الخبرة الصينية في مواجهة "كورونا" المُستَجَد: عوامل النجاح وأوجه الضعف، والدروس المُستفادة

محمد فايز فرحات | 19 مارس 2020

ظهر فيروس كورونا المُسْتَجَد، كما بات معروفاً، داخل إحدى المدن الصينية (ووهان) في ديسمبر 2019، وتنامت معدلات الإصابة به والوفاة بسببه بشكل سريع، الأمر الذي حدا بالسلطات الصينية إلى إعلان حالة الطوارئ القصوى في العديد من مقاطعات البلاد لمواجهة الانتشار السريع للمرض. وبفعل الطريقة المتشددة التي اعتمدتها الحكومة الصينية في إدارة أزمة تفشي الفيروس، أخذت معدلات الإصابة والوفاة في التراجع منذ الثلث الأخير من فبراير 2020 على نحو ملحوظ، ووصل هذا التراجع حد الإعلان عن عدم تسجيل أي إصابات جديدة محليّة المصدر بالفيروس في 19 مارس الجاري.

تُلقي هذه الورقة الضوء على بعض جوانب الخبرة الصينية في مواجهة تفشي فيروس كورونا المُستَجَد، وكيف نجحت في إدارة واحدة من أخطر الأزمات الصحية التي واجهتها البلاد في تاريخها المعاصر واحتواء آثارها، وما هي أبرز أوجه الضعف التي تخللت هذه العملية، وما الذي يُمكِن للعالم أن يتعلَّمه من ذلك كله.

انتشار فيروس كورونا في الصين: مؤشِّرات التَّعافي

مع أن إجمالي عدد المصابين النَّشطين (إجمالي المصابين محذوفاً منه عدد حالات التعافي) ارتفع في 22 يناير 2020 من 554 حالة إلى 11289 حالة في 31 يناير، واستمر هذا العدد في الصعود إلى أن بلغ 58016 حالة في 17 فبراير، إلا أن هذا العدد أخذ في اليوم التالي مباشرة منحىً تنازلياً، إذ بلغ في 18 فبراير 57805 حالة، ثم 35129 في 29 فبراير، ليصل إلى 10733 حالة في 14 مارس، ثم 9893 حالة في 15 مارس، ثم 8043 حالة في 17 مارس (بانخفاض قدره 920 حالة في يوم واحد). ويوضح الشكل البياني رقم 1 تطور عدد الحالات المصابة النَّشطة يومياً خلال الفترة من 22 يناير إلى 17 مارس 2020.  

ويمكن عَزو هذا التَّحسُّن السريع في معدلات الإصابة إلى عاملين أساسيين متوازيين: أولهما، حدوث تراجع في عدد حالات الإصابة الجديدة يومياً. والثاني، تزايد عدد حالات التعافي. فقد حدث تحوُّل في عدد حالات الإصابة الجديدة وعدد حالات التعافي في 18 فبراير، إذ أصبح عدد حالات التعافي أعلى بكثير من عدد حالات الإصابة الجديدة بدءاً من 19 فبراير (انظر الشكل البياني رقم 2). وبلغ عدد حالات الإصابة الجديدة في 15 مارس 16 حالة فقط مقابل تعافي 842 حالة مصابة في ذلك اليوم، بعد أن كانت الفجوة قد وصلت إلى أقصاها في 12 فبراير، عندما وصل عدد حالات الإصابة في ذلك اليوم 14108 حالة مقابل تعافي 1162 حالة فقط.  

