هل يمكن أن تتحول أفريقيا إلى منصة للشراكة الأمريكية-التركية؟

مركز الإمارات للسياسات | 21 سبتمبر 2020

­­

ظهر السؤالُ حول الدور المحتمل الذي يمكن لتركيا أن تلعبه في أفريقيا، وخاصة في سياق مواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني، في ندوة افتراضية نظمها "مجلس الأعمال التركي-الأمريكي" الذي يترأسه محمد علي يالجينداغ، في 24 يونيو 2020. ويُعَدُّ يالجينداغ من الصناعيين الذي تربطهم علاقات وثيقة وشراكة أعمال مع عائلة ترمب، وخاصة إيفانكا ترمب وجاريد كوشنر، من خلال امتلاكه لأبراج ترمب في تركيا.

وقد طرح عضو مجلس الشيوخ الأمريكي (عن الحزب الجمهوري) ليندسي جرام، الذي كان المتحدث الرئيس في الندوة إلى جانب السناتور ديفيد فيتر، عبارات التشجيع للتعاون التركي-الأمريكي في أفريقيا في مواجهة الصين. وقال جرام في إطار حديثه عن اتفاقية للتجارة الحرة بين أنقرة وواشنطن: "عندما نبدأ بتحقيق التكامل بين الاقتصادَين سنصبح شريكين أكثر فاعلية في أفريقيا. وليس هناك شيء يبعث على سروري أكثر من الشراكة مع تركيا لنوفر للقارة الأفريقية بدائلَ عن المنتجات والنفوذ الصيني". وأشار جرام إلى أن هناك "رغبة متزايدة" في أعقاب جائحة كورونا داخل الولايات المتحدة للبحث عن بدائل لـ "هيمنة الصين على عدة سلاسل إمداد". وأوضح جرام أن تركيا في وضع جيد لتعويض اعتماد الولايات المتحدة على الصين، مشيراً إلى أن بإمكان أنقرة توفير بضائع ذات نوعية أفضل وبأسعار منافسة.

وأشارت تقارير أخرى إلى أن الرئيس ترمب والرئيس أردوغان ربما قد بحثا مسألة تنويع سلسلة الإمداد خلال محادثة هاتفية في 9 يونيو الماضي، في سياق تراجع العلاقات الأمريكية-الصينية. وقد تأتي هذه الندوة الافتراضية، التي حملت عنوان "حان الوقت ليكون الحلفاء حلفاء: سلسلة الإمداد التركية-الأمريكية العالمية"، في إطار جهد من جانب كل من أردوغان وترمب لجعل تركيا فاعلاً مُهماً في تقليص اعتماد الولايات المتحدة على سلاسل الإمداد الصينية. واتفق أردوغان وترمب عام 2019 على هدف طموح بقيمة 100 مليار دولار لتحسين حجم التجارة بين تركيا والولايات المتحدة. وقام وزير التجارة الأمريكي ويلبر روس بزيارة عمل إلى أنقرة وإسطنبول في سبتمبر 2019 استمرت خمسة أيام لاستكشاف المجالات التي تسمح بزيادة حجم التعاون بين الدولتين لتحقيق هذا الرقم غير الواقعي، نظراً لأن حجم التجارة الحالي بين الدولتين يصل إلى 20 مليار دولار فقط.

وللتحلي بواقعية أكثر إزاء آفاق التعاون التركي-الأمريكي يتعين على المرء وضع الأهداف الطموحة، مثل إبرام اتفاقية للتجارة الحرة، أو زيادة حجم التجارة إلى 100 مليار دولار، أو إقامة شراكة أمريكية-تركية، ضمن الإطار الصحيح. ونرى أن هناك مشاكل كبيرة حالياً في العلاقات التركية-الأمريكية، ولا يمكن تنفيذ أي من هذه المشاريع دون موافقة الكونجرس. وبعد بحث أولي يبدو أن السناتور جرام طرح فكرة التعاون الأمريكي-التركي في أفريقيا كحافز لأنقرة للتعامل أولاً مع المشاكل الرئيسة المتعلقة بصورة تركيا في الولايات المتحدة.

