التحرُّك الصيني تجاه سورية: أهدافه وآفاقه

مركز الإمارات للسياسات | 16 أغسطس 2021

أثارت زيارة وزير الخارجية الصيني لدمشق ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد، في 17 يوليو الماضي، وطَرْحه مبادرة للحل في سورية، العديد من الأسئلة لجهة أهدافها ودلالاتها، وما إذا كانت ستُشكّل نقطة فارقة في الملف السوري، وإمكانية تحوُّل الصين إلى أحد الفواعل الأساسيين في الملف السوري. ففي ضوء أن الملف السوري بات مغلقاً من ناحية إمكانية دخول أطراف فاعلين جدد، كما أن حل الأزمة فيه محكوم بتوافق دولي على تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 2254، وبالتالي لا إمكانية لمبادرات جديدة، فإن المبادرة الصينية للحل قد يكون لها أهداف أخرى.

توقيت الزيارة، وموقف النظام السوري من التحرك الصيني

اكتفت الصين، طوال سنوات الأزمة السورية الماضية، باتخاذ موقف معارض لما اعتبرته تدخلاً في الشأن الداخلي السوري، وعارضت في مجلس الأمن أي قرار رأت أنه قد يشكّل مقدمة لإسقاط النظام السوري أو تقديمه لمحاكمات دولية، وبدا السبب مفهوماً كونه ينطلق من موقف الصين الرافض لأي تدخل خارجي يفرض على أي نظام سياسي طريقة التعامل مع الشعب الذي يحكمه، وذلك لمنع أي احتمال لتدخل الخارج في الشؤون الصينية، سواء فيما يخص قضية الإيغور أو حقوق الإنسان عموماً في الصين. وباستثناء ذلك، لم يكن للصين حضور سياسي أو عسكري، ولا حتى على المستوى الاقتصادي، واتسم حضورها وأسلوب ممارسة دورها بالحذر الشديد، فما الدافع لهذا التغيير في هذا التوقيت؟

يأتي التحرك الصيني تجاه سورية في توقيت مأخوذ في الاعتبار ضمن حسابات الصين الدولية، حيث يتزامن مع انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان، وما سيرتبه هذا الانسحاب من تخفيف للضغوط على الأمريكيين، مقابل إلقاء العبء على الجوار الأفغاني، بما فيه الصين بدرجة كبيرة، كما يأتي هذا التحرك بالتزامن مع تقلُّص الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط والحديث عن انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وسحب الأسلحة الاستراتيجية من دول الخليج، بما يعطي انطباعاً بأن الصين، التي زار وزير خارجيتها العديد من دول المنطقة، تسعى إلى طرح نفسها طرفاً بديلاً لضمان الأمن والتوازنات في المنطقة، وخاصة أنها تملك علاقات جيدة مع إيران ودول الخليج[1].

والأهم من ذلك أن هذه الزيارة تأتي على وقع تغيّر الموقف الأمريكي فيما يخص النظام السوري، وتحوُّل موقف الإدارة الأمريكية إلى المطالبة بتغيير "سلوك النظام"[2]، وكان لافتاً دعوة الصين الأطراف الأخرى إلى التخلي عن الوهم في تغيير النظام، وطرح مبادرة جديدة تنسف قرار مجلس الأمن 2254 والمخرجات التي يتضمنها للحل، الأمر الذي يُفهم منه رفضها لجميع المقاربات السابقة للحل، والبدء من جديد مراعاةً للمتغيرات الحاصلة في الواقع السوري، وخاصة عدم إمكانية سقوط النظام في الوقت الراهن[3]. وقد تضمنت المبادرة الصينية أربع نقاط[4]:

  • احترام السيادة الوطنية لسوريا، رغم أن هذا المبدأ يتعارض مع وجود إيران وتركيا، حلفائها وشركائها الاقتصاديين.
  • التأكيد على تسريع عملية إعادة إعمار البنية التحتية والاقتصاد في البلاد.
  • دعم موقف حازم بشأن مكافحة الإرهاب بفاعلية، وضرورة مكافحة المنظمات الإرهابية المدرجة على قائمة مجلس الأمن، ورفض ازدواجية المعايير.
  • تحقيق حل سياسي شامل في سوريا وتجاوز الخلافات بين القوى المختلفة.

