عودة المقاتلين التونسيين من بؤر التوتر: الانعكاسات والتحديات

​أحمد نظيف | 10 مايو 2021

في 23 أبريل 2021، وخلال كلمة ألقتها أمام مجلس النواب الإيطالي، أعلنت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش إن بلادها تواصلت مع عدة دول للتفاوض من أجل إخراج المقاتلين الأجانب[1]، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول مصير هؤلاء المقاتلين الأجانب وكيف ستتعامل معهم دولهم الأصلية ومخاطر عودتهم، حيث تمثل هذه العودة تهديداً متزايداً بعد أن ثبت أن بعض المتورطين في أعمال إرهابية في كثيرٍ من الدول هم من المقاتلين الأجانب العائدين.

وكانت تونس إحدى الدول المشمولة بهذا النقاش، إذ تحضر الجنسية التونسية بشكل بارز في جداول المقاتلين الأجانب في ليبيا، وكذلك في سوريا، حيث نشط جزء كبير من المقاتلين التونسيين الموجودين حالياً في ليبيا، في الساحة السورية بين 2012 و2018.

تحاول هذه الورقة تحليل تطور ظاهرة المقاتلين التونسيين العائدين من بؤر التوتر، ومدى حجمها، ودلالات ذلك. مع البحث في سياقات هذه العودة وتأثيراتها وتحدياتها المختلفة، داخلياً وخارجياً. وإلقاء الضوء على السياسات الحكومية التونسية في التعامل مع ظاهرة المقاتلين العائدين، وتقييم نتائجها.

نشأة ظاهرة المقاتلين التونسيين وتطورها

برزت ظاهرة المقاتلين التونسيين في بؤر التوتر الخارجية منذ ثمانينات القرن الماضي خلال الحرب الأفغانية (1979-1989)، حيث توجَّه العشرات من الشباب التونسي للقتال في صفوف الأحزاب الإسلامية الأفغانية ضد الغزو السوفيتي، وتطورت الظاهرة خلال حرب البوسنة (1992-1995). ثمّ تصاعدت النزعات السلفية الجهادية لدى قطاع واسع من الشباب، وقد تجلى ذلك في انخراط المئات منهم في الحرب العراقية، بعد الغزو الأمريكي (2003).

تاريخياً كان المقاتلون التونسيون تقريباً الأقل عدداً في التجارب ''الجهادية'' السابقة في أفغانستان والبوسنة والشيشان والعراق والجزائر، مقارنةً بأعداد الشباب القادمة من السعودية واليمن ومصر وليبيا والجزائر، لكن الأمر تغيَّر جذرياً بعد سقوط نظام بن علي في العام 2011. إذ يشير أغلب التقديرات إلى أن الجنسية التونسية هي الأكثر حضوراً في الساحتين السورية والليبية، وبدرجة أقل في العراق. وفي آخر تقدير رسمي، قالت الرئاسة التونسية إن "عدد الإرهابيين التونسيين المنتسبين إلى جماعات إرهابية في سوريا وليبيا والعراق يُقدَّر بـ 2926 إرهابياً، وأن السلطات تعرف كل كبيرة وصغيرة عن عدد التونسيين الملتحقين ببؤر التوتر للقتال ضمن مجموعات إرهابية وتوزعهم على البلدان"[2]. بينما يُقدِّر تقرير فريق خبراء الأمم المتّحدة حول استخدام المرتزقة، عدد المقاتلين التونسيين في بؤر التوتّر المختلفة بحوالي خمسة آلاف مقاتل[3].

وتكشف الملفات القضائية التونسية[4] أن 69% من المتطرفين التونسيين تلقوا تدريبات على استعمال السلاح في ليبيا، وأن 21% منهم تدربوا في سوريا. كما أكدت أن 80% من هؤلاء الشباب غادروا إلى جبهة القتال في سوريا كوجهة ثانية بعد تلقي التدريبات العسكرية في ليبيا. وقد تصاعدت وتيرة السفر إلى سوريا، وفقاً للملفات القضائية، بعد يونيو 2014، تاريخ اعلان أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية عن قيام "دولة الخلافة"، التي دفعت قطاعاً واسعاً من المتطرفين التونسيين إلى محاولة الالتحاق بالساحة السورية للدفاع عما اعتبروه "دولة الخلافة"[5]. وقد ساهم العديد من العوامل في تطور هذه الظاهرة بشكل كبير بعد العام 2011، لعل أبرزها:

  • إعادة الهيكلة الفوضوية للأجهزة الأمنية التونسية بعد سقوط نظام بن علي في سنة 2011، أدت إلى تقليص فعالية أجهزة مكافحة الإرهاب، خاصة بعد قيام الوزير في ذلك الوقت، فرحات الراجحي، بحلّ جهاز أمن الدولة في مارس 2011 [6]، وكذلك تسريح العشرات من القيادات في جهاز المخابرات، مما أدى إلى ضعف في تقصي المعلومات اللازمة لتطويق ظاهرة شبكات تسفير الشباب نحو بؤر القتال في الخارج[7].
  • السماح للتنظيمات السلفية الجهادية بالعمل العلني والمباشر، بين عامي 2011 و2013، خلال فترة حكم حركة النهضة ضمن تحالف "الترويكا"، ما أدى إلى تصاعد عمليات التجنيد في صفوف الشباب والسيطرة على عدد كبير من الفضاءات العامة وحرية التنقل بين المناطق، ومن تونس نحو ليبيا[8]. كل ذلك أدى إلى تنامي عمليات التسفير، وانضمام أعداد جديدة من الشباب للتيارات الجهادية. فقد اهتم الجهاديون بتجنيد عناصر جديدة بواسطة أشخاص من دعاة وأئمة مساجد وقياديين سابقين في تنظيمات إرهابية، وكثفوا وجودهم العلني في الشوارع، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، إذ عمل الجناح الدعوي لتنظيم أنصار الشريعة على إقامة خيمات دعوية وملتقيات في أغلب مناطق البلاد، وألقيت فيها خطب تحريضية، ووُزعت خلالها كتب، كما لعبت المساجد التي سيطر عليها جهاديون دوراً كبير في التأثير والاستقطاب[9].
  • كذلك شكلت ليبيا قاعدة خلفية مساعدة على إيجاد مراكز للتدريب ومنطقة انطلاق مناسبة نحو تركيا، وتالياً إلى الداخل السوري والعراقي، خاصة وأنها قد دخلت في فوضى أمنية وعسكرية في أعقاب سقوط نظام معمر القذافي؛ فأكثر من نصف المقاتلين التونسيين في سوريا والعراق كانوا قد مروا وتدربوا في ليبيا، قبل أن تتحول هي الأخرى إلى ساحة قتال يستقر بها التونسيون في صفوف تنظيم داعش ومجلس شورى ثوار بنغازي للقتال ضد الجيش الليبي منذ مايو 2014 تاريخ انطلاق عملية الكرامة بقيادة خليفة حفتر[10].
  • كما شكلت سهولة السفر عاملاً مساعداً للكثير من الشباب على الالتحاق بالجماعات المسلحة، حيث يسهل نسبياً الوصول إلى سوريا. فمعظم الأفراد يستقلون الطائرة أو السيارة من أماكنهم إلى تركيا ومن هناك إلى سوريا. وبالمقارنة مع أفغانستان أو اليمن أو الصومال أو مالي، فإن السفر إلى تركيا أيضاً لا يثير بالضرورة أي إشارات تحذير كونها وجهة سياحية بارزة. كما أن الرحلات الجوية إلى تركيا مُتدنية السعر، وتتمتع تونس بخاصية الإعفاء من التأشيرات مع الحكومة التركية، وذلك يسهل الأمر خصوصاً على الأفراد الذين قد لا يكونون مستعدين للمجازفة بالذهاب إلى مواقع أكثر عزلة[11].
  • كما أدى التدخل العسكري التركي في ليبيا منذ صيف 2020 وحتى اليوم إلى تسهيل عودة المئات من المقاتلين التونسيين الذين كانوا في سوريا وهربوا إلى تركيا نحو ليبيا، ومن ثمّ قربهم من الحدود التونسية، حيث كشفت تقارير نشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان عن تدفق المئات من المقاتلين التونسسين ضمن القوات التي دفعت بها تركيا نحو طرابلس الغرب، وأشار تقرير للمرصد نُشِر في نهاية 2020 إلى وجود حوالي 2500 مقاتل تونسي ضمن المجموعات المدعومة من أنقرة في ليبيا.