وتُعَدُّ حقيقة رغبة جرام بمساعدة أنقرة أمراً مُهماً. وبحسب تقرير صدر عن موقع "فورين لوبيينج" الذي يُعنى بجماعات الضغط ونشاطات النفوذ الأجنبي في العاصمة الأمريكية فإن توجيه جرام الاستراتيجي مهمٌ ويُمَثِّلُ فوزا كبيراً لـ"مجلس الأعمال التركي-الأمريكي"؛ لأن "جرام لا يرأس جلسات العلاقات الخارجية المهمة فحسب، بل يُعَدُّ أحد المشرّعين القلائل الذين يُصغي لهم الرئيس دونالد ترمب حول قضايا الأمن القومي". وأضاف التقرير أن "مجلس الأعمال التركي-الأمريكي وجماعات الضغط التي تعمل لصالح الحكومة التركية تُواصل استغلالَ العلاقات الأمريكية-الصينية السيئة في خضم جائحة كورونا لتقديم تركيا على أنها شريك تجاري جدير بالثقة أكثر من الصين، وخاصة في مجال مشاريع مشتركة محتملة في محاولة لكبح النفوذ الاقتصادي الصيني في سوق غير مستغل تماماً مثل أفريقيا".

ويتعين على المرء في ظل هذه الظروف طرح أسئلة وثيقة الصلة بالموضوع: هل تستند استراتيجية إقامة تعاون تركي-أمريكي لمواجهة النفوذ الصيني في أفريقيا على افتراضات صحيحة؟ وهل تحظى تركيا بنفوذ كبير في أفريقيا؟ وهل هناك تقارب استراتيجي بين المصالح التركية-الأمريكية؟ وكما سنرى فإن الافتراض الذي يدعم جدوى إقامة تعاون تركي-أمريكي في أفريقيا ما زال غامضاً ونظرياً.

تراجُع العلاقات الأمريكية-الصينية

مما لا شك فيه أن العلاقات الأمريكية-الصينية تدهورت بشكل كبير خلال السنتين الماضيتين. كما سارت الأمور من سيء إلى أسوأ بعد أن أدت جائحة كورونا إلى ركود اقتصادي قوي في الولايات المتحدة خلال سنة الانتخابات الرئاسية. ومن الواضح أن الرأي العام الأمريكي أصبح معادياً للصين. وأظهر استطلاع للرأي نشره "مركز بيو للبحوث" في مارس الماضي أن الأمريكيين يمتلكون آراء سلبية متزايدة تجاه الصين مع تفشي فيروس كورونا في أرجاء الولايات المتحدة، حيث قال 66% بأنهم يمتلكون رأياً غير محبب تجاه بيجين. ويُعَدُّ هذا أكثر التصنيفات سلبية تجاه الصين منذ بدء طرح هذا السؤال لأول مرة عام 2005. كما أظهر الاستطلاع نفسه أن 62% من الأمريكيين يَعتبرون القوة والنفوذ الصيني تهديداً رئيساً للولايات المتحدة مقابل 48% قبل عامين. وقد حلّت الصين –في نظر هؤلاء الأمريكيين– محل الإرهاب على أنها أكبر تهديد للأمن خلال جائحة كورونا.

وتوترت العلاقات بين واشنطن وبيجين منذ أن بدأت إدارة أوباما بالحديث حول الحاجة إلى "الاستدارة نحو آسيا" على أساس أن واشنطن استثمرت الكثير من الدماء والمال في خوض حروب لا تنتهي في أفغانستان والعراق، في الوقت الذي استغلت فيه الصين هذين العقدين لتعززي نفوذها الإقليمي والعالمي. غير أن العلاقات الأمريكية-الصينية شهدت أول حرب تجارية وصفها الكثير من المحللين بأنها حرب باردة جديدة في ظل أجندة الرئيس ترمب القومية والمناهضة للعولمة. وأضفت استراتيجية الأمن القومي لعام 2017 التي وضعها البيت الأبيض طابعاً رسمياً على التحول في تصور الأمريكيين للتهديد من الشرق الأوسط إلى تنافس القوى الكبرى مع تركيز على الصين وروسيا.

