السياسة الخارجية للمرشح الديمقراطي جو بايدن تجاه الشرق الأوسط: الرؤى والتوقعات

​عمرو عبد العاطي | 01 نوفمبر 2020

نادراً ما تُسيطر قضايا السياسة الخارجية على الاستحقاق الرئاسي الأمريكي، إذ إنها تأتي في مراتب تالية لقضايا الداخل الأمريكي، ولم يكن السباق الانتخابي لعام 2020 استثناءً، حيث تصدرت جائحة كوفيد-19، التي أثرت سلباً على الاقتصاد الأمريكي، وقضية العدالة الاجتماعية، قائمة القضايا التي على أساسها سيُصوِّت الناخب الأمريكي في 3 نوفمبر الجاري.

بيد أن نتائج تلك الانتخابات سيكون لها تأثيرات كبيرة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية ومكانتها في النظام الدولي خلال السنوات الأربع المقبلة في حال فوز المرشح الديمقراطي، جو بايدن، ‏الذي يتقدَّم على منافسه الجمهوري، دونالد ترامب، في استطلاعات الرأي الوطنية بنسبة تصل إلى 8% حسب متوسط استطلاعات الرأي لموقع "ريل كلير بولتيكس"[1]، وفي الولايات المتأرجحة التي تلعب دوراً رئيسياً في تحديد الفائز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث يتبني المرشحان مقاربات مختلفة لقضايا السياسة الخارجية الأمريكية، والأزمات الدولية، ودور واشنطن العالمي.

خلفية

يسعي كل رئيس أمريكي جديد – تقريباً – مع بداية إدارته إلى إحداث تحولات في السياسة الخارجية لإدارته، لا سيما إذا كان من حزب مختلف لسلفه، ولهذا يتوقع أن تُحدِث إدارة بايدن تغييرات في مقاربات السياسة الخارجية الأمريكية بالعودة مرة أخرى إلى المحددات والرؤى التقليدية بعد أربع سنوات من تبنِّي إدارة ترامب سياسة خارجية تتعارض مع القيم والمبادئ التي حكمت السياسة الخارجية الأمريكية لقرابة سبعة عقود، ناهيك عن إخفاقاتها المتعددة في التعامل مع كثير من الأزمات الدولية. وقد أشار بايدن خلال حملته الانتخابية إلى أنه سيتبنَّى بعض التغييرات الرئيسة في سياسات ترامب الداخلية والخارجية على حد سواء، استناداً على خبرته في قضايا السياسة الخارجية الأمريكية، والتي صقلها خلال توليه منصب نائب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وبمجلس الشيوخ ورئاسته للجنة العلاقات الخارجية بالمجلس. 

ويُخطط المرشح الديمقراطي، جو بايدن، لإنهاء أربع سنوات من السياسة الانعزالية للولايات المتحدة خلال إدارة ترامب تحت شعار "استعادة القيادة الأمريكية"، إذ يرى أن استراتيجية "أمريكا أولاً" التي حكمت السياسة الخارجية للإدارة الجمهورية الحالية جعلت "أمريكا وحدها"[2]، لا سيما بعد رفض ترامب للتعددية الدولية وإضعافهِ للتحالفات والشراكات الأمريكية، وتقويضه معايير حقوق الإنسان، وشنِّه حرباً على مؤسسة السياسة الخارجية داخل حكومته، ومهاجمة إجماع الحزبين السابق على أن الولايات المتحدة لديها واجب فريد لقيادة نظام دولي قائم على تعزيز الحرية وحقوق الإنسان وحكم القانون[3].

وفي هذا السياق، أشار ‏أنتوني بلينكين، كبير مستشاري السياسة الخارجية بحملة بايدن الانتخابية، إلى أن فوز المرشح الديمقراطي وهزيمة ترامب سيرسلان رسالة قوية إلى العالم مفادها أن السنوات الأربعة لحكم الأخير كانت انحرافاً في السياسة الخارجية الأمريكية، وأنها لا تمثل الولايات المتحدة وما تطمح إليه. وقال بايدن إن أحد أولى الأشياء التي سيفعلها إذا تم انتخابه رئيساً للولايات المتحدة في 3 نوفمبر ‏هو الاتصال برؤساء الدول وإبلاغهم "بعودة الولايات المتحدة وأنهم يمكنهم الاعتماد عليها"[4].

