هل ينجح محمد علاوي في تشكيل الحكومة العراقية المقبلة؟

مركز الإمارات للسياسات | 17 فبراير 2020

في تكرار لمشهد تكليف عادل عبد المهدي، توافق زعيمُ التيار الصدري مقتدى الصدر وزعيمُ تحالف "الفتح" هادي العامري تحت المظلة الإيرانية، على ترشيح وزير الاتصالات الأسبق محمد توفيق علاوي لمنصب رئيس الحكومة الجديدة، الذي ما إنْ كلّفه رئيس الجمهورية برهم صالح رسمياً بالمهمة في 1 فبراير 2020، حتى اشتدت وتيرة المظاهرات في بغداد وعدد من المحافظات الجنوبية، وتعالت صيحات المتظاهرين المندِّدة بالتفاف الصدر، حليفهم التكتيكي، على المعايير التي اشترطوا أن تتوافر في المرشح المقبول، وأهمها أن يكون شخصية مستقلة وغير مزدوج الجنسية ولم يشارك في الحكومات السابقة.

تُلقي هذه الورقة الضوء على إشكالات تكليف علاوي، وموقف الصدر والحراك الاحتجاجي منه، وتبحث في مدى قدرة علاوي على تشكيل الحكومة.

آلية التكليف

بعد مُضي عدة أشهر من الاحتجاجات ودعم زعيم التيار الصدري مطالب المحتجين، تراجع مقتدى الصدر عن موقفه الرافض لمحاولات تجاهل المعطيات الجديدة التي فرضتها حركة الاحتجاجات الشعبية، ووضَع يده مجدداً في يد زعيم تحالف "الفتح" هادي العامري، لكن هذه المرة تحت رعاية "حزب الله" اللبناني، الذي باشر زعيمه بدفع من طهران مهمة ملء الفراغ الذي خلّفه مقتل قائد "قوة القدس" قاسم سليماني، وإعادة ترتيب أوراق الملف العراقي عبر توظيف علاقاته الحميمة مع قطبَي البيت "الشيعي"، التيار الصدري والفصائل الولائية. فنجح حسن نصر الله في عقد لقاء بين الصدر وعدد من قادة الميليشيات في مدينة قم الايرانية، سبقها تنظيم لقاء بين الصدر وهادي العامري طُلب منهما خلاله، توحيد الصف والاتفاق على مرشح لرئاسة الحكومة يُنهي فترة الانسداد السياسي بعد استقالة عادل عبد المهدي، فضلاً عن تشكيل جبهة مقاومة ضد الوجود الأمريكي في العراق. وكانت صحيفة "إندبندنت عربية" (في 1 فبراير 2020) قد ذكرت عن مصادر خاصة أن "القيادي في حزب الله اللبناني محمد كوثراني، والمسؤول الإيراني حسن دنائي قد دعما تكليف علاوي بالمنصب"، باعتباره ضرورة آنية للقوى المقربة من طهران، التي بدت متخوفة من انتهاء المهلة التي حددها رئيس الجمهورية برهم صالح، واحتمالية مغامرة الأخير بتكليف شخصية غير معروفة الولاء والموقف.

ويبدو أن أسباب دعم محمد توفيق علاوي من قبل "حزب الله" ترتبط بالعلاقات التاريخية التي تجمع قيادات الحزب مع رئيس الوزراء المكلف، وتعود إلى السنوات التي شغل فيها منصب وزير الاتصالات، وأفسح المجال للشركات التابعة للحزب من أجل الفوز بعقود استثمارية وتشغيلية مربحة حامت حولها شبهات الفساد والمغالاة في الأسعار، وسط تواطؤٍ كاملٍ من القوى "الشيعية" التي إما نالت جزءاً من الأرباح أو دخلت شريكاً ثانوياً أو حصلت على تسهيلات لغسل أموالها عبر هذه المشاريع التي لا تزال تُدر مئات الملايين من الدولارات سنوياً، وخاصة في قطاع خدمات الإنترنت سيئة الجودة ومرتفعة الكلفة.