وسبق للصين أن أعلنت في نهاية اكتوبر 2012 مبادرة للحل في سورية من أربع نقاط تعتمد على وقف القتال بشكل مرحلي، والتشاور لإعداد فترة حكم انتقالي يستمر عمل مؤسسات الحكومة السورية خلالها، متجاهلة الحديث عن مصير الرئيس السوري بشار الأسد[5].

ورحَّب نظام الأسد بالتحرك الصيني، وهو ما بدا جلياً من الحملة الإعلامية التي رافقت زيارة وزير الخارجية، ويرغب الأسد في أن تكون المرحلة المقبلة في سورية مرحلة صينية، بعد أن وصلت المرحلتان الإيرانية والروسية إلى ذروتهما المتمثلة بعجزهما عن قيادة مرحلة الإعمار أو تقديم شيء له قيمة مهمة لهذه المرحلة[6]. ويتوقع النظام السوري دخول الصين بقوّة على خط الأزمة السورية، بدليل اهتمامهم وطرح مبادرة للحل، فلو لم تكن القيادة الصينية جادة في الانخراط في الملف السوري لما قدمت مبادرة للحل، ويعني ذلك أن التحرك الصيني سيليه خطوات مستقبلية على أكثر من صعيد. ويهتم النظام السوري، الذي يعاني من عزلة دولية، بوجود حليف قوي اقتصادياً وعسكرياً يوازن الدور الروسي، ويخلق حالة من المنافسة يستطيع الأسد الإفادة منها ويخفف من حجم الضغوطات الروسية[7].

مصالح الصين وأهدافها في سورية

يطرح الحديث عن مصالح صينية في سورية السؤال عمَّا إذا كان الاقتصاد السوري الضعيف، بالثروات والأسواق، يشكل رقماً حقيقياً في موازين الاقتصاد الصيني العملاق؟ وتكمن الإجابة على هذا السؤال في القضايا التي تم التفاوض عليها بين الوزير الصيني والمسئولين السوريين، فقد عرض وزير الخارجية إدخال سورية في مبادرة الحزام والطريق الصينية، وقد قابل هذا العرض تأكيد على رغبة سورية في الانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق وتعزيز التعاون مع الصين في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة والتعليم[8].

يعني ذلك أن المصالح الاقتصادية الصينية في سورية تقتصر على مجال محدد بعينه، وهو ما يخص مشروع الحزام والطريق وبالتالي حصر التعاون بين الطرفين في هذا المجال، والدليل على ذلك ما كشفته مصادر قريبة من النظام السوري، بأن الطرف الصيني اقترح مجموعة من المشاريع التي يمكن تنفيذها في إطار المبادرة، منها ما هو في مجال النقل كالربط السككي بين مرفأ طرطوس والحدود العراقية، وإنشاء طريق برّي سريع يربط جنوب البلاد بشمالها، ومنها ما هو في مجال توليد الكهرباء، إضافة إلى إنشاء مناطق حرة صينية في سوريا (حسياء، توسع اللاذقية)، مع التركيز على البعد الإقليمي لهذه المشاريع، بما يتوافق مع روح مبادرة الحزام والطريق.

وتشكو المصادر ذاتها من ضعف الاستثمار الصيني في سورية، والذي لم يتجاوز مشروعين اثنين فقط خلال الفترة الممتدة من عام 2009 وحتى عام 2019، الأول مشروع لنقل الركاب والمجموعات السياحية في عام 2011 والثاني لإنتاج خلاطات المياه بأنواعها في عام 2019، واللافت أن المشروعين لم يرد ذكرهما في قائمة المشروعات المنفذة أو قيد التنفيذ، حيث ورد في قائمة المشروعات المنفذة مشروع مشمل في عام 2006 لإنتاج وتجميع السيارات السياحية والبيك أب[9].