معالِم سياسة بايدن الخارجية تجاه قضايا الشرق الأوسط

من المرجح أن تشهد السياسة الخارجية للإدارة الديمقراطية الجديدة تجاه الشرق الأوسط جملة من التغييرات عن تلك شهدتها خلال إدارة الرئيس ترامب، لكونها مثلت قطيعة - حسب رؤى الديمقراطيين - مع سياسات أمريكية تقليدية للولايات المتحدة تجاه المنطقة. فضلاً عن أنها - بحسب تقديرهم - أخفقت في حماية الأمن القومي والمصالح الأمريكية بالمنطقة، وزادت من حدة انعدام الاستقرار والأمن الإقليمي بالشرق الأوسط، وتعقيد أزماته وتحدياته.

وفي المقابل، يُجادِل الرئيس ترامب أن إدارته حققت في غضون السنوات القليلة نجاحات للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أكثر مما حققه أسلافه على مدى عقود من الزمن، لا سيما بعد توقيع "اتفاقيات أبراهام" الأخيرة التي دشَّنت لمرحلة جديدة من العلاقات بين عدد من الدول الخليجية والعربية مع إسرائيل، والتي تؤكد حصول واقعٍ متغيرٍ في المنطقة[5].

ويتمثل أبرز رؤى المرشح الديمقراطي، جو بايدن، تجاه قضايا وأزمات منطقة الشرق الأوسط، في الآتي[6]:

1. البرنامج النووي الإيراني: ‏انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015، والذي يعد أحد الإنجازات الرئيسة لسلفه باراك أوباما، بصورة أحادية في 8 مايو 2018، وفي المقابل أعادت الإدارة الأمريكية فرض العقوبات في إطار استراتيجية "الضغوط القصوى" على النظام الإيراني، لإرغامه على القبول بالتفاوض مع الإدارة الأمريكية على اتفاق جديد لا يُعالِج القصور في خطة ‏العمل الشاملة المشتركة فقط، ولكن أيضاً يعالج المخاوف المتعلقة بالدور الإقليمي لطهران المزعزع للاستقرار والأمن في الشرق الأوسط، ودعمها العسكري لوكلائها المسلحين في العديد من الدول العربية، وكذلك برنامجها للصواريخ الباليستية ونشرها في المنطقة. 

ويُعارِض المرشح الديمقراطي توجهات الرئيس ترامب تجاه إيران وبرنامجها النووي، إذ يرى أن استراتيجية "الضغوط القصوى" فشلت في كبح جماح مناورات إيران في الدول المجاورة لها، وأنها أدت إلى إنهاء الضمانات ضد تصنيع إيران لقنبلة نووية، التي وضعت في الاتفاق الذي تفاوضت عليه إدارة أوباما. وفي مقابل نهج إدارة ترامب الذي يصفه المرشح الديمقراطي بـ"الفشل الخطير"، ذكر بايدن أنه سيُقدِّم لإيران طريقاً موثوقاً به للعودة إلى الدبلوماسية، ومن المحتمل أن يحصل على دعم أكبر من الحلفاء الأوروبيين الذين يُعارضون مقاربات ترامب لقضايا السياسة الخارجية الأمريكية والأزمات والصراعات الدولية.

وفي إطار مساعي الديمقراطيين لتهدئة التوترات مع إيران، قال بايدن إن واشنطن ستعود للانضمام إلى الاتفاق النووي لعام 2015 طالما عادت طهران إلى "الامتثال الصارم" لبنوده بعد أن زادت من أنشطتها النووية رداً على عقوبات ترامب الشديدة ضدها، في حين يؤكد النظام الإيراني أنه مستمر في الالتزام بالاتفاق الذي لا يزال مدعوماً من الحكومات الأوروبية وروسيا والصين.

بيد أن عديداً من مُستشاري بايدن للسياسة الخارجية يقولون إنه لم يُقرر بعد كيفية معالجة المخاوف الإقليمية الإيرانية، ولكنه يدرس إما إعادة التفاوض على الصفقة النووية لتضم ملفات جديدة مثل برنامج إيران للصواريخ الباليستية، ودورها المزعزع للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، أو الموافقة على مسار موازٍ لمعاجلة مخاوف الدول الخليجية. وأضاف مستشاروه أنه لن يكون هناك اندفاع لتأمين اتفاق مع طهران فيما يحتمل أن يكون عملية معقدة[7].

