الصين وأزمة "كورونا": كشف حساب أوَّلي للتكاليف الاقتصادية والسياسية

محمد فايز فرحات | 13 فبراير 2020

تطورت أزمة تفشِّي فيروس "كورونا" في الصين بسرعة لافتة للنظر، ولم يعد التعاطي مع هذه الأزمة همَّاً محلياً صينياً وحسب، بل اتخذ طابعاً عالمياً متزايداً، بالنظر لخصائص هذه النسخة الجديدة من الفيروس، والعوامل التي ساعدت على انتشار المرض وتوسُّع نطاق تفشِّيه في مدى زمني قصير نسبياً، وطبيعة المخاوف التي أثارها لدى مؤسسات المجتمع الدولي وبين عموم الناس العاديين في أماكن مختلفة من العالم.

وقد كشفت هذه الأزمة، من ضمن ما كشفته، أنه لم يتطوَّر بعدُ اهتمامٌ كافٍ لدى دارسي العلاقات الدولية أو المُهتمِّين بالدراسات الصينية بأشكال محددة من التهديدات غير التقليدية ذات المنشأ الصيني، وعلى رأسها الفيروسات المُعدية والقابلة للانتشار على نطاق واسع مثل فيروس "كورونا". وشرعية إثارة هذا القصور تأتي من ثلاثة عوامل أو معطيات أساسية:

أولها، أن هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها الصين ظهور مثل هذا النوع من الفيروسات الوبائية القاتلة والقابلة للانتشار. فقد عرفت الصين خلال عامي 2002-2003 تطوُّر ما عرف بمتلازمة "سارس"، الناتجة عن أحد أنواع فيروسات "كورونا"، والتي أصابت حينها 5327 شخصاً في الصين، وتسببت في وفاة 774 شخصاً على مستوى العالم.

ويتَّصِل العامل أو المعطى الثاني بانتشار ظاهرة توطُّن بعض الفيروسات في أقاليم أو دول بعينها، ومن ذلك على سبيل المثال ظهور فيروس "إيبولا" في أجزاء من غرب أفريقيا خلال الفترة 2014-2016 وانتشاره في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ عام 2018. وبمعنى آخر، فإن ظهور فيروس "كورونا" في الصين بنسخه أو أنواعه المختلفة، هو جزءٌ من ظاهرة توطُّن فيروسات مُحدَّدة في مناطق أو دول بعينها، الأمر الذي يوجب دراسة هذه الظاهرة، ومعرفة أسبابها وتداعياتها والطرائق المثلى للتعامل معها.

ويتعلق ثالث تلك العوامل أو المعطيات بالموقع الخاص للصين واقتصادها داخل بنية الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل حالة التكامل الاقتصادي والاعتماد المتبادل الكثيف بين الاقتصاد الصيني من ناحية، والاقتصاد العالمي والعديد من الأقاليم العالمية الأخرى من ناحية ثانية، الأمر الذي يُشير إلى وجود فرصة كبيرة لنقل أية مشكلات أو ظواهر مرضية أو "وبائية" من الصين إلى العالم بفعل التشابكات العميقة القائمة، وأن ثمة فرصة مماثلة للتأثير المتعدد المستويات في الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى مركزية الاقتصاد الصيني داخل النظام الاقتصادي العالمي.

تطوُّر أزمة "كورونا"