وتكمن مصالح الصين الأساسية في سورية في موقعها الجغرافي، حيث تهتم الصين في جعل سوريا جزءاً من مبادرة الحزام والطريق، وتأمين نوع من طرق النقل عبر العراق وإلى سوريا، والذي من شأنه أن يعطي الصين وصولاً إلى شرق البحر الأبيض المتوسط. وثمّة اعتقاد بأن الصين ربما تُخطّط للحصول على عقد لإنشاء ميناء خاص بها على الساحل السوري، خدمة لمشروعها الهادف إلى التحكم بطرق الملاحة الدولية[10]. ولا تقتصر أهمية سورية بالنسبة للصين على الجانب الاقتصادي، فثمة مصالح وأسباب أخرى ربما توضح أسباب التحرك الصيني في هذا التوقيت:

  • أسباب استراتيجية-سياسية، تتعلق برغبة الصين إيصال رسالة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بقدرة الصين في التمدّد وملئ الفراغ بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان إلى العراق، ويدعم الموقف الصيني في ذلك العلاقات الاستراتيجية مع إيران التي تملك اليد الطولى في سورية والعراق. وفي هذا الإطار، يلاحظ ان التحرك الصيني يأتي في أعقاب حديث عن تفاهمات محتملة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في سورية، على خلفية التفاهم الحاصل بينهما في مجلس الأمن بشأن المساعدات عبر معبر باب الهوى، وبالتالي فإن التحرك الصيني يأتي وكأنه مسعى لمنع انعكاس هذه التفاهمات على المصالح الصينية في المنطقة[11].
  • أسباب أمنية تتعلق بوجود المقاتلين "الإيغور" في سورية، الذين يشكلون خطراً محتملاً على الأمن الصيني في حال عودتهم من سورية، بالإضافة إلى قيام الولايات المتحدة الأمريكية برفع" الحزب الإسلامي التركستاني" من قوائم الإرهاب، وهو ما تعتبره الصين أمراً موجهاً ضدها، وقد تضمَّن كلام الوزير الصيني في دمشق إشارة إلى ضرورة توحيد جهود المجتمع الدولي "لمكافحة الإرهاب، والقضاء بحزم على القوات الإرهابية في سورية المدرجة في قائمة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة". والإشارة في كلام وانغ إلى قائمة مجلس الأمن هي رد على الموقف الأمريكي الجديد من الحزب التركستاني. وتأتي أهمية هذه المسألة، من تقدير الصين بوجود مساعي أمريكية، في إطار حملتها لإضعاف الصين، لجعل منطقة شينجيانغ التي تقع في أقصى شمال غرب الصين بمثابة خاصرة رخوة للنظام الصيني. ولهذا السبب، تتبنّى الولايات المتحدة قضية قومية الإيغور باعتبارهم "أقلية دينية مضطهدة". وتخشى الصين من نوايا أمريكا في توظيف الحزب الإسلامي التركستاني ومقاتليه الذين اكتسبوا خبرة واسعة من القتال في سورية، لتنفيذ عمليات عسكرية على الأراضي الصينية، انطلاقاً من أفغانستان، بعد انسحاب القوات الأمريكية منها، خصوصاً أن الحزب الإيغوري يلقى دعماً ومساندة من تنظيماتٍ إسلامية أفغانية[12].

معوقات الانخراط الصيني في سورية

  • صعوبة المنافسة مع إيران وروسيا

يُعتبر الملف السوري ملفاً مغلقاً لجهة إمكانية دخول فاعلين جدد فيه، وهذا الأمر يشمل الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية. إذ من غير المرجح قبول روسيا وإيران بدور اقتصادي للصين وقيامها بـ "الهندسة الاجتماعية" في سورية، بعد أن صرفت الدولتان استثمارات كبيرة لإيصال الوضع على ما هو عليه الآن. ورغم علاقات التحالف بين إيران وروسيا مع الصين، وخاصة في الملف السوري، إلا أن إيران وروسيا تدركان تماماً أن دخول الصين سيجردهما من المكاسب التي يتوقعان الحصول عليها من عملية إعادة الإعمار، ويفضلان دخول شركات غربية وعربية، لاعتقادهما بإمكانية الحصول على فوائد أكبر من دخول الصين في هذا المجال.