2. العلاقات الأمريكية-الخليجية: يتعهَّد بايدن بإعادة تقييم الدعم الأمريكي للحرب التي تقودها المملكة العربية السعودية في اليمن، إذ قال إنه سيستجيب لدعوات الكونجرس لإنهاء المساعدات الأمريكية للعمليات العسكرية السعودية في اليمن بغض النظر عن أن تلك العمليات قد تمت تحت إشراف إدارة الرئيس باراك أوباما والتي كان يشغل فيها المرشح الديمقراطي منصب نائب الرئيس. وعلى الرغم من تراجُع أهمية نفط المنطقة للولايات المتحدة، حيث أصبحت واشنطن أقل اعتماداً على واردات النفط من الشرق الأوسط مما كانت عليه في الماضي، ووعْد المرشح الديمقراطي بإصلاح نظام الطاقة الأمريكي، ووضْع قضية تغيُّر المناخ على أجندة الإدارة الجديدة، فإنه دعا إلى إعادة ضبط العلاقات مع الدول الخليجية، ومساعدة شركاء الولايات المتحدة الخليجيين على مواجهة التهديدات الأمنية والتوترات الإقليمية، وكذلك مساعدتهم في التحديث السياسي والعسكري والاقتصادي، نظراً لكون دول الخليج العربي شريكاً مهماً للولايات المتحدة، لا سيما بعد اتفاقيات السلام بين الإمارات والبحرين وإسرائيل، والشراكات الاستخباراتية بين الولايات المتحدة والعديد من دول الخليج العربي، والدور الحيوي الذي تلعبه هذه الدول في استقرار المنطقة.

3. الانتشار العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط: يدعو المرشح الديمقراطي إلى ضرورة إنهاء عقدين من الحروب الأمريكية اللانهائية في منطقة الشرق الأوسط، وينتقد إخفاقات الرئيس ترامب في إنهاء تلك الحروب، وزيادة الانتشار العسكري الأمريكي للقوات الأمريكية في المنطقة وزيادة مهامها؛ مما فاقم من التوترات الإقليمية التي عرضت حياة الأمريكيين ومصالحهم للخطر بحسب تصريحات بايدن وعدد من المسؤولين الديمقراطيين. وفي الوقت الذي يدعو فيه بايدن لإنهاء الحروب الأمريكية الطويلة في منطقة الشرق الأوسط، وقد أبدى معارضته عندما كان نائباً للرئيس أوباما إضافة مزيد من القوات الأمريكية إلى أفغانستان، فإنه يقول إنه كرئيس سيسحب القوات المقاتلة لصالح قوات العمليات الخاصة، وذكر أنه لا يمكنه الوعد بانسحاب كامل من أفغانستان والعراق أو سوريا في المستقبل القريب[8]. ويدعم المرشح الديمقراطي وجوداً عسكرياً أمريكياً صغيراً ومحدوداً وإقامة مركز لتدريب شركاء الولايات المتحدة في سوريا والعراق، وكذلك القوات الكردية الحليفة للولايات المتحدة حتى تتمكن من مجابهة التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيمي القاعدة و"داعش"، ومنعهما من استعادة نفوذهما مجدداً في الشرق الأوسط.

4. الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي: لا يختلف المرشح الديمقراطي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الدعم الأمريكي اللامتناهي لإسرائيل، وتأييد دفاعها عن نفسها، والحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي، لكنه يختلف معه حول مقاربته لعلمية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية، إذ تبنى ترامب نهجاً تجاه عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية كان في صالح اليمين الإسرائيلي بالكامل. وفي المقابل يدعو بايدن إلى استعادة الولايات المتحدة دورها كوسيط لإرساء سلام شامل ودائم في الشرق الأوسط قائم على حل الدولتين، ووضع حد لاحتضان الولايات المتحدة العميق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وسياساته للضم الأحادي لأجزاء من الضفة الغربية والتوسع الاستيطاني، والتي من شأنها تقويض آفاق حل الدولتين. ولكنه في الوقت ذاته، لا ينوي التراجع عن قرار الرئيس ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. كما يدعو بايدن إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية الأمريكية-الفلسطينية، والمساعدات الأمريكية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي ألغاها الرئيس ترامب، بما يتفق مع القانون الأمريكي، والسماح بإعادة فتح القنصلية الفلسطينية ومكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