عودة المقاتلين وتأثيراتها

تعاني تونس منذ العام 2012 من تفجر الإرهاب المحلي، من خلال وجود مجموعات إرهابية تتمركز في سلسلة الجبال الغربية على الحدود مع الجزائر، متنوعة الولاء بين تنظيمي القاعدة و"داعش". قامت بالعديد من الهجمات التي استهدفت القوات الأمنية والعسكرية، إلى جانب ضربات نفذتها خلاياها النائمة في المدن ضد مراكز سياسية واقتصادية. كما يعاني البلد من أزمة سياسية تجلت في عدم استقرار الحكومات، حيث شهدت البلاد تداول تسع حكومات على السلطة خلال عشر سنوات. وفي مقابل ذلك تمر تونس بأزمة اقتصادية خانقة، أثرت على التوازنات المالية للدولة وعمقت التوتر الاجتماعي في البلاد. في هذه السياقات المأزومة، تخشى السلطات من موجة عودة المقاتلين من بؤر التوتر، وتعتبرها تهديداً متزايداً، حيث يمكن أن تكون لهذه العودة تأثيرات خطيرة على أكثر من صعيد:

  • يمكن للشبكات الإرهابية الناشطة في داخل البلاد أن توفر للعائدين منبراً يمكنهم من خلاله تلقين الآخرين، خاصة وأن هؤلاء العائدين يمتلكون خبرات قتالية اكتسبوها من مشاركتهم في الحربين السورية والليبية، إذ كانت عودتهم سرية. أما إذا تم إلقاء القبض عليهم وايداعهم السجون فإنهم يمكن أن يقوموا بعمليات تجنيد داخل السجون، ولعل أشهر نماذج ذلك قصة مغني الراب مروان الدويري (ايمينو)الذي كان ضحية إحدى خلايا التجنيد داخل السجون عندما كان يقضي حكما بتهمة تعاطي المخدّرات، وانتهى قتيلاً في سوريا[12].
  • يمكن أن يتحول العائدون إلى "ذئاب منفردة" تنفذ عمليات فردية ضد قوات الأمن أو تستهدف منشآت اقتصادية، أو تتحرك بشكل فردي ولكن من خلال التنسيق مع خلايا إرهابية ناشطة في خارج البلاد، نسجت معها علاقات خلال وجودها في بؤر التوتر. ولعل أبرز الأمثلة على هذا النموذج سيف الدين الرزقي، الذي هاجم منتجع سوسة السياحي في يوليو 2015 وقتل 38 سائحاً، وهو أحد العائدين خلسة من معسكرات تنظيم "داعش" في ليبيا، وتحديداً في مدينة صبراتة، وهي المدينة نفسها التي عاد منها عشرات المقاتلين التونسيين بشكل سري إلى مدينة بنقردان التونسية في مارس 2016 وهاجموا مراكز أمنية وسيادية في محاولة منهم لإقامة إمارة إسلامية[13].
  • كما تشكل الإنعكاسات المالية واللوجستية لهذه العودة، أحد أهم التحديات التي تواجهها السلطات التونسية، إذ تحتاج الأجهزة الأمنية إلى الرفع من عديد وتدريب الكوادر المتخصصة في مكافحة الإرهاب، وخاصة في مجال التقصي والمراقبة، كما تحتاج السجون التونسية إلى فضاءات خاصة بحجز العناصر العائدة وإيقافها، وهذا لوحده يعتبر تحدياً كبيراً في ظل الاكتظاظ الذي تعاني منه السجون في تونس. كما تواجه السلطات تحدياً مالياً، إذ تحتاج هذه الإمكانات اللوجستية والإدارية موازانات إضافية، يبدو من الصعب توفيرها في ظل الأزمة المالية التي تعاني منها البلاد.
  • وتطرح هذه العودة أيضاً تحديات أمنية على دول الجوار، حيث يمكن أن تتسرب العناصر العائدة نحو الجزائر، باعتبارها البلد المركز لقيادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، وكذلك نحو ليبيا، حيث ما زالت توجد قاعدة لوجستية كبيرة لنشاط الجماعات الإرهابية، وكذلك نحو الجوار الأوروبي الشمالي من خلال رحلات الهجرة غير الشرعية في القوارب، حيث يفضل الكثير من العائدين ذلك، هرباً من الملاحقة الأمنية داخل البلاد[14].