وقد عكس هذا التَّحسُّن نفسه أيضاً في مؤشرين مهمين آخرين. الأول، تراجع عدد الوفيات اليومية بدءاً من 18 فبراير. فبينما أخذ عدد الوفيات اليومية خلال الفترة التي سبقت يوم 18 فبراير منحىً تصاعدياً؛ ليرتفع من 8 حالات وفاة في 23 يناير، إلى 46، 146، 143، 142، في أيام 31 يناير، و12 فبراير، و14 فبراير، و15 فبراير على الترتيب، أخذ هذا المؤشر منحىً مُعاكِساً بدءاً من 18 فبراير؛ وباستثناء يوم 23 فبراير (حيث ارتفع فيه عدد الوفيات إلى 150 حالة)، أخذ عدد الوفيات اليومية منحىً تنازلياً ليصل إلى 14 حالة وفاة فقط في 15 مارس، ثم 13 حالة في 16 مارس، وصولاً إلى 11 حالة وفاة فقط في 17 مارس (انظر الشكل البياني رقم 3).

أما المؤشر الثاني، وهو نتيجة للمؤشرات السابقة، فتمثَّل في ارتفاع معدل التعافي مقابل حصول تراجع ملحوظ في معدل الوفيات، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين المؤشرين بشكل واضح لصالح معدل التعافي، إذ ارتفع معدل التعافي في 15 مارس إلى 95.47% بينما انخفض معدل الوفاة إلى 4.53%، وذلك على العكس من الوضع القائم في بداية شهر فبراير عندما كان معدل التعافي 56.82% مقابل معدل وفاة بلغ 43.18% (انظر الشكل البياني رقم 4).


 

عوامل النجاح الصيني في إدارة أزمة "كورونا"

عواملٌ عديدة يُمكنها أن تُفسِّر نجاح الصين في إدارة أزمة كورونا المُستَجَد والحد من انتشار المرض في أراضيها؛ منها ما يتعلَّق بخصوصية النظامين السياسي والثقافي-الاجتماعي في هذا البلد، ومنها ما يتصل بطبيعة رأس المال الصيني والشركات الكبيرة، فيما يرتبط بعضها الآخر بالقدرات المالية الصينية.

1. خصوصية النظامين السياسي، والثقافي -الاجتماعي

طبَّقت الصين نظاماً صارماً لمنع انتشار الفيروس، شمل حزمة من الإجراءات القاسية الهادفة لكبح تفشِّيه والكشف عن الحالات المشتبه بها. هذا النظام لم يكن لينجح في التعامل مع عدد ضخم من السكان (حوالي 1.4 مليار نسمة) ما لم يكن يتَّسم بدرجة كبيرة من الصرامة والحزم. وأحد التفسيرات المطروحة لفعالية هذا النظام هو طبيعة النظام السياسي القائم في الصين، من حيث المركزية السياسية القائمة على هيمنة الحزب الشيوعي الصيني، الذي يسيطر بدوره على النظام السياسي وعلى وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية، الإلكترونية وغير الإلكترونية، فضلاً عن الهيمنة على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن مع أهمية هذا التفسير، لا يمكن إغفال عامل آخر يتمثل في طبيعة الثقافة الصينية الكونفوشيوسية، التي تُولي وزناً مهماً لطاعة السلطة العامة (سلطة الدولة أو الجماعة والأسرة).

طبيعة النظامين السياسي، والثقافي-الاجتماعي مكَّنت الحكومة الصينية من تنفيذ حزمة الإجراءات الخاصة بمحاصرة انتشار الفيروس، واكتشاف الحالات المصابة، وفرض عمليات العزل الجماعي...إلخ بكفاءة عالية، كما خلقت نوعاً من التفهم والتعاون الشديد من جانب المجتمع في تنفيذ هذه الإجراءات.

2. الموارد المالية والفنية الضخمة والقدرة على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي

أحد عوامل النجاح الأساسية في التجربة الصينية لمكافحة "كورونا" المُسْتَجَد هو توفر الموارد المالية والفنية الضخمة التي وُجِّهت بشكل سريع، وفي مدى زمني قصير، لمواجهة الفيروس على مختلف المستويات في وقت واحد (وقف معدل الانتشار، اكتشاف الحالات المصابة، العلاج وتقليل معدل الوفاة، والاستثمار في عملية تطوير اللقاح والعلاج المناسب داخل المؤسسات الطبية...إلخ)؛ هذه القدرات المالية مكَّنَت الحكومة الصينية من وضع أنظمة وإجراءات فعالة لاكتشاف الحالات المصابة، وتطهير المباني والشوارع بشكل منتظم، وبناء خطوط إنتاج المواد والمستلزمات الطبية اللازمة، وبناء المستشفيات المخصصة لاستقبال الحالات المصابة بسرعة كبيرة.. إلخ.