وفقاً للإحصاءات المتاحة حتى نهاية العاشر من فبراير 2020، بلغ إجمالي عدد الوفيات بسبب المرض 1018 حالة وفاة. ومن الملاحظ أن عدد حالات الوفاة اليومية بسبب الفيروس في تزايد مُطَّرد؛ فقد ارتفع عدد الوفيات من 8 حالات وفاة فقط في 23 يناير ليصل إجمالي عدد الوفيات في ذلك اليوم 25 حالة، ثم قفز الرقم إلى 43 حالة في 30 يناير ليصل إجمالي الوفيات في ذلك التاريخ إلى 213 حالة وفاة، ثم 86 حالة وفاة في يوم 7 فبراير ليصل إجمالي حالات الوفاة وقتئذٍ إلى 724 حالة وفاة، ثم 108 حالات في يوم 10 فبراير ليصل إجمالي حالات الوفاة 1018، وليتجاوز عدد الوفيات الناتجة عن النسخة الحالية من فيروس كورونا تلك التي تسبب فيها مرض السارس في العقد الأول من هذا القرن. وعلى رغم انخفاض متوسط معدل الوفيات اليومية ليصل إلى 12-13% خلال العشرة أيام الأولى من شهر فبراير مقارنة بمتوسط 36.11% خلال الفترة من 23 يناير إلى 31 يناير، فإن عدد الوفيات بسبب المرض آخِذٌ في التنامي بالنظر ارتفاع عدد الوفيات خلال شهر فبراير (انظر الجدول رقم 1).

ومن الملاحظ أيضاً أن حالات الإصابة والوفاة ما تزال تتركز في الصين؛ فمن بين إجمالي 43104 حالة إصابة حتى 10 فبراير كان نصيب الصين منها 42638 حالة إصابة، وتتوزع حالات الإصابة الأخرى على دول آسيوية. كما أنه من بين إجمالي 1018 حالة وفاة حتى التاريخ نفسه، كان نصيب الصين منها 1016 حالة، وتوزعت الحالتان الأُخريان على هونج كونج والفيليبين، بواقع حالة وفاة واحد لكل منهما (انظر الجدول رقم 2). وتأتي أهمية هذا التوزيع من تأكيده أن الأزمة لا تزال حتى الآن أزمة صينية بالأساس، ولم تتحول بعد إلى أزمة عالمية. كما أن معظم حالات الإصابة خارج الصين كانت نتيجة انتقال أو احتكاك مباشر بالبيئة الصينية.

تسييس "كورونا": أربعة نماذج كَشَفَت عنها الأزمة

على الرغم مما يمثله "كورونا" من تهديد آني مهم واحتمال تحوّله إلى تهديد عالمي، نظراً لمركزية الاقتصاد الصيني داخل الاقتصاد العالمي، وحالة التشابك الكثيفة بين الاقتصادات الدولية، الأمر الذي كان يوجب درجة كبيرة من التعاون العالمي لمواجهة هذا التهديد، إلا أن المتغيرات الحالية التي يمر بها النظام العالمي عموماً، والعلاقات الأمريكية-الصينية على وجه الخصوص، انعكست على طريقة التعامل مع هذا التهديد، وتسببت في خضوع أزمة تفشِّي المرض لدرجة عالية من التسييس، سواء داخل الصين أو خارج الصين. ومن بين أهم نماذج/أنماط التسييس التي كشفت عنها الأزمة، يمكن الإشارة إلى أربعة منها على النحو الآتي:

النموذج الأول ذو صلة بحقيقة فيروس "كورونا" نفسه وتفسير طبيعة منشئه، إذ ذَهَبَ بعض "التحليلات" إلى أن النسخة الحالية من فيروس "كورونا" ليست سوى أحد الفيروسات المُخلَّقة معملياً بواسطة إحدى الجهات الصينية، ضمن خطة متكررة وعمدية، الهدف منها إجبار الشركات الغربية والأجنبية على بيع أصولها وأسهمها والخروج من الصين. ويشير أصحاب وجهة النظر هذه إلى أن الحكومة الصينية استطاعت خلال هذه الأزمة شراء أصول وأسهم عدد كبير من الشركات الأجنبية بأسعار منخفضة. ويرى هؤلاء في "الخطة" الصينية المزعومة هذه جزءاً من "حرب وبائية" لجأت إليها الصين في إطار إدارة حربها الاقتصادية والتجارية مع الولايات المتحدة. ويُرجِعون اختيار الصين لمدينة "ووهان" كموطن لتخليق ونشر الفيروس إلى تركُّز عدد كبير من الصناعات والشركات الأجنبية في المدينة.