5. العلاقات الأمريكية-التركية: انتقد بايدن طوال حملته الانتخابية بشدة تركيا ومعاملة ترامب "اللينة" للرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وقد صرَّح المرشح الديمقراطي قبل فوزه في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، لمحررين من صحيفة "نيويورك تايمز"، بضرورة تبنِّي نهج أمريكي جديد ضد الرئيس التركي، الذي وصفه بـ"المستبد"، وكذلك دعم أحزاب المعارضة التركية لتكون قادرة على التغلب على "أردوغان" وهزيمته خلال العملية الانتخابية وليس من خلال انقلاب. ومن غير المرجح أن يوقف بايدن حملة العقوبات التي تلقي مزيداً من الزخم داخل مجلسي الكونجرس (مجلس الشيوخ والنواب)، وأن يزيل التعديل بقانون تفويض الدفاع الوطني لهذا العام الذي يقوِّض قدرة الرئيس على إعفاء تركيا من العقوبات بموجب قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة عبر العقوبات، والذي يركز على إحباط المبيعات العسكرية الروسية.

مدى اختلاف سياسات بايدن الشرق أوسطية عن سياسات أوباما

أثار ضم فريق الحملة الانتخابية للمرشح الديمقراطي، جو بايدن، عدداً كبيراً من العاملين في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في مجال الأمن القومي ووزارة الخارجية، والذين من المرجح أن يكون لهم أدوار بارزة في إدارة بايدن في حال فوزه، التساؤل داخل الولايات المتحدة وخارجها حول ما إذا كانت ولاية بايدن ستكون امتداداً للسنوات الثماني لإدارة أوباما التي شغل فيها منصب نائب الرئيس.

ويظهر من متابعة تصريحات المرشح الديمقراطي حول قضايا السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط وأزماتها أنه سيكون هناك اتفاق جلي بين إدارة بايدن في حال فوزه في 3 نوفمبر الجاري وإدارة الرئيس أوباما. وتتمثل ملامح الاتفاق بين الإدارتين الديمقراطيين فيما يلي:

  • ‏تراجُع أهمية منطقة الشرق الأوسط للولايات المتحدة الأمريكية؛ ويرجع ذلك لجملة من الأسباب يأتي في مقدمتها انخفاض أهمية نفط المنطقة لواشنطن، وتراجع مركزية الشرق الأوسط في منظومة الأمن القومي الأمريكي، في ضوء إعادة تريب الإدارتين الديمقراطيين لأولويات ومصالح الولايات المتحدة عالمياً، بتقليل الانخراط الأمريكي في المنطقة في مقابل إعادة التركيز على التحدي الذي تمثله كلٌّ من روسيا والصين باعتبارهما خصمين استراتيجيين للولايات المتحدة، ولكونهما قوتين تعديليتين في النظام الدولي الذي أسسته الولايات المتحدة في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية، وسعيهما لإحداث تحوُّل في الوضع الدولي الراهن لخدمة مصالحهما وأهدافهما الاستراتيجية، إلى  جانب تحالفهما لتحدي للهيمنة الأمريكية على النظام الدولي القائم.
  • التصدِّي لانتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، باعتبارها تمثل تهديداً للأمن والمصالح الأمريكية في المنطقة، ولجهود الولايات المتحدة للتصدي لانتشار أسلحة الدمار الشامل عالمياً. وستتشابه الإدارتين في إعطاء الأولوية للعمل الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاقيات تحدُّ من قدرات الدول على امتلاك أسلحة دمار شامل، ورفض النهج العسكري والقوة الخشنة في التعامل مع تهديدات الانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط.
  • إعطاء الأولوية لمجابهة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في الشرق الأوسط، وأهمية التعامل مع الأسباب الداخلية بالدول العربية التي تغذي الإرهاب بالمنطقة، ولكن في الوقت ذاته تقليل الوجود العسكري الكبير في المنطقة. وفي المقابل، العمل على تعزيز الشركات والتحالفات الأمريكية الشرق أوسطية، إذ يؤمن الديمقراطيون بأن التحالفات الأمريكية هي حجر الزاوية الذي لا بديل عنه للأمن القومي الأمريكي، وأنها تقدّم ميزة استراتيجية للولايات المتحدة. ولهذا ستتفق الإدارتين على أهمية تقوية التحالفات لتعزيز الأولويات المتبادلة والتعامل مع التحديات الجديدة بالمنطقة، وكذلك اتباع مبدأ "مشاركة الأعباء"، بحيث تكون دول المنطقة مسؤولة عن حماية نفسها، ولا تتحمل الولايات المتحدة وحدها تكلفة الدفاع عن أمن واستقرار تلك الدول.
  • تجنُّب الانخراط العسكري المباشر في منطقة الشرق الأوسط، لأنه لا يعمل على حل الأزمات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط، ولكنه يعمل على تعقيدها وتأزمها. وفي المقابل ستتفق الإدارتين على أهمية إعطاء الأولوية للعمل الدبلوماسي للتوصل إلى تسويات سياسية للأزمات والصراعات الشرق أوسطية.