كذلك، لعب هذا العامل دوراً في انتقال الحكومة الصينية إلى مستوى آخر في عملية المواجهة، والمتمثل في العمل على تخفيف الآثار الاقتصادية للأزمة على الشركات وقطاع الأعمال والحفاظ على مستويات العرض والطلب المحلي، من خلال تطبيق حزمة من الإجراءات المالية، شملت: إلغاء الفوائد البنكية على الشركات المتضررة من الأزمة، وتخفيض معدلات الفائدة على القروض المُقدَّمة للشركات، بهدف تقليل تكاليف تمويل والإنتاج. ولم يقتصر ذلك على الشركات العاملة داخل مدينة ووهان أو مقاطعة هوبي الأكثر تضرراً، لكنه شمل عدداً كبيراً من المقاطعات. وشمل ذلك أيضاً العمل على تخفيض الأعباء المالية الدورية على الشركات المُتضرِّرة، من قبيل الإعلان الصادر في 18 فبراير عن إعفاء جميع الشركات العاملة في مقاطعة "هوبي"، والشركات الصغيرة في باقي المقاطعات من دفع المعاشات وإعانات البطالة وإصابات العمل حتى شهر يونيو المقبل (2020)، وتخفيض هذه الأعباء إلى النصف حتى شهر أبريل بالنسبة للشركات الكبيرة خارج مقاطعة هوبي. أضف إلى ذلك، اتجاه بعض المقاطعات إلى تطوير نظام التأمين، كما حدث في مقاطعة "هاينان" (جنوب الصين) التي أعلنت في 17 فبراير عن إطلاق أول منتج تأميني مصمم خصيصاً لتغطية الخسائر التي تتكبدها الشركات نتيجة تفشي الفيروس.

وتنفيذ بعض هذه الإجراءات تطلَّب ضخ موارد مالية في الجهاز المصرفي الصيني، ومع أنه لا توجد تقديرات محددة حتى الآن للتكلفة الإجمالية لهذه الإجراءات لكنها ليست قليلة بالتأكيد.

من ناحية أخرى، أبدت الحكومة والشركات الصينية الكبيرة قدرة كبيرة على التوظيف السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والمتاحة لدى عدد من الشركات الصينية الكبيرة في إدارة الأزمة، بجانب القدرة على بناء وتوظيف قواعد البيانات الضخمة في عمليات المواجهة بأبعادها المختلفة. وقد لعبت شركات التكنولوجيا الكبيرة دوراً مهماً في هذا المجال، ومن ذلك ما قامت به شركة "بايدو" Baidu التي طورت نظام استشعار حراري يعتمد على برمجيات الذكاء الاصطناعي، أمكن استخدامه في الأماكن العامة شديدة الازدحام من أجل تحديد ما إذا كان شخص من بين المارة يُعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، وهي تقنية قادرة على فحص 200 شخص في الدقيقة الواحدة دون إعاقة المارة أو إجبارهم على الانتظار، ما ساهم في فحص أعداد ضخمة من المواطنين في أوقات قياسية بالمقارنة بوسائل الفحص التقليدية بواسطة الأطقم الطبية البشرية.