إلى جانب ذلك رافقت عملية التكليف عدة ملاحظات، من بينها:

  1. من الناحية الشكلية؛ لم يتم التكليف بحضور رؤساء السلطات الثلاث ولا وسائل الإعلام، وانما تم بطريقة مختلفة تماماً، ويبدو أن سبب ذلك هو اللحاق بالموعد الذي فرضه رئيس الجمهورية على الكتل السياسية كآخر يوم لتسمية المرشح، وإلا سيتولى بنفسه عملية التكليف دون الأخذ في الاعتبار مواقفهم من المرشح.
  2. مخالفة دستورية؛ فقد جاء تكليف علاوي بمنزلة إعادة لسيناريو تكليف عبد المهدي عام 2018، حين خالف الرئيس العراقي للمرة ثانية المادة (76) من الدستور التي تفرض عليه تكليف مرشح "الكتلة البرلمانية الأكبر"، وهو الأمر الذي تم القفز فوقه مرة أخرى، خصوصاً من قبل رئيس الجمهورية الذي كان في وقت سابق طالب البرلمان بتحديد الكتلة الأكبر ثم ترك الأمور تسير وفقاً للاتفاقات غير الدستورية المعهودة.

علاوي إعادة استنساخ لعبد المهدي

يُعتبر محمد توفيق علاوي واحداً من الشخصيات السياسية المخضرمة في العملية السياسية، رغم عدم التزامه بتوجه سياسي محدد نتيجة التحولات الفكرية التي عرفها خلال مرحل حياته، فقد انتمى في فترة من حياته إلى حزب "الدعوة الإسلامية" الذي أسسه محمد باقر الصدر، ليتركه لاحقاً، لكن علاقاته مع الأحزاب الإسلامية لم تنقطع لاسيما مع "المجلس الأعلى الإسلامي" بزعامة محمد باقر الحكيم، الأمر الذي سهّل عليه مهمة الانخراط في عملية بناء النظام السياسي العراقي الجديد منذ عام 2005، حين دخل المعترك السياسي في العراق ضمن القائمة "العراقية" بزعامة أياد علاوي، وعلى إثرها انتُخب عضواً لمجلس النواب لدورتين متتاليتين 2006-2010، كما كُلف بحقيبة وزارة الاتصالات ضمن حكومة نوري المالكي لدورتين لم يُكملهما بسبب خلافات مع المالكي اتُّهم على إثرها بهدر المال العام تسببت بالحكم عليه لاحقاً بالسجن سبع سنوات، قبل تسقط عنه عام 2014 بعد عودته إلى البلاد ومواجهة القضاء الذي برأه من كافة التهم بعد التحقق من عدم صحتها.

على مستوى السمات الشخصية والقيادية يبدو أن شخصية علاوي تلتقي كثيراً من حيث المواصفات مع شخصية عادل عبد المهدي في عدة جوانب، أبرزها:

  1. شخصية تنظيرية لم تُكمِل مسارات عملها التنفيذي في السنوات السابقة؛ فهو يُظهِر معرفةً بالأمور الاقتصادية وشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لكنه لم يُعرَف عنه أي نتاج على مستوى الإدارة الفعلية، بالرغم من ادعائه تحقيق إنجازات كبيرة في قطاع الاتصالات الذي تولى إدارة الوزارة المسؤولة عنه في وقت الموازنات القياسية؛ فلا تزال خدمة الهاتف المحمول والإنترنت في العراق تعتبر من بين الأسوأ على مستوى العالم. كما أنه لم يُعرف عنه امتلاك القدرة على اتخاذ القرار الحقيقي الذي يمكّنه من ردع الفاسدين والقضاء على منظومة الدويلات الحزبية العميقة التي تنخر البلاد.
  2. افتقاره إلى الجرأة في المواجهة، وهو ما تجلى بخلافه مع المالكي، ومغادرته البلاد إبان توليه منصب وزير الاتصالات وتقديمه الاستقالة من الخارج، ورفضه لسنوات المثول أمام القضاء للدفاع عن نفسه في مواجهة التهم المنسوبة إليه، إلا بعد وصول حيدر العبادي إلى رئاسة الحكومة.
  3. انتماؤه للطبقة الأرستقراطية "الشيعية"، التي عاشت في عزلة طويلة عن الطبقات الاجتماعية الدنيا والفئات المهمشة، منذ تحول العراق إلى دولة اشتراكية ريعية مطلع ستينات القرن الماضي، وتقلُّص هامش العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي بفعل غلبة الحسابات الأمنية للأنظمة الجمهورية المتعاقبة التي أَرغمت أبناء هذه الطبقة، سواء الذين غادروا البلاد أو انعزلوا داخلياً، في النهاية على الانقطاع التام عن نبض المجتمع، وبالتالي فقدت ريادتها السياسية لصالح زعامات شعبوية مثل مقتدى الصدر.
  4. طريقة ترشيحه كانت من نفس الأطراف التي رشحت عبد المهدي سابقاً وتخلت عنه في وقت لاحق، ووفق الآليات ذاتها التي حولت عادل عبد المهدي إلى شُرطي مرور تقتصر وظيفته على تنظيم عملية تقاسم مغانم السلطة بأقل ما يمكن من حالات التصادم بين الفرقاء السياسيين.