ويعتمد هؤلاء على مؤشرين أساسيين لدعم وجهة نظرهم. الأول، توقيت بدء هذه "الحرب الوبائية"، إذ أتت عقب توقيع الاتفاق التجاري بين الصين والولايات المتحدة في منتصف يناير لإنهاء المرحلة الأولى من الحرب التجارية بين البلدين، والذي يقضي بالتزام الصين بشراء سلع أمريكية إضافية بقيمة 200 بليون دولار خلال عامي 2020/2021، مقابل تخفيضات جزئية للرسوم الجمركية التي تم فرضها في سياق هذه "الحرب". ووفقاً لهؤلاء، فإن نشر هذا الفيروس الجديد في هذا التوقيت سيسمح للصين بالتنصُّل من تطبيق الاتفاق استناداً إلى مادته السابعة التي تنصُّ على تشاور الجانبين في حالة حدوث ظرف طارئ قد يمنع أياً منهما من الوفاء بالتزاماته.

المؤشر الثاني، وفاة الطبيب الصيني "لي وينليانغ" Li Wenliang (طبيب العيون بمستشفى يوهان المركزي) في السابع من فبراير الجاري (2020). ووفق صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، فإن "وينليانغ" واحدٌ من بين مجموعة أطباء صينيين قلائل حذروا من خطر فيروس "كورونا" قبل تفشِّيه. ورغم أن وفاة "وينليانغ" جاءت بسبب إصابته بالفيروس ذاته أثناء علاجه للمرضى في المستشفى المركزي في مدينة "ووهان"، لكن أنصار هذا الاتجاه ذهبوا إلى أن "وينليانغ" قُتِلَ عمداً لمنع كشف حقيقة "المؤامرة" الصينية. ويذهب بعض الروايات الأخرى ضمن الاتجاه ذاته إلى أن تخليق الفيروس كان بغرض استخدامه خارج الصين، لكن بسبب خطأ ما انتشر الفيروس داخل الصين.

لكن هذه "القراءة" في الواقع يعوزها الكثير من الدقة والمنطق لأسباب عديدة، يتصل بعضها بالتكاليف والخسائر الاقتصادية الضخمة المتوقع أن يتكبَّدها الاقتصاد الصيني، والتي قد تفوق حجم الواردات الصينية المتفق عليها بموجب الاتفاق الموقَّع مع الولايات المتحدة، بل ووجود مصلحة صينية في تطبيق الاتفاق. أضف إلى ذلك التكاليف الأخرى غير الاقتصادية التي ستتكبدها الصين، على نحو ما سيُشار إليه لاحقاً. وأخيراً، من المهم التذكير بأن فيروس "كورونا" الحالي ليس الأول من نوعه الذي يضرب مناطق في الصين، إذ سبق ذلك تجربة تفشِّي "السارس" بين عامي 2002 و2003.

ويطرح النموذج الثاني مسألة ضعف الحريات العامة في الصين، وقد استند أصحاب وجهة النظر هذه مرة أخرى إلى واقعة وفاة الطبيب "وينليانغ" تحديداً، والطريقة التي عُومل بها من جانب الشرطة الصينية عقب إرساله تحذيراً إلى عدد من زملائه الأطباء في 30 ديسمبر 2019 عبر إحدى مجموعات غرف الدردشة على تطبيق WeChat الصيني، ذكر فيه أنه لاحظ وجود سبعة مرضى - جميعهم من سوق للمأكولات البحرية والثدييات والطيور الحية بالمدينة - وقد ظهرت عليهم أعراض مشابهة لأعراض مرض المتلازمة التنفسية الحادة (سارس). وفي رسالة لاحقة لزملائه، أشار "وينليانغ" إلى أن التحليلات الطبية التي أُجريت على هذه الحالات أثبتت نتيجة إيجابية بالنسبة لفيروس "سارس"، لكنه أوضح في رسالة تالية أن الفيروس كان في الواقع نوعاً مختلفاً من فيروس "كورونا". وبدلاً من التعامل بجدية مع هذه التحذيرات، جرى استدعاء الطبيب من قبل السلطات المحلية في الثالث من يناير واتهامه "بنشر شائعات ومعلومات كاذبة، والإضرار بالنظام العام"، وأُجبِرَ على توقيع إقرارٍ/تعهُّدٍ بالتوقف عن ذلك. وفي نفس الوقت، عُمِّمت تعليمات إلى المستشفيات الصينية بعدم الإدلاء بأية معلومات عن الواقعة وطبيعة الحالات المكتشفة.[i]