وفي الوقت الذي انهمكت فيه واشنطن بمناقشة استدارتها نحو آسيا، استدارت الصين نحو أفريقيا، حيث رأت مواردَ وفرصاً اقتصادية ضخمة غير مستغلة. وازداد تدفق الاستثمارات الصينية إلى أفريقيا خلال الفترة 2003-2017 بمعدل أكثر من 35 ضعفاً، في الوقت الذي ازدادت فيه الاستثمارات الأمريكية إلى القارة بنسبة 35% تقريباً. وبحسب مؤشر تتبُّع الاستثمارات الصينية العالمية في "معهد المشروع الأمريكي" فقد وصلت قيمة الاستثمارات والإنشاءات الصينية في أفريقيا إلى نحو تريليونَي دولار منذ عام 2005. وفي ظل مثل هذه الظروف فليس من قبيل المصادفة أن تشعر الولايات المتحدة بالقلق إزاء النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي الصيني. ويرى الكثير من المراقبين بأن واشنطن قررت تشكيل "القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا" (أفريكوم) لتشتيت زخم النفوذ الصيني في أفريقيا؛ لأن إمكانية الوصول التفضيلية إلى الموارد الأفريقية مازالت عنصراً مُهماً للأمن القومي الأمريكي.

التمدد التركي في أفريقيا

لكنْ ماذا عن دور تركيا في أفريقيا؟ تعود جذور الانخراط التركي في أفريقيا إلى الأيام الأولى لـحكم "حزب العدالة والتنمية" برئاسة أردوغان. وكان أول برنامج تبنته حكومة "العدالة والتنمية" عام 2003 هو "استراتيجية تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع أفريقيا". وتبلورت سياسة الحزب تجاه أفريقيا عام 2005 بشكل أكثر ثباتاً بعد إعلان عام 2005 "عام أفريقيا". وحظيت تركيا في العام نفسه بوضع العضو المراقب في "الاتحاد الأفريقي"، إضافة إلى قيام "المركز التركي-الآسيوي للدراسات الاستراتيجية" بتنظيم أول قمة تركية-أفريقية في إسطنبول. وعلى الصعيد التجاري والصناعي بدأ "الاتحاد التركي لرجال الأعمال والصناعيين"، الذي يرتبط بحركة غولن، بتنظيم جسر التجارة التركي-الأفريقي عام 2006. وشهدت إسطنبول انعقاد أول قمة للتعاون التركي-الأفريقي في أغسطس 2008.

وأثمرت جهود تركيا تجاه أفريقيا عندما لعبت الدول الأفريقية دوراً رئيساً في انتخاب تركيا عضواً غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2009-2010، بعد حصول أنقرة على دعم 50 دولة من أصل 53 دولة أفريقية. وفي حين أن قيمة المشاريع التي ينفذها مقاولون أتراك في أفريقيا وصلت عام 2002 إلى 9.6 مليار دولار، فقد وصل هذا الرقم إلى 60 مليار عام 2015. وبالتوازي مع هذا الوجود الاقتصادي والإغاثي والثقافي ازداد عدد البعثات الدبلوماسية التركية بمعدل أربعة أضعاف لتصل إلى 42 سفارة في أفريقيا، إلى جانب تسيير الخطوط الجوية التركية رحلات إلى 54 وجهة في القارة.