التحول في مواقف الصدر

حدثت مرحلةُ التحول في موقف زعيم التيار الصدري مباشرةً عقب مقتل زعيم "قوة القدس" قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة "الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس في 3 يناير 2020؛ فقد عبّرت عملية استهدافهم عن استعداد أمريكي كامل لمواجهة طهران حتى آخر شوط، الأمر الذي وضع النظام الإيراني في خطر بعد تنامي المخاوف من عدم قدرة حلفائه التقليديّين، نوري المالكي وهادي العامري، على وضع حد للأزمة العراقية وقمع الاحتجاجات التي رفعت شعارات رفض النفوذ الإيراني، وعليه قررت طهران العمل على خطة بديلة تتيح لها التعامل مع المعطيات الجديدة، كان من أولوياتها إيجاد طريقة لاستمالة مقتدى الصدر بوصفة اللاعب الأهم في المعادلة العراقية بما يضمن لها تحقيق عدة أهداف في آن معاً، هي:

  1. الاستفادة من شعبية الصدر وقدرته على إدارة المشهد السياسي في العراق بعد استقالة عادل عبد المهدي، بالنظر إلى امتلاكه كتلة برلمانية مهمة، "سائرون"، وقاعدة جماهيرية كبيرة يحركها متى شاء وكيفما أراد.
  2. عدم رغبة طهران في تورط الفصائل الولائية في قمع الاحتجاجات بصورة علنية شاملة، وخاصة بعد تنامي مشاعر الكراهية من المتظاهرين تجاه تلك الفصائل التي شنت حملات عنف ضدهم، والمخاوف من توظيف الإدارة الامريكية بدعم أممي أي توسع في استخدام العنف للتدخل في صياغة شكل السلطة بخلاف مصالح إيران التي هيمنت لسنوات على القرار العراقي.
  3. قدرة الصدر على مواجهة الوجود الأمريكي في العراق، وخاصة أن له تاريخاً في المقاومة منذ عام 2003، فضلاً عن حاضنته الشعبية التي ستجعل من استهدافه شخصياً من قبل القوات الأمريكية أمراً محفوفاً بالمخاطر قد يؤدي إلى تكرار السيناريو الحوثي في العراق.

