تقييمات أسواق النفط المستقبلية والاستثمارات الحالية في قطاعي النفط والغاز

مركز الإمارات للسياسات | 10 مايو 2020

واجهت أسواقُ النفط أكبرَ أزماتها على الإطلاق في العصر الحديث، حيث أثرت الأبعاد السلبية لأزمة فيروس كورونا وأزمة حرب الأسعار بين السعودية وروسيا على قطاع النفط بشكل كبير فيما يتعلق بالأسعار والاستثمارات القائمة والمستقبلية، فقد أصابت هذه الأزمات القطاع بالشلل، فالصدمة غير مسبوقة لأسواق الطاقة العالمية سواء على مستوى سرعة الانتشار أو حجم التأثير، في الوقت نفسه تسبب تفشي وباء كورونا في انهيار الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال وأربك الإنتاج الصناعي.

وفيما يتعلق بالاستثمارات في قطاع النفط فإن أحد التأثيرات الأساسية لأزمة عرض النفط اليوم هو إعلان الشركات الكبرى في مجال النفط تخفيض النفقات الرأسمالية وخاصةً في مجال استكشاف وتطوير الحقول الجديدة، فأسعار النفط المنخفضة، سوف تترجم إلى أسعار نفط أعلى في المستقبل، إذا توقفت الاستثمارات في الحفر والتنقيب والإنتاج.

تهدف الورقة إلى إجراء تقييم للوضع الحالي والاستثمارات الحالية في قطاعي النفط والغاز، وتوقُع السيناريوهات المستقبلية التي يمكن أن تواجه قطاع النفط بعد الضربات القاسية التي تلقاها خلال الفترة الماضية، وما الذي يمكن أن تعنيه تلك الصدمة الكبيرة في أسواق الطاقة على مستقبل صناعة الوقود الأحفوري؟ وهل يمكن أن تمثل نهاية الاعتمادية المستمرة على النفط؟

حدود تأثُّر الاستثمارات النفطية القائمة بالأزمة الراهنة

يمكن توضيح درجة تأثر الاستثمارات النفطية بالأزمة الحالية من خلال الآتي:

  1. خفض النفقات الرأسمالية: حيث خفّضت الشركات النفطية الكبيرة نفقاتها الرأسمالية بنسب تصل إلى حدود 20%، وتعتزم شركة إيني الإيطالية خفض الإنفاق الرأسمالي بنسبة 30% وإلغاء إعادة شراء أسهم بقيمة 400 مليون يورو نتيجة تأجيل مشروعات التنقيب والإنتاج والتنمية في مصر والإمارات وإندونيسيا، بالإضافة إلى حقول النفط في العراق ومشروعات الغاز الطبيعي المسال في أنجولا. أما بالنسبة لقطاع النفط الصخري فيتوقع خبراء الطاقة خفض النفقات بنسبة 40% بنهاية عام 2020، ومن المتوقع أن ينخفض ​​الإنفاق الرأسمالي العالمي من قبل شركات الاستكشاف والإنتاج في عام 2020 بنحو 32%، وهو أدنى مستوى منذ 13 عاماً، فيما اضطرت كثير من شركات الطاقة الحكومية في المنطقة لتقليص نفقاتها وتأجيل العديد من مشاريعها الاستثمارية في عام 2020، على غرار شركة "سوناطراك" الجزائرية التي قررت تخفيض النفقات الاستثمارية في العام الجاري بنحو النصف إلى 7 مليارات دولار. كما أن هذا الانخفاض في الموارد المالية يقوض قدرة صناعة النفط على تطوير بعض التقنيات اللازمة للانتقال إلى الطاقة النظيفة في جميع أنحاء العالم، وسيظهر تأثير خفض النفقات الرأسمالية في قيود العرض لوقت غير قليل في المستقبل، وهو ما يخلق مع الوقت احتمالية انتعاشة في الأسعار في المستقبل بعد تجاوز الأزمة الحالية، ويمكن أن يخلق ذلك حافزاً لموجة أخرى من الاستثمارات في توسيع إمكانات صناعة النفط عالمياً، كما حدث في الطفرة الأخيرة لصناعة النفط الصخري الأمريكي. [1]
  2. عمليات خفض الإنتاج: فقد اتجه بعض الشركات إلى خفض إنتاجها في بعض الحقول، حيث أكدت شركة كونوكو فيليبس أنها ستخفض إنتاج أمريكا الشمالية بمقدار 225 ألف برميل يومياً، وهو أكبر خفض حتى الآن من قبل منتج رئيسي للنفط الصخري، للتعامل مع الانخفاض غير المسبوق في الطلب، ويستغرق الأمر وقتاً طويلاً وتكلفة كبيرة من أجل إعادة تشغيل الآبار التي تم وقف العمل بها، فيما أعلنت شركة النفط الوطنية البرازيلية عن خفض إنتاج 100 ألف برميل في اليوم لما تبقى من عام 2020، وسوف تعطل بتروبراس بعض منصات المياه الضحلة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، وقد تضطر ثُلث منصات إنتاج النفط في العالم إلى الإغلاق، في حين توقع تقرير لجولدمان ساكس توقف نحو 20% من الإنتاج العالمي في غضون ثلاثة إلى أربعة أسابيع.[2]
  3. تأجيل العمل في بعض المشروعات وإغلاق بعض الحقول: أعلنت شركة كونتيننتال ريسورسيز الأمريكية إغلاق بعض الحقول في ولايتي أوكلاهوما ونورث داكوتا بشكل مفاجئ، وأنها لا تستطيع تسليم شحنات خام للعملاء بسبب الجدوى الاقتصادية الضعيفة. وقد قامت شركة "ساوند إنيرجي" البريطانية صاحبة ترخيص حقل غاز تندرارة بشرق المغرب، بتأجيل توقيع العقود النهائية للتنقيب والإنتاج مع الحكومة المغربية حتى نهاية يونيو 2020.[3]
  4. انخفاض حاد في أرباح شركات الطاقة: حيث أعلنت شركة بريتش بتروليم البريطانية تراجع أرباحها بمقدار الثلثين في الربع الأول من عام 2020، بسبب تداعيات حرب الأسعار وتأثير فيروس كورونا في الإضرار بالطلب على النفط، كما خفّضت شركة النفط النرويجية العملاقة إكوينور توزيعات أرباحها الفصلية بمقدار الثلثين.
  5. خطط إنقاذ شركات النفط: سارعت العديد من الدول، التي تمتلك جزءاً كبيراً من شركات الاستثمار النفطي في العالم، إلى دراسة تقديم دعم لهذه الشركات لدعم استمرار نشاطها النفطي، حيث أكد وزير الخزانة الأمريكي أن الحكومة تدرس الحصول على حصص في شركات طاقة أمريكية كخيار محتمل في ظل سعيها لمساعدة قطاع النفط والغاز بالبلاد.[4]
  6. التأثير على العمالة القائمة في المشروعات المختلفة: اضطرت معظم شركات الاستكشاف والإنتاج والشركات الموفرة للخدمات في مجال حقول النفط، إلى تشجيع كثير من العاملين فيها على البقاء في منازلهم، وعدم السفر إلى الخارج، فعلى سبيل المثال كانت شركة "رويال داتش شل" واحدة من أولى الشركات التي علقت سفر موظفيها ومديريها إلى الخارج. كما طلبت شركة "شيفرون" الأمريكية من موظفيها تأجيل السفر، بل طلبت أيضاً من موظفيها في لندن العودة إلى الولايات المتحدة.[5]
  7. التأثير السلبي على سلاسل التوريد: حيث ستتأثر سلاسل توريد صناعة النفط بما في ذلك مصافي التكرير ومحطات توزيع الوقود، ومن المرجح أن تتكيف مصافي النفط مع انخفاض استهلاك الوقود بالسوق المحلية من خلال خفض طاقتها الإنتاجية[6]، وبدورها قد تضطر كثير من محطات توزيع الوقود لتقليص عملياتها أيضاً، وكمثال على ذلك فقد توقفت عمليات بيع المشتقات النفطية في إيران بشكل واضح في ظل تفشي فيروس "كورونا" وقيود الانتقال، وهو ما سيدفع نحو إغلاق 70% من محطات الوقود المنتشرة فيها.[7]