وتُعَدُّ تركيا أكثر نشاطاً نسبياً في شمال وشرق أفريقيا، حيث تمتلك استثمارات اقتصادية وعسكرية ضخمة في ليبيا والصومال والسودان. وعملت العلاقات المتوترة بين السودان والغرب، وعلاقات الخرطوم التاريخية مع "الإخوان المسلمين"، والعلاقة الشخصية بين عمر البشير وأردوغان على المساعدة في تحسين العلاقات حتى سقوط نظام البشير عام 2019. وتحتفظ السودان ذات الأغلبية المسلمة في منطقة القرن الأفريقي بتاريخ من النفوذ العثماني. وطالما شهدت علاقات الخرطوم وواشنطن توتراً؛ ما جعل من السودان دولة جذابة لتشكل تابعاً آخر لأردوغان الذي سعى إلى تقديم بلاده نموذجاً للعالم الإسلامي وبديلاً للغرب الذي تخلى عن سلطته الأخلاقية.

لقد أشاد الصوماليون على نطاق واسع بنهج أنقرة في بلادهم، والذي يستند إلى دعوة أردوغان للتضامن الإسلامي والإنساني وحضور تركي أكثر وضوحاً على الأرض من حضور المانحين التقليديين. ويرتبط الانخراط التركي في الصومال بشروط قليلة، ويختلف بشكل كبير مع تصورات الماضي عن التدخّلات الغربية الفاشلة. فقد عيّنت تركيا مبعوثاً خاصاً للصومال في عام 2018 -وهو المبعوث الأول على صعيد السياسة الخارجية التركية- وكلّفته بتجديد الجهود للتوفيق بين الحكومة الفيدرالية الصومالية ومنطقة أرض الصومال (صوماليلاند) الانفصالية، على الرغم أنه من المستبعد نجاح ذلك على المدى القريب.

وفيما يتعلّق بالمغرب العربي، تَعتبر أنقرةُ المنطقةَ بوابةَ دخول السوق الأفريقية. بالإضافة إلى ليبيا، التي وقّعت تركيا معها اتفاقية بحرية في نوفمبر 2019 واستثمرت فيها بشدة على الجبهة العسكرية، فإن علاقات أنقرة الاقتصادية مع تونس والجزائر تبدو قوية للغاية، كما أن التجارة مع المغرب تُظهر أيضاً مؤشّرات على التحسّن. وأصبح الاستثمار العسكري التركي في ليبيا في عام 2020 معروفاً جيداً ويعود إليه الفضل على نطاق واسع في قلب مجريات الحرب ضد المُشير حفتر.

وعلى الرغم من كل هذا الحماس التركي تجاه أفريقيا، فإن من المُهم وضع أهمية أفريقيا في منظور مصالح الأمن القومي التركي. وإذا كان ينبغي على أردوغان تحديد الأولويات القصوى للسياسة الخارجية التركية والأمن القومي، فمن المؤكّد أن أفريقيا لن تكون ضمن قائمة الأولويات الخمس الأولى التي تضم: مواجهة الحركة الانفصالية الكردية في سوريا، وتجنب تدفّق المزيد من اللاجئين من سوريا، وتعزيز أمن الطاقة بفضل العلاقات المُستقرّة مع روسيا وإيران وأذربيجان، والسيطرة على الضرر في العلاقات مع الولايات المتحدة، ونيل حصة عادلة في شرق البحر المتوسط للتنقيب عن الغاز.

من المؤكّد أن المنافسة على الصدارة والهيبة في الشرق الأوسط هي جزء أساسي من رؤية أردوغان الطموحة لتركيا قويّة. وهذا هو السياق الذي يُصبح فيه القرن الأفريقي ومسألة النفوذ التركي في القارة الأفريقية بشكل عام مهماً، حيث توجد إمكانات اقتصادية كبيرة غير مُستغلة بينما لم تنشط تركيا في السابق في هذه المنطقة. وينبغي على المرء أن ينظر إلى افتتاح تركيا لقاعدة عسكرية في الصومال، أو محاولاتها السابقة لممارسة النفوذ في السودان في ضوء ذلك. وغالباً ما يكون الهدف الحقيقي لتركيا في أفريقيا تجارياً لأن أنقرة تبحث دائماً عن أسواق جديدة لشركات الإنشاءات وفرص لصادرات قطاع التصنيع لديها. ويحب الزعيم الاستبدادي التركي رجب طيب أردوغان الترويج لبلاده كقوة إقليمية عُظمى ذات إرث إسلامي يمتد حضورها عبر القارات. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الرواية العظيمة، فقد تم إحراز تقدم محدود بهذا الخصوص، ولم تتم كتابة المرحلة التالية من الاستراتيجية التركية في أفريقيا بعدُ. وإن قدرة تركيا على الحصول على الدعم الأمريكي في استراتيجيتها للتأثير الاقتصادي والسياسي في أفريقيا تعتمد بطبيعة الحال على فحوى العلاقات بين أنقرة وواشنطن.