قرار الصدر في إعادة التموضع إلى جانب طهران، سرعان ما دخل حيز التنفيذ بمبادرته للدعوة إلى تنظيم مظاهرة يوم 24 يناير 2019 للمطالبة بطرد القوات الأجنبية من البلاد، ما عُد أولَّ خطوة على طريق حرف مسار المظاهرات الاحتجاجية، لاسيما بعد سلسلة الهجمات التي شُنت على مختلف ساحات الاحتجاج مساء اليوم نفسه، من قبل مجموعات مسلحة مجهولة الهوية، أحرقت خلالها الخيم وأطلقت النار على المعتصمين دون أن يَصدر عن الصدر أو "صالح محمد العراقي" المتحدث باسمه على مواقع التواصل الاجتماعي أي موقف إزاء ذلك، بل على العكس زاد من حدة نبرته في انتقاد المظاهرات قائلاً في إحدى تغريداته: "لديه عتب على المتظاهرين.. وأن البلاد لن تتحمل المزيد من التدمير". ثم أتْبع هذه التغريدة بإصدار أمر لأصحاب "القبعات الزرق" (وهم مجموعة من سرايا السلام الذين كلفهم بحماية المتظاهرين في الأيام الأولى لانطلاقها) بالانسحاب من ساحة التحرير في بغداد، مُستكملاً انعطافاته الحادة بإعطاء الضوء الأخضر لاقتحام الساحة، والسيطرة على رمز الاحتجاج "المطعم التركي"، من قبل أنصاره الذين حملوا لافتات ترحيب بالمرشح الجديد أعقبها بيوم واحد تكليف علاوي، الذي لم يتردد الصدر بوصفه بأنه "خيار العراقيين".

وتؤشر تضحية الصدر بأعوام من الجهود لتحسين صورته في أعين العراقيين، من خلال تبني خطاب وطني تصالحي معتدل تجاه "السُّنة"، والانفتاح على التيارات المدنية والعلمانية عبر محاولة إيجاد أرضية مشتركة، إلى ضخامة الرهان الذي وضعه على عودته إلى الحضن الإيراني، والمقابل الكبير الذي يتوقع الحصول عليه من طهران نظير انقلابه على نفسه، بما لا يقل عن الاعتراف به زعيمَ "شيعة" العراق أسوةً بحسن نصر الله في لبنان، وعبد الملك الحوثي في اليمن.   

الحراك الجماهيري وتكليف علاوي

لم يُسهِم الإعلان عن تكليف محمد توفيق علاوي رئيساً للوزراء في إخماد حركة الاحتجاجات العراقية بل ساهم في تصعيدها، وزاد الوضع سوءاً في ظل أجواء انعدام الثقة بين الشارع العراقي والكتل السياسية؛ فبعد الإعلان الرسمي عن رئيس الوزراء الجديد رفض المتظاهرون المرشح، واعتبروا أنه لا يمثلهم، وأن الكتل السياسية لم تستمتع لرأي المتظاهرين، كما أكدوا أن أي مرشح يأتي من داخلها مرفوض تماماً.

ورغم الغَزَل الذي بادر به علاوي نحو الحراك الاحتجاجي، بإعلانه عن دعمه لمواصلة المتظاهرين حراكهم، والتعهد بتحقيق كامل مطالبهم مقابل أن يحظى بترحيبهم ودعمهم لأي قرار يتخذه ضد مصالح الطبقة السياسية، إلا أن الرد كان صريحاً ومباشراً من قبل عامة المتظاهرين غير المؤدلجين، برفض كامل لسيناريو التكليف والتهديد بتصعيد حركة الاحتجاجات، وهو ما حصل فعلاً، حيث شهدت محافظات العراق الجنوبية إضراباً طلابياً عن الدوام في المدارس والجامعات، دفع زعيم التيار الصدري إلى الطلب من "سرايا السلام" المموهة تحت اسم "القبعات الزرق"، قمع التظاهرات تحت غطاء تأمينها من المندسين والمخربين، ما أحدث حالةَ انقسام حادة فتت الأرضية المشتركة بين الطرفين، لاسيما بعد تسرب فيديوهات تُظهر مستوى العنف والاعتداءات التي قام بها أنصار الصدر بحق المعتصمين، واعتُبر على نطاق واسع  جزءاً من الثمن الذي تعين على الصدر دفعه لصالح إيران مقابل الاعتراف به اللاعب الأهم في صياغة مستقبل العملية السياسية.