في مرحلة لاحقة، وبعد انتشار الفيروس، ذهبت المحكمة العليا في الصين في 28 يناير 2020 - على لسان المتحدث الرسمي باسم المحكمة - إلى أن الطبيب "وينليانغ" وزملائه عوملوا بطريقة غير لائقة، وانتقدت المحكمة شرطة "ووهان" لمعاقبتها أول المُبلِّغين عن ظهور الفيروس، معتبرةً أن الأزمة ما كانت لتصبح بهذا السوء لو جرى التعامل مع تلك التحذيرات بجدية. وذهب المتحدث باسم المحكمة إلى أن الشرطة لو كانت أظهرت تسامحاً مع الطبيب وزملائه - حتى مع افتراض أن المعلومات التي تداولوها كانت كاذبة أو مشكوك في صحتها من وجهة نظر الشرطة - فإن هناك فرصة محتملة لتعامل مواطني المدينة بجدية مع هذه المعلومات، وهو أمرٌ كان سيدفعهم إلى ارتداء الأقنعة الواقية وتجنُّب ارتياد الأسواق المحلية في وقت مبكر من بدء انتشار الفيروس، وكان ذلك سيُفضي ربما إلى تقليل معدل انتشاره.

وبالإمكان القول إن التركيز على هذا البعد في أزمة كورونا سيكون له تداعياته خلال المرحلة المقبلة في الصين، خاصة أن التناول الإعلامي لهذا الجانب من الأزمة وطريقة إدارتها صينياً لم يكن مقصوراً على الإعلام الخارجي والغربي، لكنه شمل الداخل الصيني أيضاً.

ويتصل النموذج الثالث لتسييس "كورونا" بعودة الهجوم الإعلامي والسياسي المتبادل بين الصين والولايات المتحدة على خلفية أزمة الفيروس. ففي الوقت الذي كانت قد تراجعت فيه نسبياً أزمة الحرب التجارية بين البلدين عقب توقيعهما على الاتفاق التجاري في منتصف يناير 2020، إلا أن اللهجة العدائية بين الجانبين سرعان ما عادت إلى الواجهة على أرضية أزمة "كورونا". فقد أدت تصريحات وزير التجارة الأمريكي التي أشار فيها إلى أن أزمة الفيروس قد تُسهِم في استعادة الولايات المتحدة فرص العمل، ومن ثمَّ إصدار وزارة الخارجية الأمريكية إشعاراً برفع مستوى التحذير بشأن السفر إلى الصين إلى أعلى درجة، وعلى نحو يُماثِل المستوى الذى تطبقه بشأن كل من العراق وأفغانستان، إلى إثارة الجانب الصيني، ودفع وزارة الخارجية الصينية في الأول من فبراير 2020 إلى وصف هذه التصريحات والإجراءات بأنها "غير ودّية"، وأن ما فعله الجانب الأمريكي "لم يدل بأي حال من الأحوال على نوايا طيبة"، وأنه "في اللحظة التي أوصت فيها منظمة الصحة العالمية بعدم فرض قيود على السفر إلى الصين، سارعت الولايات المتحدة إلى السير في الاتجاه المعاكس، ما لم يكن قطعاً دلالة على نوايا طيبة".  