الوضع الحالي للعلاقات التركية-الأمريكية

ليس هناك شك في أن العلاقات التركية-الأمريكية تَمرّ بفترة من التجاذبات القوية في المستويات العليا. ومع ذلك، وفي حين يتمتّع أردوغان بعلاقة جيدة وقنوات تواصل سهلة مع البيت الأبيض، ويبدو أن الرئيس ترمب معجب بشدة في أردوغان باعتباره الزعيم القوي لدولة ذات أهمية جيو-استراتيجية، فإن العلاقات التركية-الأمريكية عموماً في حالة فوضى.

لا يتمتّع مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكية، بالمستوى نفسه من الحوار الوثيق مع نظيره التركي مولود شاويش أوغلو، وغالباً ما يوجّه الانتقادات إلى تركيا. وغالباً ما أطلق وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، تحذيره لتركيا علناً بشأن أنشطتها التي تُهدّد حلف شمال الأطلسي وجهود مكافحة الإرهاب ضد تنظيم "داعش". وقد فرض مجلس النواب ومجلس الشيوخ الأمريكيان عقوبات ضد تركيا، ويهددان أنقرة بعقوبات اقتصادية وعسكرية في إطار قانون مكافحة أعداء أمريكا "كاتسا". كما أشارت التقارير مؤخراً إلى تجميد جميع مبيعات الأسلحة الرئيسة إلى تركيا من قبل الكونغرس الأمريكي لمدة عامين.

ومثلما أوضح السناتور ليندسي جرام، في كلمته خلال الندوة الافتراضية مع مجلس الأعمال التركي-الأمريكي، أن جوهر الخلاف بين البلدين هو شراء تركيا لنظام الدفاع الصاروخي "أس-400" من روسيا. وفي العادة، بموجب التشريعات الأمريكية، يجب أن تؤدّي هذه الصفقة إلى فرض عقوبات أمريكية على تركيا. وكرد فعل على التعاون الدفاعي التركي-الروسي، أعلنت الولايات المتحدة بالفعل أن تركيا غير مؤهّلة للمشاركة في مشروع مُقاتلات الجيل الخامس من الطائرة الامريكية طراز "أف-35". وفي ظل الظروف الحالية، لا تستطيع تركيا أيضاً شراء 100 طائرة من طراز "أف-35" كانت تُخطّط لشرائها ودفعت بالفعل جزءاً من ثمنها. وتخضع العلاقات المالية بين تركيا وإيران لفحص دقيق من قبل وزارة الخزانة والمُدّعين العامين الأمريكيين في نيويورك، المُصمّمين على فرض عقوبات شديدة على بنك خلق التركي المملوك للدولة، لانتهاكه العقوبات المالية المفروضة على إيران.