تقييم السياسات الحكومية في التعامل مع ظاهرة المقاتلين العائدين

في مقابل الانعكاسات الخطيرة لعودة المقاتلين من بؤر التوتر، تبدو السياسات الرسمية التونسية ضعيفة، أو غير مرئية حتى الآن، أي أننا لم نشهد أي إعلان رسمي عن حزمة سياسات خاصة بهذه العودة. فالسلطات لا تزال تتعامل بالإجراءات العادية التي كانت متبعة مع التجارب السابقة قبل العام 2011، وأغلبها إجراءات أمنية، دون أن تأخذ في الاعتبار حجم المقاتلين من حيث العدد، أو من حيث التحولات الفكرية والتكتيكية التي عاشتها التيارات الجهادية خلال العقد الأخير، وخاصة في ما يخصّ استعمال التكنولوجيا. ويمكن تخليص السياسات الرسمية في التعامل مع العائدين في الآتي:

  • الإيقاف في السجون وإعداد ملفات قضائية للعناصر التي ثبت مشاركتها في عمليات قتالية أو دعم الجماعات الإرهابية في الخارج وفق ما نصّ عليه الفصل 33 من القانون الأساسي المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال لسنة 2015، الذي يعتبر "كل من سافر خارج تراب الجمهورية بغاية ارتكاب إحدى الجرائم الإرهابية، إرهابياً ويعاقب بالسجن"[15]. وفي هذا السياق شهدت تونس خلال عامي 2020 و2021 العديد من المحاكمات للعائدين، آخرها كانت محاكمة أستاذ جامعي في مارس 2021 انضم إلى تنظيم "داعش" في ليبيا وفي سوريا[16].
  • وضع العناصر الأقل خطورة، وفقاً للتصنيف الأمني تحت الإقامة الجبرية والمراقبة الدائمة للحركة والتنقل بين المدن والمنع من السفر، وفقاً للقوانين المتعلقة بتنظيم حالة الطوارئ[17]، والتي تعطي لوزير الداخلية الصلاحية أن يضع تحت الإقامة الجبرية أي شخص يعتبر نشاطه خطيراً على الأمن والنظام العامين.
  • تعزيز التعاون الأمني مع الجزائر لمنع تسلل الإرهابيين، ومنهم العائدون، بين البلدين، وتفعيل برنامج تبادل المعلومات بين جهازي المخابرات في البلدين حول العائدين، وكذلك إنشاء منطقة عسكرية عازلة على الحدود البرية مع ليبيا لضبط عمليات التسلل. والدخول في تعاون مع أجهزة أمن عربية وأوربية لتسليم الإرهابيين، ومن بينهم عائدون. فقد أعلن القطب القضائي لمكافحة الإرهاب في ديسمبر 2016 عن تسلّم القيادي في تنظيم "داعش" معز الفزاني، والمتهم بالتخطيط لعملية متحف باردو في مارس 2015، من السلطات السودانية. كما تسلمت وناس الفقيه، القيادي في تنظيم القاعدة.

في المقابل، تواجه السلطات التونسية اليوم العديد من التحديات في مواجهة عودة المقاتلين، سواء من ناحية قصور السياسات الحالية أو غياب سياسات أخرى أكثر شمولاً، وهي كالآتي:

  • من ناحية السياسات السائدة لمواجهة العائدين، وهي بالأساس إجراءات أمنية وقضائية، فالأجهزة الأمنية تعاني ضغطاً كبيراً على مستوى مراقبة العناصر العائدة الطليقة، وهي عملية تتطلب كوادر وأدوات لوجستية، فيما تحتاج إدارة السجون لجهود مضاعفة للتعامل مع العناصر الموجودة في السجون. أما الجهاز القضائي فيعاني ضغطاً هائلاً من ناحية التعامل مع كمّ كبير من الملفات القضائية للعائدين، الأمر الذي أدى إلى التأخير في حسم العديد من القضايا.
  • ومن ناحية غياب السياسات الشاملة، فإننا نلاحظ عدم وجود أي برنامج رسمي لنزع التطرف وإعادة إدماج العائدين، رغم أن تونس من أكثر الدول في العالم التي لديها هذه الشريحة من الإرهابيين، قياساً بدول أخرى لديها أعداد قليلة ووضعت برامج لنزع التطرف وإعادة الإدماج سواء من داخل السجون أو خارجها. ويبدو أن المراهنة على أحادية الحلّ الأمني لن تعطي نتائج كبيرة خلال السنوات المقبلة.
  • الوضع الأمني والسياسي غير المستقر في دول الاستقبال، حيث يشكل عدم الاستقرار السياسي في ليبيا تحدياً أمام السلطات التونسية، خاصة في كيفية التعامل مع الأجهزة الأمنية المفككة داخل ليبيا من أجل حصر وتحديد هويات هؤلاء المقاتلين أو تسليم العناصر الموجودة في السجون. وكذلك الأمر بالنسبة للجانب السوري، حيث توجد مجموعات من هؤلاء المقاتلين تحت سيطرة القوات الكردية شمالاً، ومجموعات أخرى في قبضة الدولة السورية، ومجموعات في تركيا.