ورغم التشابه بين المقاربات المحتملة إدارة بايدن في حال فوزه تجاه الشرق الأوسط مع إدارة أوباما، فإنه يُعتَقد أن هناك تحولاً ممكناً في السياسة الخارجية للإدارة الديمقراطية الجديدة عن تلك التي تبنّتها الإدارة السابقة؛ نظراً لإخفاقات الأخيرة الكثيرة على الصعيد الخارجي، إذ ‏لم تنجح – على سبيل المثال - خلال ثماني سنوات في إنهاء الحروب الأمريكية الطويلة في الخارج، وكذلك لإدراك مسؤولي إدارة بايدن، التي تضم عدداً كبيراً من العاملين في إدارة أوباما، جيداً، أن العالم والولايات المتحدة قد تغيَّرا بشكل جذري خلال السنوات الأربع الماضية.

خلاصات واستنتاجات

سيسعى المرشح الديمقراطي في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في 3 نوفمبر الجاري لإحداث تحولات في السياسة الخارجية للولايات المتحدة لمعاجلة الضرر الذي أحدثته إدارة دونالد ترامب خلال الأربع سنوات الماضية. ولكن جهود الإدارة الديمقراطية لإحداث تحوُّل كهذا ستواجه صعوبات لعدة أسباب، يتمثل أولها في أنه ليس من السهل التراجُع عن الكثير مما فعله ترامب، إذ تغيَّرت العلاقات مع كلٍّ من حلفاء الولايات المتحدة وخصومها، وفي بعض الحالات تغيَّرت بشكل يصعب معه إعادتها إلى سابق عهدها مستقبلاً.

ويتوقع بعض التحليلات الأمريكية أن محاولات إصلاح بايدن السياسة الخارجية الأمريكية بعد أربع سنوات من حكم إدارة ترامب التي ركزت بشكل كبير على المصالح الأمريكية الذاتية ضمن استراتيجية "أمريكا أولاً"، ورفض التعددية الدولية والشراكات التي أسستها الولايات المتحدة في أعقاب نهاية العالمية الثانية، وشن الرئيس ترامب حرباً على مؤسسة السياسة الخارجية داخل حكومته؛ محاولات بايدن تلك ستحتاج عقوداً من الزمن لإصلاح المؤسسات التي أضر ترامب بها عمداً داخل الحكومة الأمريكية وحول العالم[9].

وينصرف ثانيها إلى أن التحديدات والأزمات الداخلية التي واجهتها الولايات المتحدة خلال إدارة ترامب، والتي تصدَّرت السباق الانتخابي لعام 2020، ستدفع بايدن إلى التركيز في بداية إدارته على إعادة ترتيب الداخل الأمريكي، لا سيما في ظل رؤية المرشح الديمقراطي أن هناك ترابطاً بين السياسة الداخلية والخارجية، وأن استعادة دور الولايات المتحدة في العالم والدفاع عنه يتطلبان المبادرة إلى معالجة التحديات الداخلية لاستعادة الولايات المتحدة قوتها مجدداً، وأن أوجه القصور في الداخل تهدد بشكل مباشر قدرة واشنطن على إبراز القوة وممارسة النفوذ في الخارج.

ويرتبط ثالثها بأن الجمهوريين في حال استمرار احتفاظهم بالأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي بعد انتخابات نوفمبر الجاري سيعملون على فشل جهود الرئيس بايدن في حال فوزه لإحداث تحولات في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث سيحتاج بايدن إلى فريق كامل من المسؤولين الذين يتم تأكيد تعيينهم في مجلس الشيوخ للانتشار في جميع أنحاء العالم لتنفيذ رؤيته للسياسة الخارجية للولايات المتحدة خلال السنوات الأربع المقبلة.