لدى تركيا، من جانبها، أسبابها ومُبرراتها في علاقتها الخاصة بالولايات المتحدة بسبب استمرار تعاون وزارة الدفاع الأمريكية مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد" الكردية في شمال سوريا، والتي تعتبرها أنقرة مُنظّمة إرهابية. كما أن رفض الولايات المتحدة تسليم فتح الله غولن، رجل الدين التركي المُقيم في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، والذي تعتبره تركيا العقل المُدبّر لمحاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، هو مصدر إزعاج رئيس إضافي للعلاقة بين البلدين. ويُظهر دعم تركيا للجماعات الإسلامية في سوريا وخارجها، والحالة المُزرية للعلاقات التركية-الإسرائيلية، والدعم العسكري الأمريكي لجمهورية قبرص في شرق البحر المتوسط، ​​الذي تم الإعلان عنه في الأول من سبتمبر الجاري، أن الحليفين في الناتو بعيدان عن التقارب الاستراتيجي فيما يخص قضايا المنطقة. ومع ذلك، فإن كل هذه الديناميات لم تُسفر بعد عن أزمة على المستويات العليا من العلاقات الثنائية، أي بين أردوغان وترمب. وكدليل على هذه المفارقة، وبعد يوم واحد فقط من إشادة الرئيس ترمب بنظيره التركي خلال المؤتمر الوطني (الانتخابي) للحزب الجمهوري، لمساعدته في إطلاق سراح مواطنين أمريكيين من السجون التركية، انتقدت وزارة الخارجية الأمريكية تركيا لاستقبال وفد من حركة "حماس" الفلسطينية التي تصنفها الولايات المتحدة حركة إرهابية.

لذلك، وفي هذا السياق الأوسع، يحتاج التعاون التركي-الأمريكي المُحتمل في أفريقيا ضد الصين إلى المزيد من التحليل.

الشراكة الأمريكية-التركية في أفريقيا!

بالنظر إلى علاقات محمد علي يالجينداغ الوثيقة بعائلة ترمب، وتقارير صحيفة "نيويورك تايمز" السابقة حول تلك العلاقات وقنوات الاتصال الخلفية بين جاريد كوشنر ويالجينداغ، فمن المفهوم أن الفعالية التي أقامها مجلس الأعمال التركي-الأمريكي بشأن التعاون بين واشنطن وانقرة قد تخلق توقّعات كبيرة بهذا الشأن. كما تستحق تصريحات السناتور ليندسي جراهام حول الشراكة الأمريكية-التركية المُحتملة في أفريقيا الانتباه في هذا الصدد. ومع ذلك، فإن التحليل الأكثر واقعية لحالة العلاقات التركية-الأمريكية تُشير إلى أن أي أمل في التعاون الجاد بين أنقرة وواشنطن في أفريقيا يظل مجرّد تطلّعات. وستعتمد آفاق تطوّر هذا التعاون بشكل كبير على التقدّم الذي سيتم إحرازه على مستوى العلاقات الثنائية، لاسيّما فيما يتعلّق بقضية نظام الدفاع الجوي الروسي "أس-400" بين أنقرة وواشنطن.

وكما يقول الصحفي التركي المُخضرم مراد يتكين: "ربما لم يكن ما قاله السناتور الأمريكي جراهام خلال الندوة عبر الإنترنت هو ما أراد ممثلو الأعمال الأتراك سماعه، لكنهم كانوا واضحين بما يكفي لعدم نسج أي آمال فارغة حول مُستقبل العلاقات التركية-الأمريكية، لاسيما في مجال الاقتصاد والتجارة". ويذكر يتكين أن جراهام وصف قرار تركيا بشراء أنظمة الدفاع الجوي الروسية طراز "أس-400" بأنه أكبر مُشكلة في نظر الكونغرس، مع كون سياسة تركيا تجاه سوريا مصدراً إضافياً للخلاف بين البلدين في نظر المُشرّعين الأمريكيين. وبعد الإشارة إلى هاتين القضيتين الرئيستين، ذكر جراهام العمل معاً لمواجهة الصين، ربما في أفريقيا، كمجال للتعاون الثنائي المُحتمل في المستقبل.