على الجانب الأخرى يُصر المتظاهرون على موقفهم الذي يبدو بأن الصدام مع "القبعات الزرق"، قد حررهم من قيود الشراكة الميدانية مع الصدريين، ومنحَ حراكَهم ديناميةً ذاتية ترتكز بالأساس على التضحيات التي قدموها طوال الأشهر الأربعة الماضية، وكان للاتحادات الطلابية دورٌ كبير في زيادة زخم الاحتجاج، وخاصة "اتحاد طلاب بغداد" الذي اتفق على تنظيم تظاهرة مليونية يوم الأحد من كل أسبوع لتعويض التذبذب في أعداد المتظاهرين، الأمر الذي يُعيد الاحتجاجات إلى الواجهة بطريقة يستحيل الانقضاض عليها من قبل القوى السياسية، فضلاً عن انتظار النتائج التي يمكن لرئيس الوزراء المكلف تحقيقها، وأهما شكل الحكومة التي سيقودها، ومدى قدرته على الخروج من ضغط الأحزاب السياسية والسير نحو إجراء انتخابات مبكرة.

الكابينة الحكومية والتنافس الحزبي

لا يبدو أن حالةَ الانسداد التي تشهدها العملية السياسية قد انتهت بعد تكليف علاوي، نظراً لتصاعد الخلافات بين القوى السياسية على مغانم السلطة، فيما لم يُعلن رئيس الوزراء المكلَّف بدوره عن الآليات التي سيعتمدها في اختيار الكابينة الوزارية، وعليه برزت صراعات بين الأحزاب السياسية على عدة مستويات، من بينها:

  1. على مستوى القوى "الشيعية"؛ التي يمكن النظر إليها من خلال مسارين: الأول ما بين عرّابي الرئيس المكلف، "الفتح" و"سائرون"، بعدما بدأت المخاوف تساور أوساط تحالف العامري من احتمالية انفراد الصدر بتشكيل الحكومة من خلال الاستحواذ على عدد من الوزارات تحت عنوان وزراء تكنوقراط مستقلين، ودعم علاوي في تسمية بقية الوزراء الذين بدأت المعلومات تتسرب بأن خمسة منهم على الأقل سيكونون من خاصة أصدقائه المقيمين في لندن، بما يُظهر الحكومة بمظهر المستقلة عن نفوذ الأحزاب السياسية التي يحتج الشارع عليها، وهو ما لن يَطيب لتحالف "الفتح" الذي وافق على علاوي مقابل الاحتفاظ بمواقعه التي كان عليها في الحكومة المستقيلة. أما المسار الثاني فهو داخل حزب "الدعوة الإسلامية" وامتداداته داخل كتلة "البناء"، ممثَّلاً في ائتلاف "دولة القانون" الذي أبدى زعيمه نوري المالكي امتعاضه من انفراد العامري في حسم ملف المرشح لرئاسة الحكومة دون أن يأخذ رأيه، وهو ما عبَّر عنه في بيان وُزع على وسائل الإعلام قال فيه: إنه "ليس جزءاً من سيناريو التكليف وليس له أي علاقة بانتخاب شخصية لا تنسجم مع المواصفات التي تَوافق عليها العراقيون". ويبدو أن موقف ائتلاف دولة القانون نابعٌ من الخلافات الشخصية التي كانت بين علاوي والمالكي إبان الولاية الثانية للأخير. وعلى الجانب الآخر أعلن ائتلاف "النصر" الذي يتزعمه حيدر العبادي بأنه: "ليس طرفاً باختيار المرشح الذي يجب أن يحظى بثقة الشعب"، فضلاً عن تحفظ عدد من القوى الأخرى وأهمها تيار "الحكمة" الذي يراقب مسارات التشكيل دون أن يصدر عنه موقف محدد؛ ما يعني إمكانية رفض هذه الأطراف لكابينة علاوي إذا لم يأخذ حاجاتها ومصالحها في الاعتبار.
  2. على مستوى القوى السُّنية؛ فرغم أن تكليف علاوي حظي بمباركة بعضها، سيما تحالف "المحور الوطني" الذي يتزعمه خميس الخنجر، وجبهة "الإنقاذ والتنمية" التي يتزعمها أسامة النجيفي، إلا أن هناك مواقف معارضة من قبل رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي الذي يواجه تحركات يقودها السياسي "الشيعي" عزت الشابندر، لتفتيت التحالف الداعم له "تحالف القوى العراقية"، واستقطاب قيادات من التحالف في الحكومة المقبلة، الأمر الذي دعا قطب تحالف القوى وزعيم حزب "الجماهير الوطنية" أحمد عبد الله الجبوري، إلى الإعلان عن نيته عدم التصويت لصالح حكومة علاوي في بيان قال فيه إن "الآلية التي تم خلالها ترشيح رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة الأخ محمد توفيق علاوي، هي آلية أثبتت فشلها وعجزها عن تشكيل فريق حكومي قوي ومنسجم، وأصبح القرار الحكومي متأثراً بالكتلتين اللتين اتفقتا على ترشيحه"، في تلميح مبطن إلى أن استئثار أكبر كتلتين "شيعيتين" بتسمية المرشح لرئاسة الحكومة يفترض أن يقابله السماح للقوى "السنية" بترشيح وزراء المكون. في الوقت ذاته تتواصل هجمات قيادات "جبهة الإنقاذ"، وخاصة رئيسها أثيل النجيفي، الذي أدان فيه تحركات الحلبوسي للظفر بحصة "السُّنة" من الوزارات بالقول إن: "السنة الذين يطالبون حكومة علاوي بحصة، [إنما] يطالبون بحصتهم من الفساد والمنافع الشخصية".
  3. على مستوى القوى الكردية؛ فيبدو جلياً بأنها لا تهتم بالأشخاص بقدر اهتمامها بمصالحها السياسية والحق في ترشيح ممثليها في حكومة محمد توفيق علاوي، وهو ما عبَّر عنه بوضوح القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري الذي قال في تصريحات صحفية بأن: "الكرد مكون أساسي ولديهم حقوق دستورية ولابد من تمثيله بصورة متوازنة وألا يُفرض علينا أشخاص أو أسماء بدعوى الاستقلالية والتكنوقراط دون التشاور مع الإقليم". وكان من جملة مطالبهم الإبقاء على وزير المالية فؤاد حسين في التشكيلة الحكومية المقبلة.