وكان من اللافت أن الجانب الصيني أعاد في نفس السياق التأكيد على أهمية الدور الذي يضطلع به الحزب الشيوعي الصيني ونموذج الاشتراكية ذات الخصائص الصينية. إذ ذهبت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية في سياق الرد على التصريحات والإجراءات الأمريكية إلى أن "الصين واثقة تمام الثقة أنه في ظل القيادة القوية للحزب الشيوعي الصيني والقوة الهائلة للاشتراكية ذات الخصائص الصينية والدعم القوى من المجتمع الدولي، فإن الشعب الصيني سيفوز في تلك المعركة بالتأكيد".[ii]

وبدت ملامح النموذج الرابع في تسريع وتيرة التعاون الصيني-الروسي الرامي إلى تطوير لقاح مضاد للفيروس، فعلى الرغم من الاهتمام الكبير الذي أبداه علماء أمريكيين ومعاهد أمريكية متخصصة بالنسخة الجديدة من "كورونا"، والعمل على تطوير لقاح ضد الفيروس، لكن لم يتم الإعلان عن تنسيق بين المعاهد الأمريكية ونظيرتها الصينية. وفي المقابل، نشأ تعاون علمي صيني-روسي سريع، وهو ما أكَّده بيان أصدرته القنصلية الروسية في مدينة غوانشو الصينية في 29 يناير، ذكرت فيه أن روسيا والصين تعملان معاً على تطوير لقاح مضاد للفيروس، وأن بكين سلَّمت روسيا الشفرة الوراثية للفيروس. وكان ملفتاً أن يأتي الإعلان عن هذا التعاون على لسان القنصلية الروسية في غوانشو تحديداً.  

التكاليف الاقتصادية والسياسية للأزمة: كشف حساب أوَّلي

رغم وضوح التكلفة البشرية العالية للنسخة الحالية من فيروس كورونا، إلا أن تأثيرات أزمة الفيروس ليست مقتصرة على هذا الجانب، فثمة تكاليف اقتصادية باهظة أخذت في الظهور تباعاً، كما يُمكِن الحديث عن تكاليف سياسية متوقعة للأزمة.

1. التأثيرات الاقتصادية

مثلت أزمة كورونا مظهراً وشاهداً كاشفاً آخر لمدى عمق حالة التشبيك القائم داخل الاقتصاد العالمي. ومع أن التكاليف الاقتصادية الأكبر للأزمة سيدفعها الاقتصاد الصيني، إلا أنها ستترك آثاراً مؤكدةً على الاقتصاد العالمي. وبشكل عام، سيتركز التأثير الأكبر للأزمة على قطاعات التجارة العالمية، والسياحة، والنقل الجوي، والبحري، وأسواق الأسهم والعملات. ورغم أنه من الصعب طرح تقديرات ذات ثقة حول حجم تأثير الأزمة حتى الآن؛ إذ سيعتمد الأمر على مدة استمرارها، وعلى قدرة الحكومة الصينية على السيطرة على الفيروس وتبعاته، ونجاحها في تطوير لقاح مضاد وفاعل للفيروس في أسرع وقت ممكن، ومع هذا يمكن طرح عدد من الآليات الأساسية التي ستؤثر من خلالها هذه الأزمة على الاقتصاد العالمي والاقتصادات الوطنية.

التأثير الأكبر كما سبق القول سيتركز في الاقتصاد الصيني، خاصة في قطاعات السياحة، والنقل والمواصلات، والتجارة، وصناعة السيارات، والتجارة الداخلية، بسبب مركزية هذه القطاعات من ناحية، وبسبب القيود الضخمة التي تم فرضها على حركة النقل والتنقل الداخلي من ناحية أخرى، وهو ما سيؤثر على حجم الطلب الداخلي ذي الصلة بهذه القطاعات، وبالتالي تراجع معدل النمو الاقتصادي. ووفق بعض التقديرات، سوف يتراوح حجم التراجع المتوقع لنسبة نمو الاقتصاد الصيني من 6% المتحققة خلال الربع الأخير من عام 2019 إلى حوالي 5% أو أقل خلال الربع الأول من عام 2020، وذلك بافتراض انتهاء الأزمة في نهاية هذا الربع، الأمر الذي سيؤثر على معدل النمو الاقتصادي الفعلي خلال عام 2020.