وربما يبدو الأمر بالنسبة لإيران أقل ضرراً، على اعتبار أنها حدّدت مصالحها بدرجة كبيرة في السيطرة على المناطق ذات الطبيعة الاستراتيجية في شرق وجنوب سورية، لأهداف ليست اقتصادية بدرجة كبيرة، كما أن دخول الصين في الملف السوري قد يغيّر المعطيات لصالحها في تنافسها مع روسيا، وبالتالي يخفّف درجة الضغوط الروسية ضدها. لكن الأمر يبدو مختلفاً بالنسبة لروسيا، التي تدرك خطورة تمدّد النفوذ الصيني إلى سورية، التي باتت تعتبرها جزءاً من مصالحها الأمنية والاقتصادية الخاصة جداً، ومكوناً أساسياً في غلاف مشروعها الجيوسياسي وفضائها الأوراسي، وهو ما لا تسمح بمشاركة الصين به، وسبق لروسيا أن عرقلت مشروع الصين لمدّ خط سكة حديد يربط الصين بأوزبكستان، لأنها تعتبره لعباً في حديقتها الخلفية[13].

ولم تخف روسيا انزعاجها من تهليل النظام السوري لزيارة الوزير الصيني وعقْده آمالاً كبيرة على هذه الزيارة، وقد برز ذلك من خلال ما كتبه رامي الشاعر، الذي يوصف بأنه مستشار في وزارة الخارجية الروسية، ومقالاته تشكّل رسائل ومواقف الكرملين للنظام السوري، إذ قال: "تبدو التوجهات الساذجة باستبدال روسيا بالصين، بل ونزع بعض اللافتات المعبرة عن الصداقة والتعاون بين الشعبين الروسي والسوري في الشوارع السورية، واستبدالها بلافتات صينية، يبدو ذلك كله توجهًا سياسيًا مثيرًا للشفقة"[14].

ولوحظ أن زيارة وزير الخارجية الصيني سرَّعت التحركات الروسية والإيرانية الهادفة إلى تحقيق المزيد من التنازلات من النظام السوري الذي لا يعارض دخول المزيد من المستثمرين، على أمل أن يستفيد من التنافس بينهم. وأرسلت روسيا وفداً كبيراً يضم ممثلين عن 30 هيئة ومنظمة تنفيذية فيدرالية، برئاسة الفريق الأول رئيس مقر التنسيق الروسي ورئيس المركز الوطني لإدارة الدفاع ميخائيل ميزينتسيف، تحت عنوان بحث قضية اللاجئين. وتم على هامش الزيارة توقيع 10 اتفاقيات في مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري[15]. كما أرسلت إيران رئيس برلمانها محمد باقر قاليباف، إلى دمشق، والذي أعلن في نهاية زيارته الاتفاق على تفعيل اتفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين، والذي كانت تشكو إيران من تعمّد الحكومة السورية تعطيله[16].