خلاصة واستنتاجات

  • بعد اندحار تنظيم داعش في سوريا والعراق بدأ النقاش حول مصير هؤلاء المقاتلين الأجانب، وكيف ستتعامل معهم دولهم الأصلية ومخاطر عودتهم، إذ تمثل هذه العودة تهديداً متزايداً بعد أن ثبت تورط بعض المقاتلين العائدين في أعمال إرهابية في كثير من الدول. وكانت تونس أكثر الدول المشمولة بهذا النقاش، حيث تشكل الجنسية التونسية الأكثر حضوراً في جداول المقاتلين الأجانب في سوريا وليبيا والعراق.
  • تقدر السلطات التونسية عدد الإرهابيين التونسيين المنتسبين إلى جماعات إرهابية في سوريا وليبيا والعراق بنحو 2926 إرهابياً، بينما قدر تقرير فريق خبراء الأمم المتّحدة حول استخدام المرتزقة، عدد المقاتلين التونسيين في بؤر التوتّر المختلفة بحوالي خمسة آلاف مقاتل.
  • أدى العديد من العوامل إلى تصاعد هذه الظاهرة في تونس، ومن بينها إعادة الهيكلة الفوضوية للأجهزة الأمنية التونسية بعد سقوط نظام بن علي، ودخول ليبيا المجاورة في فوضى أمنية وسياسية وفرت مكاناً خصباً للتدريب، كما أدى التسامح الذي تعاملت به حكومة حركة النهضة مع المجموعات المتطرفة إلى نمو نسق التجنيد والتسفير، فيما شكلت سهولة السفر نحو تركيا عاملاً مساعداً للكثير من الشباب على الالتحاق بالجماعات المسلحة الإرهابية.
  • تأتي عودة المقاتلين التونسيين في سياق مأزوم تعيشه البلاد من خلال وجود مجموعات إرهابية قامت بالعديد من الهجمات التي استهدفت القوات الأمنية والعسكرية، وأزمة سياسية تجلت في عدم استقرار الحكومات المتعاقبة، وأزمة اقتصادية خانقة، أثرت على التوازنات المالية للدولة.
  • في مقابل الانعكاسات الخطيرة لعودة المقاتلين من بؤر التوتر، تبدو السياسات الرسمية التونسية ضعيفة، أو غير مرئية حتى الآن، إذ لم يتم الإعلان رسمياً عن حزمة سياسات خاصة بهذه العودة، مع استمرار تعامل السلطات مع هذه الظاهرة بالإجراءات العادية التي كانت متبعة مع التجارب السابقة قبل العام 2011. ويُلاحظ عدم وجود أي برنامج رسمي لنزع التطرف وإعادة إدماج العائدين، في ظل مراهنة السلطات على أحادية الحلّ الأمني، والتي لا يبدو أنها قد تعطي نتائج كبيرة خلال السنوات المقبلة.
  • يمكن تلخيص السياسات الرسمية الراهنة في التعامل مع العائدين في الإيقاف في السجون، وإعداد ملفات قضائية للعناصر التي ثبت مشاركتها في عمليات قتالية، ووضع العناصر الأقل خطورة وفقاً للتصنيف الأمني تحت الإقامة الجبرية والمراقبة الدائمة للحركة والتنقل بين المدن، والمنع من السفر، وكذلك تعزيز التعاون الأمني مع الجزائر لمنع تسلل الإرهابيين ومنهم العائدون بين البلدين، وكذلك إنشاء منطقة عسكرية عازلة على الحدود البرية مع ليبيا.
  • تواجه السلطات التونسية اليوم العديد من التحديات في مواجهة عودة المقاتلين؛ فالأجهزة الأمنية تعاني ضغطاً كبيراً على مستوى مراقبة العناصر العائدة الطليقة، وهي عملية تتطلب كوادر وأدوات لوجستية، فيما تحتاج إدارة السجون لجهود مضاعفة للتعامل مع العناصر الموجودة في السجون. أما الجهاز القضائي فيعاني هو الآخر ضغطاً هائلاً من ناحية التعامل مع كمّ كبير من الملفات القضائية للعائدين، الأمر الذي أدى إلى التأخير في حسم العديد من القضايا.