كما نجحت الحكومة الصينية بالتعاون مع نفس الشركة في تطوير مجموعة من الروبوتات الذكية للقيام بعدد من المهام، بدءاً من فحص الأفراد المشتبه بهم (أخذ المسحات من اللُّعاب)، وتوصيل الأدوية للمرضى داخل المستشفيات المخصصة لتقديم الرعاية الطبية. ومثل هذه التقنيات لعبت دوراً كبيراً في تخفيض معدلات انتشار المرض من الأشخاص المصابين إلى الأطقم الطبية والعكس. أيضاً، تم الاعتماد على هذه الروبوتات في القيام بعدد ضخم من الاتصالات بالمواطنين بهدف جمع البيانات حول حالاتهم الصحية وتاريخ تنقلاتهم وتحليل هذه البيانات لاحقاً وربطها بالحالات الصحية للأفراد ومعرفة احتمالات إصابتهم بالمرض، ومن ثمّ أمكن الوصول إلى تقديرات مسبقة حول معدلات الإصابة وخريطة انتشار الفيروس.  

ويمكن الإشارة إلى آلية مهمة أخرى جرى استخدامها في إدارة عمليات المكافحة لتفشي المرض، وهي المركبات المتنقلة ذاتية القيادة، التي تم الاعتماد عليها في توصيل المواد الغذائية والطبية وعمليات تعقيم المستشفيات، والتي لعبت دوراً كبيراً في تقليل الاحتكاك والتفاعل البشري المباشر مع المرضى المُصابين والأماكن كثيفة الإصابة.

3. إدراك رأس المال الصيني لمسؤوليته الاجتماعية

بالإضافة إلى الدور المهم الذي قامت به الدولة الصينية، لعب رأس المال، مُمثلاً في الشركات الكبيرة، خاصة شركات تكنولوجيا المعلومات وشركات التجارة الإلكترونية، دوراً مهماً في مجالات ثلاثة أساسية:

الأول، هو ما قامت به هذه الشركات من المساهمة في توفير المعلومات الدقيقة والمُحدَّثة حول طبيعة الفيروس وخريطة انتشاره، وطريقة الوصول إلى الخدمات الطبية اللازمة، وخريطة المراكز الطبية. وكانت هذه المعلومات شديدة الأهمية في المراحل الأولى من ظهور الفيروس، وفي ظل غياب معلومات محددة حول طريقة التعامل معه. كما قامت بعض هذه الشركات بإضافة خدمات جديدة إلى تطبيقاتها الإلكترونية، من قبيل قيام شركة "بايدو" بإضافة خريطة على تطبيق الخرائط الخاص بها Baidu Map App، تضمنت معلومات مُحدَّثة حول عدد الحالات المؤكدة والمشتبه فيها داخل المنطقة الموجود بها مستخدم التطبيق، بشكل يساعد المستخدم على تجنُّب المناطق كثيفة الإصابة، بالإضافة إلى ما تضمنته الخريطة من معلومات حول المراكز الصحية والطرق المغلقة.

كذلك، أطلق تطبيق "كيهو 360" Qihoo360 منصة يمكن من خلالها لراكبي القطارات والطائرات معرفة ما إذا كانت هناك أية حالات إصابة مؤكدة على رحلاتهم المخططة (بمجرد إدخال بيانات الرحلة) حتى يتسنى لهم اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أنفسهم من الإصابة وزيارة أقرب مستشفى في حال ظهور أية أعراض عليهم.

الثاني، هو مساهمة عدد من الشركات في توفير ساحات بديلة لإدارة وتنسيق الأعمال عن بُعْد، ودعم أنشطة التعليم عن بُعْد إثر تعطيل عمل المدارس والجامعات. ويدخل في هذا، قيام موقع "DingTalk" المملوك لشركة "علي بابا"، و"WeChat Work" المملوك لشركة Tencent، و"Feishu" المملوك لشركة ByteDance، و"WeLink" المملوك لشركة Huawei بتوفير ساحات لتنسيق الأعمال وإدارة العمل عن بُعْد. كما سمحت شركة ByteDance بالاستخدام المجاني للنسخة التجارية من تطبيق "Feishu" لمدة ثلاث سنوات لجميع الشركات الصغيرة والمتوسطة والمنظمات غير الحكومية والمستشفيات والمؤسسات الطبية. وقامت العديد من الشركات بزيادة سعات الإنترنت المخصصة لمؤتمرات الفيديو والمكالمات التليفونية، واستخدام المواقع الطبية. وفي مجال تسهيل التعليم عن بُعْد، قامت العديد من المنصات والمواقع التعليمية مثل Liulishuo، Onion Academy، Zuoyebang، بتوفير الكورسات التعليمية الإلكترونية لطلاب المدارس. وقام تطبيق DingTalk المملوك لشركة علي بابا بتوفير نافذة إلكترونية للمدرسين وأساتذة الجامعات من أجل تقديم الدروس والمحاضرات التعليمية من المنزل.

