستجابة للأزمة الإنسانية في اليمن؛ فقد استطاعت الأمم المتحدة جمع ما يربو على 10 مليارات دولار منذ أول مؤتمر للمانحين في العام 2017، لكن العديد من المراقبين يشيرون إلى عدم وجود نتائج ملموسة على أرض الواقع تعكس حجم هذا التمويل، بل ويُشكِّكون صراحةً في نزاهة هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة معها في اليمن.

ويمكن القول إن أبرز العوامل وراء تواضع المخرجات مقارنة بحجم التمويل تتمثَّل في الآتي:

  • تضخُّم الميزانيات التشغيلية: تفيد المعلومات المتداولة بأن هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة بالشراكة معها تعتمد ميزانيات تشغيلية كبيرة وغير منطقية لمشاريعها في اليمن، بحيث تصل أحياناً إلى تخصيص نصف تمويل المشاريع ميزانية تشغيلية، على الرغم من أنها تُوظِّف أعداداً بسيطة ضمن جهود تستهدف مئات الآلاف من السكان، وهي معادلة غير متوازنة، وتؤكد وجود خلل كبير على هذا الصعيد.
  • الخلل القائم في ضبْط نوعية المشاريع: تستحوذ المشاريع الإغاثية في اليمن على معظم التمويل المقدَّم من المانحين، سواء تحت إشراف الأمم المتحدة أو عبر قنوات أخرى. وعلى سبيل المثال، فإن مشاريع الأمن الغذائي وحدها استحوذت على 35% تقريباً من مجمل التمويل بين العامين 2017-2020. وبالرغم من أهمية المشاريع الإغاثية، إلا أن استحواذها على معظم التمويل يأتي على حساب المشاريع التنموية التي تثمر نقلة حقيقية في حياة السكان على المدى البعيد، عوضاً عن أن تكتفي بتلبية حاجاتهم الآنية.

ويبدو أن المشكلة المتعلقة بالميزانيات التشغيلية نابعة من عدم وجود ضوابط حقيقية تنظم عملية إعداد الموازنات لدى الأمم المتحدة وهيئاتها، واقتصار اللوائح المعتمدة حالياً على معايير ومحددات عامة، ومن دون وضع حدود لما يُفترَض إنفاقه على الميزانية التشغيلية من إجمالي التمويل[4].

وبالتالي، من المهم أن يُمارِس المانحون ضغوطاً لفرض معايير جديدة تُلزِم هيئات الأمم المتحدة باعتماد ميزانيات تشغيلية محدودة تضمن إنفاق معظم التمويل لصالح المستفيدين، أو التوافق على منحها دوراً إشرافياً فقط مقابل مخصصات رمزية، وإسناد المشاريع إلى جهات أخرى محلية أو دولية مستعدة للالتزام بهذه المعايير، ومع تكليف طرف مستقل بمراجعة كافة البيانات والتحقق من العمليات والكميات وشمولية التوزيع على أرض الواقع.

وينبغي أن تفضي المعايير الجديدة إلى تقييد وتقليص مجمل النفقات ضمن الميزانية التشغيلية للمنظمات، ابتداءً من أجور الموظفين وانتهاءً بتكاليف السفريات الدولية والتنقل بين المحافظات اليمنية وبقية الخدمات التي تحتاجها، وأن يجري التحقُّق من أسعار مختلف البنود بمقارنتها مع الأسعار السائدة في السوق، لاسيما في ظل المزاعم التي كثيراً ما تتردد حول وجود فساد مالي كبير يحصل بتواطؤ بين بعض موظفي المنظمات ومُزوِّدي الخدمات من التجار.

من جهة ثانية، ينبغي أن يبحث المانحون مع هيئات الأمم المتحدة إمكانية انتقالها بشكل تدريجي نحو تنفيذ مشاريع تجمع بين الطابع الإغاثي والتنموي، وإعداد استراتيجية شاملة تُنظِّم هذا التحوُّل وفق القواعد المتعارف عليها في هذا المجال تحت إطار ما يعرف بـ "الصلة بين الجانبين الإنساني والإنمائي" (Humanitarian-Development Nexus)[5].