وقد اتخذت الحكومة الصينية عدداً من الإجراءات بهدف احتواء تأثيرات الأزمة، كان أبرزها إعلان البنك المركز في أوائل فبراير ضخ 300 بليون يوان (حوالي 43 بليون دولار أمريكي) إلى البنوك الصينية لتسهيل الدعم الائتماني للشركات والقطاعات الاقتصادية المتضررة، إلا أنه مع استمرار الأزمة وتعمُّقها فإن هذه الآلية ستظل محدودة التأثير وغير كافية بسبب التراجع الضخم في حجم الطلب المحلي. أضف إلى ذلك طبيعة مدينة "ووهان" ذاتها التي تمثل مركزاً لشركات تصنيع السيارات وشركات الحديد. 

إن التأثير الأهم للأزمة سيكون من خلال تراجع الطلب الصيني على عدد من السلع الأساسية، وعلى رأسها النفط والمعادن؛ فتراجع الطلب الصيني على النفط، والذي يمثل نسبة مهمة من حجم الطلب العالمي، سيقود بالضرورة إلى تراجع في متوسط أسعار النفط، ومن ثمَّ التأثير في حجم إيرادات الدول المُصدِّرة للسلعة، وعلى حجم نمو الاقتصاد العالمي ككل. وقد بدأت بالفعل مؤشرات على ذلك، شملت تراجع أسعار النفط منذ بدء الأزمة بنسبة وصلت إلى حوالي 20%، بالإضافة إلى تراجع أسعار المعادن الأساسية، خاصة النحاس (تراجعت الأسعار بنسبة 7%).

من ناحية ثانية، اضطر العديد من الشركات العالمية العاملة داخل الصين إلى تعليق أنشطتها في هذا البلد، ومن بين أهمها شركة "تويوتا" اليابانية العملاقة لصناعة السيارات، وشركة "آبل" الأمريكية للإليكترونيات، وسلسلة "ستاربكس" التي قامت بإغلاق 2000 فرع من إجمالي 4300 فرع لها في الصين (تمثل السوق الصينية ثاني أكبر سوق للشركة بعد الولايات المتحدة).

ومن ناحية ثالثة، لا يمكن تجاهل التأثير المتوقع للأزمة في قدرة الصين على تنفيذ مبادرة الحزام والطريق خلال عام 2020، وفي أكثر من وجه، خاصة قدرة الحكومة الصينية على الوفاء بالمخصصات المالية الموجهة للمبادرة، وقدرتها على زيادة حجم العمالة الصينية العاملة في بعض المشروعات خارج الصين.

وفي شكل عام، سيتفاوت تأثير أزمة "كورونا" على الاقتصادات الدولية المختلفة تبعاً لدرجة ارتباطها بالاقتصاد الصيني.

2. التأثير في القوة الناعمة للصين

التأثيرات الاقتصادية المباشرة السابقة لأزمة كورونا قد ينتج عنها تأثير غير مباشر على مستقبل "القوة الناعمة" الصينية، والتي أولتها الحكومة الصينية اهتماماً كبيراً خلال العقدين الأخيرين. وتعتمد الصين في تعزيز قوتها الناعمة على سياسات عدة، أبرزها تكثيف التفاعل المباشر بين الشعب الصيني ومختلف الشعوب والحضارات الأخرى. وكان ملفتاً أن إحدى الوثائق المهمة حول مبادرة الحزام والطريق المعنونة "رؤية وخطط البناء المشترك للحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين"، الصادرة في 25 مارس 2015 عن لجنة التنمية والإصلاح القومية، والتي تمثل واحدة من أهم الوثائق الصينية التي قدَّمت شرحاً أكثر تفصيلاً لرؤية الحكومة للمبادرة، كانت قد حددت خمس أولويات عمل أساسية للمبادرة،[iii] هي: تنسيق السياسات الاقتصادية واستراتيجيات التنمية بين الدول الواقعة على مسار المبادرة، وربط البنية الأساسية، وإزالة الحواجز أمام التجارة والاستثمار، والتكامل المالي، وأخيراً توسيع وتعميق التواصل الشعبي. وركَّزت الوثيقة في هذا السياق على تشجيع التبادل الأكاديمي والثقافي والإعلامي، وزيادة حجم البعثات التعليمية، والتوسُّع في تنظيم الأعوام الثقافية ومهرجات الأفلام والسينما ومعارض الكتاب، وتبادل المسلسلات والأفلام السينمائية، وتشجيع السياحة والتفاعل بين الأحزاب السياسية والبرلمانات والمنظمات غير الحكومية.