الثالث، هو الدور الذي لعبه بعض هذه الشركات في دعم أنشطة البحث والتطوير ذات الصلة. من ذلك على سبيل المثال قيام شركة "علي بابا" بعرض استخدام قدراتها الحوسبية في مجال الذكاء الاصطناعي AI Computing Capabilities بواسطة المؤسسات البحثية الحكومية من دون مقابل، بهدف دعم أنشطة البحث والتطوير الرامية إلى معرفة التركيب الجيني للفيروس وعمليات تطوير اللقاح اللازم. كذلك قامت شركة "بايدو" بإتاحة خوارزمية "الطي الخطي" LinearFold Algorithm الخاصة بها للاستخدام من جانب العلماء والمؤسسات الطبية التي تعمل على مكافحة تفشي الفيروس وتحديد بنية RNA الثانوية للفيروس، وتحليل تغيرات هذه البنية ذات التركيب المتشابه (الإنسان والحيوان)، الأمر الذي يُسهِّل معرفة كيفية انتشار الفيروس بين الكائنات المختلفة بشكل أفضل.

إن الدور الذي لعبته الشركات الصينية الكبيرة في هذه المجالات الثلاث كان له تأثيره الكبير في فعالية إدارة الأزمة، وذلك بالنظر إلى الإمكانات المالية الضخمة المتاحة لدى هذه الشركات بصفة عامة، وقدراتها التكنولوجية على نحوٍ خاص. كما عكس هذا الدور تجذَّر المسؤولية الاجتماعية لدى هذه الشركات، وهي مسألة يفتقدها قطاع الأعمال في العديد من الدول الأخرى. إلا أن هذه المسؤولية الاجتماعية لا يمكن فهمها أيضاً بمعزل عن طبيعة النظام الثقافي-الاجتماعي في الصين.

أوجه الضعف التي كشفتها الأزمة

مع أهمية مظاهر النجاح الصيني في احتواء كورونا المُستَجَد، إلا أن الأزمة كشفت أيضاً عن بعض المشكلات. ويمكن الإشارة هنا إلى مشكلتين أساسيتين. تتمثل أولاهما في المركزية ورد الفعل البطيء للجهاز الإداري الصيني، وتردده في مواجهة التطورات والظواهر الطارئة. فعلى الرغم من الخبرة الصينية السابقة مع فيروس سارس خلال عامي 2002 و2003 لكن رد الفعل تجاه انتشار فيروس كورونا المستجد اتسمت بالبطء النسبي، حيث مالت البيروقراطية المحلية في مدينة ووهان خلال المراحل الأولى من ظهور الفيروس إلى التعامل معه من منظور أمني (متابعة غرف الدردشة على وسائل التواصل الاجتماعي). وظلت وتيرة التعامل الوظيفي مع الفيروس بطيئة نسبياً حتى أظهر الرئيس الصيني شي جين بينج نفسه اهتمامه بالقضية والتعامل معها باعتبارها أزمة حقيقية. وهذا البطء يعود نسبياً إلى طبيعة النظام السياسي والإداري الصيني الذي يتسم بدرجة كبيرة من المركزية، الأمر الذي تطلب صدور قرارات مركزية في اتجاه نقل الموضوع من مجال الضبط الأمني والاجتماعي إلى التعامل معه باعتباره أزمة صحية فعلية وخطيرة.