ويمكن على سبيل المثال تحقيق تقدُّم مهم على هذا الصعيد عبر مشاريع "النقد مقابل العمل"، والتي يتم فيها تكليف السكان المحليين بتنفيذ مشاريع خدمية في مناطقهم مثل رصْف الطرق أو حفر آبار المياه مقابل أجور تدفعها المنظمات؛ فهذه المشاريع تُنفَّذ بعشوائية في الوقت الحالي، ومن أجل تقديم مصدر دخل آني للسكان فقط، دون مراعاة أولوياتهم أو احتياجاتهم على المدى البعيد، وبالتالي ينبغي الاستعاضة عنها بمشاريع مختلفة تُلبِّي أولويات السكان، وتتيح لهم فرص عمل أو مصدر دخل في المستقبل.

وتنطوي المقترحات السابقة على فرص إضافية، لاسيما ما يتعلَّق منها بإعادة توجيه المشاريع نحو الجانب التنموي؛ حيث يمكن تحت إطار هذا التحوُّل إنجاز بعض مشاريع إعادة الإعمار، خصوصاً أن مشاريع إعادة الإعمار ستتطلَّب تكاليف كبيرة تتراوح بحسب بعض التقديرات بين 20 و25 مليار دولار[6].

كما يمكن ممارسة مزيدٍ من الضغوط على الأمم المتحدة وهيئاتها لدفعهما نحو القبول بمقترحات الحكومة اليمنية حول مُصارَفَة المساعدات عبر البنك المركزي في عدن، الأمر الذي سيساعد على الحد من تراجُع سعر صرف العملة المحلية ومضاعفاتها الخطيرة على ظروف المواطنين المعيشية داخل مناطق سيطرة الحكومة.

خلاصة واستنتاجات

  • عُقِد في مطلع مارس الجاري المؤتمر الخامس رفيع المستوى لإعلان التعهدات بشأن الأزمة الإنسانية في اليمن، وأفضى المؤتمر إلى تعهُّدات بتقديم 43% فقط (1.67 مليار دولار) من المبلغ الذي تُطالِب به الأمم المتحدة (والمقدر بـ 3.85 مليارات دولار) لتمويل المساعدات، وعلى الرغم من أنها تفوق تعهُّدات العام الماضي، إلا أنها تعكس نمط تراجع تعهُّدات المانحين مقارنةً بالعامين 2018-2019، وعلى نحوٍ سيؤدي غالباً إلى تقليص أعداد المستفيدين من برامج المساعدات رغم استمرار تفاقم حِدَّة الأزمة الإنسانية في اليمن.
  • ويستدعي تراجُع تعهُّدات المانحين إعادة النظر في استراتيجية هيئات الأمم المتحدة في إدارة الاستجابة للأزمة الإنسانية في اليمن، وتحديداً في ما يتعلَّق بالنفقات التشغيلية ونوعية المشاريع؛ خاصة في ظل ما يروج حول اعتماد هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة بالشراكة معها في اليمن ميزانيات تشغيلية كبيرة تصل أحياناً إلى نصف إجمالي التمويل، فضلاً عن أن التركيز على المشاريع الإغاثية واستحواذها على معظم التمويل كانا على حساب المشاريع التنموية التي تثمر نقلة حقيقية في حياة السكان.
  • من المهم أن يُمارِس المانحون ضغوطاً أكبر على الأمم المتحدة وهيئاتها من أجل فرض معايير جديدة تُلزمهما باعتماد ميزانيات تشغيلية محدودة تضمن إنفاق معظم التمويل لصالح المستفيدين من السكان، وأن يجري إقرار آليات صارمة لمراجعة كافة بنود النفقات للحيلولة دون أي هدر أو تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب الصالح العام. وينبغي أن يبحث المانحون مع الأمم المتحدة إمكانية التحوُّل التدريجي نحو مشاريع تجمع بين الطابع الإغاثي والتنموي، بحيث تسد حاجة السكان على المدى الطويل.

أحدث المواضيع المميزة