لقد كان واضحاً التأثير المباشر لأزمة "كورونا" على أشكال التفاعل والتواصل البشري المباشر، سواء داخل الصين أو خارجها. وليس من المتوقع أن ينتهي هذا التأثير بشكل سريع في ظل الإجراءات والضوابط التحوطية التي اتخذها العديد من دول العالم لقطع الطريق على انتشار الفيروس خارج الصين. ومن الأدوات المهمة التي اعتمدت عليها الصين في هذا الإطار توسيع حجم البعثات التعليمية داخل الجامعات الصينية. وقد تركت الأزمة تأثيراتها المباشرة في هذه البعثات (تعطيل الدراسة داخل الجامعات، وإجلاء دول عديدة طلابها من داخل الصين). لكن التأثير الأخطر سيتعلق بتأثير الأزمة الراهنة على مدى جاذبية الصين كوجهة للبعثات التعليمية. كما رصد بعض التقارير تعرُّض الجاليات الصينية في الخارج لبعض المضايقات. وبالإضافة إلى هذه التأثيرات، فتحت النسخة الجديدة من "كورونا" باباً للجدل حول الأنماط والعادات الغذائية الصينية، وربطها بشكل مباشر بتطور فيروسات "كورونا" أو الفيروسات التاجية.

وهكذا، فإن هذه الأنماط من التأثيرات ستُلقي بظلالها على مصادر وأدوات تعزيز القوة الناعمة الصينية، الأمر الذي يفرض تحديات ضخمة على الحكومة الصينية لمحاولة تجاوز هذه الأزمة ومعالجتها، وتوصيل رسائل ذات ثقة بصعوبة تكرار أزمات كهذه مستقبلاً.

3. التأثيرات السياسية

بعيداً عن الأشكال والنماذج المختلفة السابقة لتسييس أزمة "كورونا" سيظل هناك بعض التأثيرات السياسية للأزمة. ويرتبط أبرز هذه التأثيرات بالطريقة التي تعاملت بها الشرطة الصينية في مدينة "ووهان" مع الطبيب "وينليانغ". فقد أدت هذه الطريقة، وما تبعها من نقد من جانب المحكمة العليا، ثم وفاة الطبيب نفسه متأثراً بنفس الفيروس، إلى تطوير جدل عام وواسع على مواقع التواصل الاجتماعي داخل الصين حول قضايا عدة، بدءاً من كفاءة التعامل مع تحذيرات ذات طبيعة مهنية وتتعلق بموضوع خطير مثل "كورونا"، وانتهاء بإثارة مسألة الحريات العامة في بلدٍ كبيرٍ كالصين. وقد زاد من أهمية هذا الجدل وسرعة انتشاره عوامل عدة، أهمها النقد الذي وجهته المحكمة العليا نفسها على مواقع التواصل الاجتماعي لشرطة "ووهان"، وانتماء الطبيب "وينليانغ" إلى شريحة الشباب (34 عاماً)، وزيادة حجم مُستخدمي الإنترنت وتطبيقات التواصل الاجتماعي في الصين بالمقارنة بوقت أزمة "سارس" قبل أقل من عقدين (وثَّقت بيانات الهيئة المعنية بالفضاء الإلكتروني في الصين ارتفاع عدد مُستخدمي الإنترنت في البلاد من 68 مليون مواطن صيني في سنة 2003 إلى 829 مليون مواطن في سنة 2018)، بالإضافة إلى تحول "كورونا" إلى أزمة حقيقية فاقت في تكاليفها البشرية فيروس "سارس". ووفقاً للعديد من التقارير الإخبارية، استخدم الصينيون الكثير من الهاشتاقات hashtags ذات الدلالة، بعضها كان مباشراً مثل: "حكومة ووهان تدين للدكتور لي وينليانغ بالاعتذار"، و"نريد حرية التعبير". وجاء بعضها غير مباشرٍ مثل: "هل يمكنك الإدارة؟ هل تفهم؟" في محاولة لمحاكاة الأسئلة التي تم توجيهها للطبيب "وينليانغ" في وثيقة الشرطة التي وقَّع عليها.