السيناريوهات المحتملة بشأن مستقبل حكومة علاوي

السيناريو الأول: نجاح الرئيس المُكلَّف بتمرير الكابينة الحكومية

يفترض هذا السيناريو أن ينجح رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي بتقديم حكومة مستقلة، تعمل على تنفيذ جزء من مطالب المتظاهرين، وتحظى بدعم الأغلبية الصامتة التي بدأت تُظهر المزيدَ من إشارات القلق من استمرار الاحتجاجات إلى أمد غير معلوم. ويدعم هذا السيناريو عددٌ من الاعتبارات أبرزها:

  1. جاء التكليفُ بمباركة القوى السياسية المتنفذة في مجلس النواب، وعكسَ التوازنات السياسية الداخلية والمؤثرات الخارجية إقليمياً ودولياً، لاسيما المباركة الإيرانية والترحيب الأمريكي؛ الأمر الذي يُحتمل معه أن يعزز فرص الوصول إلى توافقات ولو مرحلية لإنجاح عمل الحكومة الجديدة، التي أصبحت تمثل فرصة النظام الأخيرة للنجاة من استحقاقات الأزمتين الاقتصادية والاجتماعية.
  2. الدعم الأممي الذي حظي به علاوي، والذي أعربت عنه الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس-بلاسخارت، ببيان رسمي ورد فيه أن "الالتزامات التي وردت في بيان رئيس الوزراء المكلف تلبي الكثير من مطالب المحتجين السلميين، وهذا مؤشر مشجع وجدير بالترحيب".
  3. حاجة إيران إلى تهدئة الأوضاع في العراق في ظل الفراغ الذي تركه غياب قاسم سليماني، من خلال دفع حلفائها إلى منح علاوي هامش مناورة أوسع في اتخاذ القرار، والسماح له بإطاحة بعض الشخصيات في إطار عملية مكافحة الفساد، فضلاً عن التخفيف من تدخلات قوات "الحشد الشعبي" العلنية في الشؤون الأمنية والسياسية.
  4. تراجُع زخم التظاهرات تدريجياً تحت ضغط التيار الصدري، الذي لم يُخفِ نواياه في إنهائها بشتى الذرائع؛ ما يفرض على المتظاهرين أخذ استراحة محارب لإعادة حساباتهم بعد إخراج مقتدى الصدر منها، وهي المهمة التي يرجح أن تحتاج إلى وقت ليس بالقصير لبلورة رؤية جديدة، سيما في ظل غياب القيادة الواحدة للحراك الاحتجاجي.