وعلى الرغم من أن بايدن في حال فوزه في نوفمبر الجاري سيكون على الأرجح أبطأ في التعامل مع الشرق الأوسط مما يتوقعه البعض، لأن المنطقة ستكون ذات أولوية منخفضة للإدارة جديدة التي ستركز على التعامل مع جائحة كوفيد-19 ببعديها الداخلي والخارجي والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه آسيا وأوروبا والأمريكيتين، فإنه سيسعى إلى إصلاح الأضرار التي سببها ترامب في الشرق الأوسط، حيث يرى بايدن أن ‏سياسات إدارة ترامب في المنطقة خلال السنوات الماضية ‏زادت من مخاطر الحرب وسمحت لإيران بإعادة تشغيل برنامجها النووي، وجعلت آفاق السلام الفلسطيني-الإسرائيلي بعيدة بشكل متزايد. ‏ويدعو بايدن إلى استراتيجية أكثر تماسكاً لإنهاء الحروب اللانهائية في المنطقة والعودة إلى الخيار الدبلوماسي للتعامل مع أزماتها، لا سيما مع طهران.

ويمكن لبايدن في حال فوزه البِناء على إرث الرئيس ترامب في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما بعد نجاحه في تحقيق تغييرات في بعض الملفات الجامدة في المنطقة منذ سنوات، إذ قد يوظف العقوبات الشديدة التي أعاد ترامب فرضها على إيران لإرغامها على التفاوض على ملفات لم يتم إدراجها في خطة العامل الشاملة المشتركة لعام 2015، خصوصاً أنه يتخللها بعض العيوب التي تفرض على الإدارة الجديدة إصلاحها وتضمينها بنود تقوِّض من النفوذ الإيراني المزعزع للاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط.   

* باحث متخصص في الشؤون الأمريكية.

الهوامش

[1] لمزيد من التفاصيل حول نتائج استطلاعات الرأي ونسب تأييد الناخبين الأمريكيين لمُرشَّحي الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ونسب تأييدهما في الولايات المتأرجحة، انظر: "General Election: Trump vs. Biden", Real Clear Politics, https://www.realclearpolitics.com/epolls/2020/president/us/general_election_trump_vs_biden-6247.html; Jonathan Easley, "Biden stretches lead over Trump in Michigan, Wisconsin, Pennsylvania: poll", The Hill, October 26, 2020, https://thehill.com/homenews/campaign/522718-biden-stretches-lead-over-trump-in-mich-wis-and-penn-poll; "US election 2020 polls: Who is ahead - Trump or Biden?, BBC, https://www.bbc.com/news/election-us-2020-53657174

[2] Katrina Manson, "Biden plans to reset ‘America First’ foreign policy", The Financial Times, October 19, 2020, https://www.ft.com/content/dc11d51e-71bb-46ac-9dfb-6e2b5f43b452

[4] Karen DeYoung, "Biden foreign policy begins with telling the world: ‘America’s back’", The ‏ Washington post, October 21, 2020, https://www.washingtonpost.com/national-security/biden-foreign-policy-begins-with-telling-the-world-americas-back/2020/10/21/2fc0e528-1348-11eb-bc10-40b25382f1be_story.html

[5] Ishaan Tharoor, "What the U.S. election means for the Middle East", The Washington Post, October 13, 2020, https://www.washingtonpost.com/world/2020/10/13/us-election-biden-trump-middle-east-netanyahu-israel-iran-saudi-arabia/

[6] لمزيد من التفاصيل حول رؤية جو بايدن والحزب الديمقراطي تجاه قضايا وأزمات منطقة الشرق الأوسط، انظر: 2020 Democratic Party Platform – 2020, The Democratic National Committee, https://www.demconvention.com/wp-content/uploads/2020/08/2020-07-31-Democratic-Party-Platform-For-Distribution.pdf; "The Power Of America’s Example: The Biden Plan For Leading The Democratic World To Meet The Challenges Of The 21st Century", https://joebiden.com/americanleadership/#; "Where Biden and Trump stand on key issues", Reuters, Updated August 10, 2020, https://graphics.reuters.com/USA-ELECTION/POLICY/ygdpzwarjvw/index.html

[7] Andrew England and Katrina Manson, "US and Middle East: strongmen contemplate post-Trump era", Financial Times, September 20, 2020, https://www.ft.com/content/132ad76d-0ad4-4cf8-9dc7-acd1797c9e6d

[8] Karen DeYoung, "Biden foreign policy begins with telling the world: ‘America’s back’", Op. Cit.

[9] Josh Rogin, "U.S. foreign policy might be too broken for Biden to fix", The Washington Post, October 8, 2020, https://www.washingtonpost.com/opinions/global-opinions/us-foreign-policy-might-be-too-broken-for-biden-to-fix/2020/10/08/b82cfcf0-09a0-11eb-859b-f9c27abe638d_story.html

 

أحدث المواضيع المميزة