ولا شك أن هذا الجدل سوف يترك تأثيره على درجة الثقة في بعض المؤسسات الصينية، وطريقة التعامل مع التحذيرات ذات الطبيعة المهنية، فضلاً عن الربط الذي سيتم بين ضعف الحريات العامة في الصين وكفاءة إدارة أزمات ذات طبيعة مهنية.

وماذا بعد؟

من المتوقع، ختاماً، أن تُعيد أزمة "كورونا" الراهنة طرح سؤال مركزي على الحكومة الصينية، أخذ في التردُّد مؤخراً، وهو: "إلى متى ستظل الصين بيئة مواتية لنشأة الفيروسات القاتلة وذات الطبيعة الوبائية أو شبه الوبائية؟" وهذا النوع من التساؤلات، بغض النظر عن مدى دقته أو وجاهته، سيفرض على السلطات الصينية مجموعة من الاستحقاقات والمراجعات المهمة خلال الفترة المقبلة، لعل من أهمها: ضرورة وضع ضوابط على بعض الأسواق المحلية وبعض الأنماط الاستهلاكية والغذائية؛ وأهمية التعامل مع هذا النوع من التهديدات باعتباره تهديداً "عالمياً" مشتركاً، الأمر الذي يوجب الانفتاح والتعاون بين مختلف الدول، ولاسيما الأكثر تفوقاً وتقدُّماً من الناحية العلمية، في تطوير لقاحات فعَّالة للتعاطي مع هذا النوع من الفيروسات، بعد أن ثبت أن السيطرة على انتشاره إلى خارج الصين تم بتكاليف مرتفعة تنال في الأساس من المبادئ والسياسات الصينية الاقتصادية الأساسية في المرحلة الراهنة، وعلى رأسها الالتزام الصيني بسياسة الانفتاح الاقتصادي، وسياسة العولمة المالية والاقتصادية، وتسريع عمليات الدمج والتكامل بين الاقتصاد الصيني ومختلف الأقاليم عبر مبادرة الحزام والطريق بمكونيها البري والبحري.

 [*] باحث مصري مختص في الشؤون الصينية والآسيوية.

الهوامش

[i] انظر على سبيل المثال: Yong Xiong and Nectar Gan, “This Chinese doctor tried to save lives, but was silenced. Now he has coronavirus”, CNN. February 4, 2020. Available at: https://edition.cnn.com/2020/02/03/asia/coronavirus-doctor-whistle-blower-intl-hnk/index.html

[ii] Foreign Ministry Spokesperson Hua Chunying's Comments to the Press on Unfriendly US Remarks Amid China's Fight Against the Outbreak, February 1, 2020. Available at: https://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/xwfw_665399/s2510_665401/2535_665405/t1738551.shtml

[iii] National Development and Reform commission, Ministry of Foreign Affairs, and Ministry of Commerce of the People’s Republic of China, “vision and Actions on Jointly Building Silk Road Economic Belt and 21st Century Maritime Silk Road”, China, 28 March 2015. Available at: http://en.ndrc.gov.cn/newsrelease/201503/t20150330_669367.html  

 

أحدث المواضيع المميزة