الهوامش

[1] "الخارجية الليبية: تواصلنا مع عدة دول لإخراج المقاتلين الأجانب"، الأناضول، 23 أبريل 2021. https://bit.ly/3h9tc73

[2] 2926 Tunisiens parmi les groupes armés au Proche-Orient, El Watan, 02 JANVIER 2017. https://bit.ly/3vrJFbe

[3] Report of the Working Group on the use of mercenaries as a means of violating human rights and impeding the exercise of the right of peoples to self-determination 2015. https://digitallibrary.un.org/record/803065?ln=fr

[4] ''اﻹرﻫﺎب في ﺗﻮﻧﺲ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﻤﻠﻔﺎت اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ''، المركز التونسي للبحوث والدراسات حول الإرهاب والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أكتوبر 2016. http://www.cnlct.tn/?p=2599

[5] New study explores Tunisia’s jihadi movement in numbers, Al-Monitor, Nov 8, 2016. https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2016/11/tunisia-center-study-terrorism-distribution.html

[6] PIERRE PUCHOT, Contre le terrorisme, un long combat tunisien, 19 MARS 2015. https://www.mediapart.fr/journal/international/190315/contre-le-terrorisme-un-long-combat-tunisien?onglet=full

[7] في ديسمبر 2018 اتهم السفير الأمريكي السابق في تونس، جاكوب واليس، حكومة النهضة بالتسامح مع التنظيمات الجهادية، وخاصة في مسألة التسفير. انظر المحاضرة التي ألقاها واليس في منتدى سياسي لمعهد واشنطن، والمتاحة على الرابط: https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/tunisias-foreign-fighters

[8] New study explores Tunisia’s jihadi movement in numbers, Al-Monitor, Nov 8, 2016.  

[9] أحمد نظيف، بنادق سائحة: تونسيون في شبكات الجهاد العالمي، المعهد التونسي للعلاقات الدولية، 2016، ص23.

[10] Aaron Y. Zelin, Sunni Foreign Fighters in Syria: Background, Facilitating Factors, and Select Responses, Partnership for Peace Consortium, May 22, 2014. https://www.washingtoninstitute.org/media/2752?disposition=inline

[11] Le rappeur tunisien Emino a rejoint l'Etat islamique, L'Obs, 24 mars 2015. https://www.nouvelobs.com/monde/20150324.OBS5326/le-rappeur-tunisien-emino-a-rejoint-l-etat-islamique.html

[12] Is Tunisia prepared for return of thousands of Islamic State fighters?, Al-Monitor, Jun 23, 2016. https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2016/06/tunisia-return-of-islamic-state-members-syria-iraq.html

[13] Terrorisme : front commun des Européens pour plus de coopération, Les Echos, 11 Nov. 2020. https://www.lesechos.fr/monde/europe/terrorisme-front-commun-des-europeens-pour-plus-de-cooperation-1263875

[14] قانون أساسي، عدد 26 لسنة 2015، مؤرخ في 7 أوت 2015 يتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال. http://www.legislation.tn/detailtexte/Loi-num-2015-26-du-07-08-2015-jort-2015-063__2015063000261

[15] "تونس تحاكم أستاذا جامعيا عاد من معاقل “داعش”"، المرصد السوري لحقوق الإنسان، 14 مارس 2021. https://bit.ly/3y0n9aE

[16] أمر عدد 50 لسنة 1978، مؤرخ في 26 جانفي 1978 يتعلق بتنظيم حالة الطوارئ. https://legislation-securite.tn/ar/node/41237

[17] How will Tunisia deal with thousans of returning jihadis?, Al-Monitor, Jan 17, 2017. https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2017/01/tunisia-return-islamic-state-fighters-syria-controversy.html

 

أحدث المواضيع المميزة

الإدارة الأمريكية للأزمة الليبية: الحسابات والتحديات

مركز الإمارات للسياسات | 19 أكتوبر 2021

هل تنشب حرب روسية-تركية في إدلب؟

مركز الإمارات للسياسات | 12 أكتوبر 2021