  • معوقات اقتصادية
  • يُعتبر الاستثمار في سورية مغامرة بالنسبة للشركات الصينية في بلد تنخفض فيها قيمة العملة المحلية باستمرار، وهشة أمنياً، ويهيمن أمراء الحرب والشخصيات المحلية البارزة التي لها علاقات مع النظام على الحياة التجارية فيها، بالإضافة إلى الفساد المنهجي وغياب المُساءَلة.
  • لن تضع الشركات الصينية، التي تملك استثمارات هائلة في الأسواق العالمية وخصوصاً في الغرب، نفسها موضع المُساءَلة والملاحقة والخسارة، من أجل نسبة قليلة من الربح غير المؤكد، في بلد يخضع لعقوبات غربية تطال الدول والشركات التي تتعامل معها[17].
  • غياب الجدوى الاقتصادية، بسبب صغر السوق السورية من ناحية، وسيطرة روسيا وإيران على الأصول الاقتصادية المربحة في سورية، كما أن إعادة بناء البنية التحتية غير مربح.
  • ومما يقلق الشركات الصينية أيضًا الاسترداد المتوقع لاستثمارها، إذ هناك تخوّف من ألا تتمكن سورية من تسديد القروض التي تحصل عليها، في ظل وجود مؤشرات على عدم قدرة سورية على تقديم عوائد اقتصادية جيدة للصين وغيرها من الدول لسنوات مقبلة[18].
  • بلوغ الالتزامات الصينية في المنطقة ذروتها، ووفقاً لمعهد أمريكان إنتربرايز، الذي يراقب رأس المال الصيني في جميع أنحاء العالم، انخفضت الاستثمارات في الشرق الأوسط منذ عام 2018 -العام الذي تعهد فيه الرئيس شي جين بينغ بتقديم قروض بقيمة 23 مليار دولار للمنطقة ككل في منتدى التعاون الصيني العربي[19].
  • بالنسبة لأهمية سورية، من الناحية البحرية، بالنسبة إلى الصين، فإنها تبدو شبه مصادرة من قبل كل من إيران وروسيا، حيث يسيطر الطرفان على المرافئ البحرية للبلاد، وهذا لا يترك مجالًا للصين للاستفادة من إطلالة سورية البحرية. ويبدو أن الصين تدرك هذا الأمر جيداً لذا تركّز على موانئ بديلة في المنطقة، وخاصة ميناء طرابلس في لبنان، والذي قد يتحوّل إلى أهم الموانئ في المنطقة بعد انفجار مرفأ بيروت[20].
  • تُعاين الصين أسلوب إدارة الأسد للتنافس بين إيران وروسيا، والذي يقوم على أساس الملاعبة بينهما لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، وتدرك الصين أنها ستكون خاسرة في هذه اللعبة، حيث سيتعين على شركاتها التنقل بين المصالح السورية والروسية والإيرانية، ولكن بسبب مشاركتهم المحدودة سابقًا في البلاد، سيكون لديهم أيضًا عيب يتمثل في كونهم أقل دراية بالتضاريس المحلية[21].

خلاصة واستنتاجات

فرض توقيت زيارة وزير الخارجية الصيني لدمشق، وتزامنه مع بداية ولاية جديدة للرئيس السوري، نفسه كمعطى سياسي، ذهب معه معظمُ التقديرات إلى بناء تصورات تتناقض مع الواقع الحالي لسورية وشروط الانخراط الصيني وفق المعايير والمقاييس التي تعتمدها الشركات الصينية. ولا يعني تقدُّم الصين بمبادرة للحل السياسي وجود قناعة لدى القيادة السياسية الصينية بأن هذه المبادرة قد تشكّل مدخلاً لتحوُّل الصين إلى أحد الفواعل الأساسيين في الملف السوري، بقدر ما أن الصين أرادت إيصال رسالة إدانة للموقف الأمريكي المتعلق برفع "الحزب الإسلامي التركستاني" من قوائم الإرهاب، واستغلال ملف الإيغور لإضعاف الصين.

كما أن الصين، التي ظلّت حذرة على مدار السنوات الماضية من عمر الأزمة السورية، لا يبدو أنها تخطو خطوة في المجهول عبر دعوتها إلى التخلي عن وهم إسقاط النظام في سورية، ذلك لعلمها ان الموقف الدولي أصلاً تغيّر ولم يعد أحد يطالب بإسقاط النظام بل بتغيير سلوكه في أحسن الأحوال. لكن ذلك لا يعني أن الخطوة الصينية التالية في سورية ستكون استثمار مليارات الدولارات في عملية إعادة الإعمار في سورية، وذلك بسبب وجود العديد من العوائق الموضوعية منها: ضعف الجدوى الاقتصادية والعوائد المتوقعة من هذا الاستثمار، وسيطرة روسيا وإيران على الأصول الاقتصادية، فضلاً عن عدم توفر بيئة ملائمة للاستثمار بسبب الفوضى الأمنية والفساد الممنهج في سورية.