أخيراً، حتى لو كانت الولايات المتحدة تبحث بجدية عن شركاء للعمل معها ضد الصين في أفريقيا، فلن تكون تركيا خياراً طبيعياً، نظراً لعلاقاتها الإشكالية مع شركاء الولايات المتحدة الآخرين في شرق أفريقيا وغربها وشمالها؛ ففي شرق أفريقيا، وخاصة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، قد تُفضّل واشنطن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية القوية مع الإمارات والسعودية ومصر بدلاً من أنقرة. وهؤلاء الحلفاء الأمريكيين الثلاثة هم على خلاف مع تركيا بسبب دعم أردوغان للإسلام السياسي والإخوان المسلمين وقطر. وفي غرب أفريقيا ووسطها وشمالها، تُعدّ فرنسا اللاعب المُهيمن، وباريس هي حليف لواشنطن ولها علاقات تاريخية وتجارية ومالية وثقافية ودبلوماسية بالولايات المتحدة أكثر من تركيا. وهذا هو السبب في أن النفوذ الفرنسي في أفريقيا، بدءاً من الشمال إلى الجزء الغربي والأوسط من القارة، يجعل باريس الشريك الغربي المُحتمل لواشنطن في جهود مجابهة النفوذ الصيني.

الاستنتاجات

إن تدهّور العلاقات الأمريكية-الصينية حقيقيٌ ويزداد سوءاً، كما أنه من الصحيح أيضاً أن واشنطن قلقة بشأن التوسع الاقتصادي والاستراتيجي الصيني في أفريقيا. وتقوم دوائر السياسة الأمريكية بمراقبة "مبادرة الحزام والطريق" الصينية عن كثب، ويريد كلٌّ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي احتواء الصين على الصعيد العسكري بقدر احتوائها على الجبهة الاقتصادية. لقد تلاشى التفاؤل بأن الانخراط الاقتصادي الصيني على المستوى العالمي قد يجعل من بيجين طرفاً مسؤولاً على طريق التحوّل الديمقراطي مع نهاية التفاؤل بشأن العولمة. وفي ظل إدارة ترمب التي تُركّز على التجارة، سارت الأمور بين القوتين العظميين من سيئ إلى أسوأ، ثم تطوّرت إلى حرب تجارية وأصبحت الآن تأخذ شكل حرب باردة جديدة نتيجة تفشي وباء كورونا، وأعمال القمع الصينية المحلية لمسلمي الأويغور ولسكان هونغ كونغ، والأنشطة العدائية الإقليمية لبيجين في بحر الصين الجنوبي.

ومع ذلك، فإن جميع تلك العوامل لا تجعل تركيا مُرشحاً طبيعياً كشريك استراتيجي للولايات المتحدة في أفريقيا؛ إذ تفتقر أنقرة إلى العمق الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي والاستراتيجي والأدوات اللازمة لاحتواء الأنشطة الصينية في أفريقيا بشكل فاعل، كما أنها تفتقر إلى الإرادة السياسية نظراً لحقيقة أن التحالف الإسلامي القومي لأردوغان لديه ميلٌ استراتيجي مُوالٍ لأوراسيا مع إعجابه الواضح بالنماذج السلطوية الروسية والصينية التي تتبنّى رأسمالية الدولة القوية ذات الخصائص القومية.

أخيراً، يجب أن يأخذ أي تحليل واقعي للتعاون الأمريكي-التركي المُحتمل في أفريقيا في الاعتبار المُشكلات على الأجندة التركية-الأمريكية؛ بدءاً من مشكلة الأكراد في سوريا والصراع على موارد الغاز والنفط في شرق المتوسط ​​إلى النظام الصاروخي الروسي "أس-400” وفتح الله غولن. ومن دون التوصّل إلى بعض الحلول لجميع هذه التحدّيات الرئيسة، فليس هناك أمل كبير حتى لإدارة ترمب ثانية لتحويل أفريقيا إلى منصة شراكة مع تركيا. ومن المرجح أن تُهيمن إدارة الأزمات والسيطرة على الأضرار على الأجندة التركية-الأمريكية في المُستقبل المنظور.

أحدث المواضيع المميزة

عودة نشاط "داعش" في سوريا: الدوافع والتداعيات

مركز الإمارات للسياسات | 19 نوفمبر 2020

النزاع المائي بين إثيوبيا ومصر وخيارات تسويته

نور الدين بيدُكان | 15 نوفمبر 2020