المشكلة الثانية، التركيب الديموغرافي كعامل مساعد في رفع معدل الوفاة في المراحل الأولى من الأزمة. فرغم المؤشرات المهمة على نجاح التجربة الصينية في تحجيم انتشار فيروس كورونا، لكن معدل الوفاة اتسم بالارتفاع خلال الفترة من بدء ظهور الفيروس وحتى 18 فبراير. هذا المعدل المرتفع يمكن إرجاعه إلى عدد من العوامل، يتعلق بعضها بالتركيب الديموغرافي للمجتمع الصيني، ويتصل بعضها الآخر بالعادات السلوكية السائدة.

ونشير هنا إلى سمتين مهمتين؛ أولاهما، ارتفاع نسبة الشرائح العمرية المتقدمة، الأمر الذي تسبَّب في زيادة نسبة الأشخاص الأكثر عُرْضة للمضاعفات الصحية للفيروس (الالتهاب الرئوي). فقد شهد التركيب الديموغرافي للمجتمع الصيني تحولاً ملحوظاً خلال العقود الثلاث الأخيرة في اتجاه زيادة نسبة الشرائح العمرية المتقدمة، نتيجةً لتسارع معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسُّن الرعاية الصحية، ما أدى إلى ارتفاع العمر المتوقع عند الميلاد، فضلاً عن سياسة الطفل الواحد المعمول بها منذ عقود قبل أن تشهد بعض التعديلات خلال السنوات الأخيرة، ما أفضى في النهاية إلى اختلال الهرم السكاني. فقد انخفضت نسبة الشريحة العمرية الأصغر (صفر-14) سنة من 33.6% في سنة 1982 إلى 16.8% فقط من إجمالي السكان في سنة 2017. وفي المقابل ارتفعت نسبة الشريحة العمرية الأعلى سناً (65 سنة فأكثر) من 4.9% إلى 11.4% من إجمالي السكان في السنوات ذاتها، وفق بيانات مكتب الصين الوطني للإحصاء. بمعنى آخر، فقد انخفضت نسبة الشريحة العمرية (صفر-14) إلى نصف ما كانت عليه في بداية ثمانينيات القرن الماضي، بينما تضاعفت نسبة الشريحة الأعلى (65 سنة فأكثر) إلى أكثر من الضعف.

وارتفاع نسبة الشرائح العمرية الأكبر داخل المجتمع الصيني ساهم بلا شك في زيادة نسبة الوفيات خلال المرحلة الأولى من بدء انتشار الفيروس، وذلك بالنظر إلى كون هذه الشريحة هي الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية للفيروس، وهو الأمر الذي لم تُعِرهُ السلطات الصينية انتباهاً في بداية أزمة تفشي الفيروس.

 السمة الثانية، ارتفاع معدل التدخين في المجتمع الصيني، خاصة بين فئة الرجال (47.6% بين الرجال البالغين مقابل 1.8% فقط بين النساء)، وهو عامل ساهم بدوره في زيادة احتمالات حدوث المضاعفات الصحية للفيروس. وهذه الظاهرة قد تُفسِّر سبب ارتفاع نسبة الرجال من إجمالي المتوفين بسبب الفيروس مقارنة بالنساء (64% من إجمالي المتوفين، مقابل 36% للنساء).

وفي المُجمَل، فقد كشف ارتفاع معدل الوفيات قبل السيطرة على معدل انتشار الفيروس عن مشكلة اختلال الهرم السكاني في الصين، وهي مشكلة قد تساهم أزمة "كورونا المستجد" في تسليط المزيد من الضوء عليها خلال مرحلة التعافي وما بعدها.