السيناريو الثاني: فشل الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة

يفترض هذا السيناريو ألا يُكتب لحكومة محمد توفيق علاوي المقبلة النجاح، وذلك نتيجة التركة الثقيلة التي خلّفتها الحكومات السابقة، فضلاً عن الهيمنة الإيرانية على القرارين الأمني والسياسي، وضغوط الإدارة الأمريكية التي تهدد باتخاذ إجراءات عقابية في حال فشلت الحكومة العراقية في منع طهران من استخدام العراق كمنفذ للالتفاف على العقوبات الاقتصادية الأمريكية، إلى جانب عدد من الاعتبارات أبرزها:

  1. مشكلة شكل الحكومة التي يُحتمل أن تعطل منحَها الثقة، بسبب صراع الإرادات بين الداعين للذهاب إلى حكومة التكنوقراط المستقلين وبين المطالبين بحكومة التكنوسياسيين، على غرار حكومة عادل عبد المهدي التي أخذت فترة طويلة حتى تم منح الثقة لجميع وزرائها. وهو ما عبَّر عنه بوضوح المعاون الجهادي لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر "أبو دعاء كاظم العيساوي"، الذي هدد خلال حديثه لمجموعة من الصحفيين في 9 فبراير الجاري رئيسَ الوزراء المكلف بقوله "سنقلب العراق جحيماً ونُسقطه (رئيس الوزراء المكلف) في ثلاثة أيام"، في حال رشح وزراءَ تابعين للقوى السياسية.
  2.  مطالبات الكتل السياسية، سيما "الكردية" و"السنية" التي لا ترى نفسها مَعنيةً بالحركة الاحتجاجية المنبثقة أساساً من صراع أقطاب البيت "الشيعي"، بحصصها من المناصب الوزارية باعتبارها الوسيلة الوحيدة للمشاركة في صناعة القرار، وهي العقدة التي ستقف عندها المفاوضات طويلاً، وخاصة في ظل استمرار الخلافات حول قيادة اللجان البرلمانية، والمناصب الخاصة، وتحديد موعد مقبول للانتخابات المبكرة، وقدرة الهيئة العليا الانتخابات على تنفيذه، وقانون النفط والغاز، فضلاً عن قانون موازنة العام 2020 المتأخر، والذي ينطوي على جملة من القضايا العالقة بين بغداد وأربيل بخصوص عائدات النفط الكردي والضرائب والرسوم الجمركية.
  3. بقاء رئيس الوزراء المكلف رهينة بيد الكتل السياسية، وهو الأمر الذي حذّر منه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في رسالته إلى خليفته في المنصب، وقال فيها: "إنني أخشى أن يتكرر معكم ما تم معي من أن تكون حكومتكم ضحيةَ الانقسام السياسي الحاد، فضلاً عن الصراع غير الشريف على المواقع والمناصب"، وبالتالي ذهاب علاوي نحو الاعتذار عن التكليف.
  4. العلاقة بين التيار الصدري والفصائل المسلحة تكتنفها خلافات أيديولوجية كبيرة يستحيل القفز عليها، وخاصة مع إصرار مقتدى الصدر على تكرار المطالبة بحكومة التكنوقراط المستقلين، في الوقت الذي تعتبر فيه الفصائل والقوى السياسية أن المشاركة في الحكومة تعد أداةً أساسية في تعزيز نفوذها السياسي وتأمين التمويل الذاتي من خلال استغلال موارد الدولة، فضلاً عن أن التقارب بين الطرفين تم بضغط الخوف من مواصلة الولايات المتحدة عمليات الاغتيال، وهو عنصر ظرفي مؤقت سيؤدي غيابه آلياً إلى عودة أجواء التوتر والخصام.

 

أحدث المواضيع المميزة