وبعيداً عمَّا رافق زيارة الوزير الصيني من توقعات وتقديرات بخصوص مستقبل العلاقة بين الطرفين، إلا أنه يمكن استخلاص الآتي:

  • الزيارة كانت إحدى محطات وزير الخارجية ضمن جولة شملت عدة دول في المنطقة، تضمنت، هي الأخرى، توقيع اتفاقيات ومشاريع ضمن مبادرة الطريق والحزام، بشكلٍ ينزع الفرادة عن الاتفاقيات السورية-الصينية.
  • بناء على طبيعة الاتفاقيات التي جرى التوصل لها يظهر أن الصين سوف تسعى إلى حَصْر أنشطتها في سورية في إطار المشاريع الفرعية لمشروع الحزام والطريق، دون تحمُّل الكلف الاقتصادية والسياسية لإعادة الإعمار في بقية المناطق السورية.
  • أن البعد السياسي أكثر أهمية في هذه الزيارة، حيث أرادت الصين إرسال رسالة للأمريكيين، وربما الروس، أنها لاعب لديه إمكانيات قد تُغّير المعطيات في المنطقة، في حال تم تجاهلها أو العبث بمصالحها الأمنية.

المراجع

[1] حدود الانخراط الصيني المباشر في المسألة السورية، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 27 يوليو 2021.

[2] نفس المرجع السابق.

[3] إبراهيم الجبين، الصين تتقدم لملء الفراغ والأسد يلعب بالنار، العرب اللندنية، 27 يوليو 2021.

[4] وزير الخارجية الصيني يكشف عن مقترح من 4 نقاط لحل القضية السورية، موقع روسيا اليوم، 18 يوليو 2021.

[5] مبادرة صينية لحل أزمة سوريا تتجاهل مصير الأسد، وكالة الأناضول للأنباء، 1 فبراير 2012.

[6] الصين تتقدم لملء الفراغ والأسد يلعب بالنار، مصدر سابق.

[7] الدور الصيني في روسيا... "رسائل" لأمريكا ودعم للأسد مقابل الاستحواذ، موقع تلفزيون الحرّة، 20 يوليو 2021.

[8] الصين تؤكد على " التعاون" مع النظام في مبادرة الحزام والطريق، تلفزيون سوريا، 20 يوليو 2021.          

[9] زياد غصن، بكين تطرق أبواب دمشق: هل حان وقت الدعم الاقتصادي؟ جريدة الأخبار اللبنانية، 19 يوليو 2021.

[10] مصطفى محمد، الصين تتخلى عن حذرها في سورية بتشجيع من روسيا، موقع المدن الإلكتروني، 19 يوليو 2021.

[11] المرجع السابق.

[12] سامر خير أحمد، سورية والحسابات الصينية، العربي الجديد، 23 يوليو 2021.

[13] الصين تتقدم لملء الفراغ والأسد يلعب بالنار، مصدر سابق.

[14] رامي الشاعر، انزلاق دمشق نحو الأوهام يبدأ بخطوة واحدة؟ زافترا الروسية، ترجمة موقع روسيا اليوم، 21 يوليو 2021.

[15] روسيا توقع اتفاقيات اقتصادية وتعليمية جديدة مع النظام السوري، نداء بوست، 27 يوليو 2021.

[16] اتفاقات اقتصادية ايرانية سورية ستنفذ خلال 3 أشهر، موقع المدن الإلكتروني، 30 يوليو 2021.

[17] محمود عثمان، زيارة وزير الخارجية الصيني لدمشق... الرسائل والأهداف، وكالة الأناضول للأنباء، 26 يوليو 2021.

[18] هل ستعيد الصين بناء سوريا؟، القدس العربي، 10 يوليو 2019.

[19] حدود دور الصين في روسيا، نداء بوست، 6 يونيو 2021.

[20] علي نور الدين، الصين في طرابلس و"طريق الحرير" عبر قطارات وموانئ لبنان، موقع المدن الإلكتروني، 26 يونيو 2019.

[21] زيارة وزير الخارجية الصيني لدمشق... الرسائل والأهداف، مرجع سابق.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

 

أحدث المواضيع المميزة

نتائج الانتخابات العراقية وسيناريوهات المرحلة المقبلة

مركز الإمارات للسياسات | 24 أكتوبر 2021

الإدارة الأمريكية للأزمة الليبية: الحسابات والتحديات

مركز الإمارات للسياسات | 19 أكتوبر 2021

هل تنشب حرب روسية-تركية في إدلب؟

مركز الإمارات للسياسات | 12 أكتوبر 2021