خلاصة واستنتاجات

مع أن الصين مثَّلت منطقة ظهور فيروس كورونا المستجد، وعانت من معدلات انتشار ووفيات مرتفعة خلال المراحل الأولى من بدء الأزمة، لكنها سرعان ما نجحت في احتوائها، حيث بدأت معدلات الإصابة والانتشار والوفاة في الانحسار تدريجياً، وبدأت تأخذ اتجاهاً مُعاكِساً بدءاً من 18 فبراير الماضي. ويمكن القول إن الصين قدمت تجربة مهمة للتعامل مع أحد التهديدات غير التقليدية الجديدة التي كشفت مع الوقت عن خطورة مثل هذا النوع من التهديدات، بتكاليفها البشرية والاقتصادية الضخمة، والتي سرعان ما تحولت إلى أزمة عالمية بفعل ظاهرة العولمة.

واعتمدت التجربة الصينية في إدارة الأزمة على حزمة من الأدوات المالية لتخفيف الآثار الاقتصادية على الشركات والمقاطعات المتضررة من الأزمة، وقد أفضت هذه التجربة إلى تأكيد ثلاثة أمور واستنتاجات أساسية: الاستنتاج الأول يتعلق بأهمية دور المجتمع في عملية المواجهة، كشرط رئيس لنجاح الإجراءات المطبقة لاحتواء الفيروس. ويشير الاستنتاج الثاني إلى الدور المهم الذي لعبه رأس المال، مُمثلاً في الشركات الكبيرة، في إنجاح إدارة الأزمة، إذ لم يكن من الممكن تصور نجاح الصين في التعاطي بكفاءة مع انتشار الفيروس من دون الدور المهم الذي قامت به هذه الشركات - المملوكة للدولة وللقطاع الخاص على حد سواء - في دعم عملية المواجهة، ودعم جهود الدولة وتقوية قدرة المجتمع على مقاومة المرض. وهذا الدور لم يكن مقصوراً على شركات التكنولوجيا الكبيرة، لكنه شمل الشركات التجارية مثل شركة علي بابا. ويبين الاستنتاج الثالث أهمية استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في عملية مواجهة تفشي الأمراض المُعدية، وسريعة الانتقال، كما هو الحال مع فيروس كورونا المستجد.

ويعود جزء من نجاح الخبرة الصينية إلى بعض أوجه الخصوصية الوطنية، مثل طبيعة النظام السياسي والإداري، والوفورات المالية الضخمة، وطبيعة النظام الثقافي-الاجتماعي، لكن يظل هناك جزء كبير من هذه الخبرة مُهماً بالنسبة للعالم. ويعني ذلك أن المرحلة المقبلة لابد أن تشهد تعاوناً وتنسيقاً كبيراً بين الصين والعالم لتشارك هذه الخبرة، والمعلومات الضخمة التي باتت متاحة لدى الحكومة والمؤسسات الطبية الصينية حول هذا الفيروس وخصائصه الجينية واحتمالات تطوره مستقبلاً، وأنماط العلاقات المختلفة بين معدلات الإصابة والوفاة من ناحية، ومتغيرات العمر والنوع والتاريخ الصحي للفرد ..إلخ، وذلك في إطار مقارن مع هذه الأنماط في مجتمعات أخرى؛ ويستند هذا إلى حقيقة أن التهديد الوبائي لم يعد محلياً بقدر ما أصبح تهديداً عالمياً بامتياز.

ويتطلَّب النجاح في تشارك هذه الخبرة شروطاً مهمة، على رأسها تخلِّي جميع الأطراف عن إخضاع كورونا المستجد لنظرية المؤامرة والانسياق من ثمّ إلى تبادل الاتهامات بشأنه. علماً أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إخضاع مثل هذه الأزمات الصحية لتلك النظرية، فقد سبق إخضاع أزمة فيروس سارس وإنفلونزا الطيور لنفس النظرية، والتي ثبت عقمها وإعاقتها مساعي تعزيز التعاون الدولي في مواجهة أزمات صحية مماثلة. ومن المؤكد أن إخضاع أزمة كورونا المستجد لهذا النمط من التفكير سيُلحِق أضراراً كبيرة بعملية المواجهة مستقبلاً.

* باحث مُختَص في الشؤون الصينية والآسيوية.

أحدث المواضيع المميزة