حدود تأثُّر الاستثمارات في قطاع الغاز بالأزمة الراهنة

يمكن توضيح درجة تأثر هذه الاستثمارات بالأزمة الحالية من خلال الآتي:

1. انخفاض الأسعار نتيجة لانخفاض الطلب: حيث إن الطلب على الغاز في أوروبا سيكون أقل بنحو 5% من توقعات ما قبل الوباء إذا استمر الإغلاق للحد من انتشار الفيروس، كما أن الطلب التجاري على الغاز الطبيعي قد انخفض بسبب عمليات الإغلاق التي تشهدها الكثير من الدول نتيجة للوباء، ويظهر من (الشكل 1) انخفاض الطلب على الغاز الطبيعي في أوروبا، وهي من أهم أسواق استهلاك الغاز.

2. تأجيل بعض مشروعات الغاز الواعدة: وخاصةً في المناطق التي يوجد بها احتياطيات غاز كبيرة، فقد قررت وزارة الطاقة والمياه اللبنانية تأجيل الموعد النهائي لتقديم طلبات دورة التراخيص الثانية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه اللبنانية بالبحر المتوسط إلى يونيو 2020 بدلاً من أبريل 2020، وتعتزم شركة "إيني" الإيطالية تقليص الإنفاق على مشروعاتها في مصر بعد أن سجلت انخفاضاً في صافي أرباح الربع الأول من 2020 بنسبة 94% ليصل إلى 59 مليون يورو، مقارنة بـ 992 مليون يورو في نفس الفترة قبل عام، وذلك جراء انهيار الطلب على النفط والغاز بسبب فيروس كورونا، فيما أكدت وزارة البترول المصرية أن اتفاقاً بين شركات مملوكة للحكومة المصرية وشركتي إيني الإيطالية وناتورجي الإسبانية بشأن إعادة تشغيل مصنع دمياط لإسالة الغاز قد جرى إلغاؤه نتيجة لتداعيات تفشي فيروس كورونا.

3. ارتفاع تكاليف الغاز المصدَّر إلى الدول الآسيوية مقارنة بالدول الأوروبية التي تتمتع بمرونة أكثر في الأسعار بسبب انخفاض التكاليف اللوجستية[8] ومساحات بالتخزين كبيرة، حيث تمتلك أوروبا حوالي 100 مليار متر مكعب من السعة التخزينية، مما يسمح بمرونة أكبر لقبول الأحجام مقارنةً بالدول الآسيوية الأكثر تقييداً بالتخزين.[9]

حجم مرونة وقوة الأسواق الأساسية في قطاع النفط

أ. أسواق الإنتاج

تتراوح درجة مرونة هذه الأسواق وقوتها كالآتي:

  • يتم إنتاج 100 مليون برميل يومياً حول العالم، يُستهلك منها 71 مليون برميل يومياً، والباقي يتم تخزينه، ومع وجود مساحات محدودة للتخزين، وعدم قدرة بعض المنتجين على وقف الإنتاج لأن تكلفة إعادة العمل كبيرة جداً، وبعض الحقول لا يوجد بها قدرة على تعديل معدلات ضخها مثل الحقول الروسية[10]، لذا فإن درجة تأثر هذه الأسواق بالأزمة سيكون كبيراً، خاصةً مع تراجع الطلب على النفط، مما يزيد من الاتجاه المنخفض للأسعار.[11]
  • تتمتع أسواق الإنتاج التقليدية (مثل السعودية وروسيا) بدرجة مرونة عالية تجاه تقلبات السوق والأسعار بفضل انخفاض تكلفة الإنتاج، إلا أن المعوق الأساسي الذي يحد من هذه المرونة هو حاجة هذه الأسواق إلى أسعار نفط عند حدود معينة (قد تصل إلى 80 دولاراً أحياناً) بسبب اعتماد ميزانيات هذه الدول على أسعار النفط كمصدر أساسي لها.
  • تعتبر درجة حساسية أسواق النفط الصخري والنفط مرتفع التكلفة لتقلبات السوق كبيرة جداً بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج، والتي تعني الحاجة إلى سعر معين من أجل استمرار الصناعة بشكل عام، وهو ما يعطي أسواق النفط التقليدية القدرة على إخراج منتجي النفط مرتفع التكلفة من السوق في أي وقت، في حال تحمّل منتجو النفط التقليدي الأسعار المنخفضة، إلا أن النفط الصخري قادر على العودة للعمل في حال تحسنت الأسعار من جديد، مع تطوير دائم لتكنولوجيا الإنتاج لخفض التكلفة.
  • تُعتبر الأسواق التي يوجد فيها آبار غير ساحلية بعيدة عن ناقلات الشحن والتخزين من أكثر الأسواق التي ستعاني من تأثير الأزمة مع انخفاض الأسعار وارتفاع تكلفة التخزين وصعوبة الوصول لإنتاج هذه الآبار بسهولة أو التعامل مع الإنتاج في ظل الأزمة الحالية.[12]
  • زادت تكلفة برميل النفط حتى بالنسبة للدول التي كانت تتميز بإنتاج برميل نفط منخفض التكلفة، وذلك بسبب تكلفة الشحن والتخزين لحين توافر الطلب.
  • تعتبر جميع الاحتمالات مفتوحة أمام قطاع النفط الصخري، ولكن المرجح أن إنتاجه في الأجل المتوسط سيتقلص، حيث تراجعت الاستثمارات في القطاع بنسبة 20%، وسيتوقف توسعه المستمر منذ عام 2014، ما قد يهدد الموقع الأمريكي كأكبر منتج عالمي. وتعتبر سوق النفط الأمريكية ذات وزن مالي هام، فالاستثمار المالي واسع في هذا القطاع ويبلغ نسبة 30% من عدد التداولات اليومية في بورصة السلع الأمريكية.
  • على الرغم من أن الحكومات تبنت قرارات تحفيز مالية ونقدية، فإن آثار هذا الحافز على الطلب على النفط يمكن أن تكون في حدها الأدنى بالنظر إلى القيود الكبيرة على السفر، وخاصةً أن توقعات النمو الاقتصادي العالمي غير مؤكدة إلى حد كبير، والمستوى العالي من التقلبات في الأسواق يمثل تحدياً في التنبؤ بأسعار النفط ومستوى الاستهلاك العالمي للنفط في الأشهر المقبلة.
  • تواجه أسواق النفط المختلفة تحدي مواجهة الطاقة النظيفة والطاقة المتجددة التي يرتفع نسبة مساهمتها في مزيج الطاقة العالمي وتحل محل الوقود الأحفوري، إلا أن الأسعار المنخفضة للنفط في الوقت الحالي ستعزز وجوده كأحد أهم مصادر الطاقة على المدى القصير والمتوسط بالرغم من أن هناك دعوات للاستفادة من تراجع معدلات الطلب على النفط نتيجة للأزمة في البدء بالتفكير في الاستغناء عن النفط والوقود الأحفوري، إلا أن ذلك الأمر صعب الحدوث في ضوء التنافسية العالية التي يتمتع بها النفط حالياً تجاه باقي مصادر الطاقة الأخرى (على المدى القصير والمتوسط).

ب. أسواق الاستهلاك

ستتأثر أسواق الاستهلاك بانخفاض استهلاك قطاعات الطيران والسياحة والنقل، وضعف النمو الاقتصادي العالمي، وتتحدد درجة مرونة هذه الأسواق وفقاً للآتي:

  • أصبح لأسواق الاستهلاك قوة ودور أكبر في إعادة الانتعاشة للأسعار، وإعادة الحياة لسوق النفط بشكل عام، من خلال اقتراح البعض بملء المخزونات الاستراتيجية للنفط الموجود حالياً في الدول المستهلِكة من أجل خلق طلب في السوق يتناسب مع العرض ويُنقذ قطاع النفط من المصير الذي قد يكون سلبياً للجميع.
  • احتمالية وجود تغيير في الطلب بسبب تغيير السلوك المستقبلي للمستهلكين نتيجة الأزمة الخاصة بوباء كورونا، واتجاه البعض لتطبيق نظام العمل من المنزل كجزء أساسي من بيئة العمل بعد أزمة كورونا، مما سيقلل من الاستهلاك المتزايد من النفط في بعض القطاعات[13]. وتتوقع إدارة معلومات الطاقة زيادة استهلاك الوقود السائل تدريجياً من هذه المستويات المنخفضة حيث تُستأنف بعض الأنشطة التجارية.
  • تَغيَّر دور الولايات المتحدة وأصبحت تلعب دور دول "أوبك" في التنسيق العالمي مع المنتجين، والدفاع عن أسعار أعلى وعادلة تساعد على استمرار الإنتاج، ودول "أوبك" ذاتها بدأت تتحول إلى دور الولايات المتحدة من حيث التقيُّد بمبادئ السوق الحرة. وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن الولايات المتحدة ستعود إلى كونها مستورداً صافياً للنفط الخام والمنتجات البترولية في الربع الثالث من عام 2020 نتيجة ارتفاع صافي واردات النفط الخام وانخفاض صافي صادرات المنتجات البترولية.[14]

المحددات الأساسية

هناك عدد من المحددات التي يمكن أن تساهم في توجيه الاستثمار ناحية قطاعي النفط والغاز مستقبلاً، وهذه المحددات هي:

أ. درجة ثبات الأسعار ومستويات الطلب على النفط والغاز: حيث إن التقلبات الحالية في الأسعار ستؤدي إلى عدم تشجيع المستثمرين للدخول في استثمارات جديدة في سوق النفط والغاز على المدى القصير إلى حين التعرف على النمط المستقبلي للأسعار ودرجة الربحية المتوقعة منها. وقد توقعت وكالة الطاقة الدولية تراجع الطلب العالمي على النفط بنحو 29 مليون برميل يومياً في الربع الثاني من عام 2020، بسبب التداعيات الاقتصادية لفيروس "كورونا"، وهذا يعني أن الطلب على النفط مرشح إلى المزيد من التراجع في حال ظل الإغلاق الاقتصادي العالمي على حاله.

ب. مدة الأزمة الاقتصادية: فنتيجة لأزمة فيروس كورونا، دخل الاقتصاد العالمي في أزمة انكماش كبيرة وحادة ربما تستمر تداعياتها على المدى القصير والمتوسط، وهو ما سيؤدي إلى خفض أي إنفاق استثماري غير مربح أو ذي مخاطر عالية.

ج. حجم المخزون الحالي وتوافر أماكن للتخزين المستقبلي: فوفقاً لشركة إنيرجي أسبكتس لأبحاث الطاقة فإن العالم يتملك سعة تخزين متاحة تقدر بـ 900 مليون برميل[15]. وبناءً على نمط الإنتاج الحالي وعملية الطلب المتراجع ورغبة التجار في التخزين لاستغلال الأسعار المتراجعة حالياً لتحقيق ربح في حال فتح الأسواق، فإن طاقة التخزين ستمتلئ بشكل كامل خلال الأشهر المقبلة، وهو ما سيؤدي إلى حلول كارثة بسوق النفط ما لم يتحسن الطلب لسحب هذه المخزونات. وفي وسط هذه الظروف يصبح القرار الاستثماري في سوق النفط صعب جداً، ويزداد الأمر صعوبة في الأسواق غير الساحلية التي تتفاقم بها مشكلة التخزين بسبب بعدها عن البحر[16]. ويوضح (الشكل 2) نسبة التطور الكبيرة في معدلات المخزون الخاص بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (التي تعتبر من أهم مستهلكي النفط في العالم) خلال الفترة المقبلة.

د. نسبة المشاركة في مزيج الطاقة العالمي: فمع تزايد الاعتماد على الطاقة النظيفة والتوجه نحو الاستثمار في الغاز الطبيعي على المدى المتوسط والطويل، فإن ذلك سيجذب كثيراً من شركات الطاقة العالمية نحو قطاع الغاز، أكثر من التوجه نحو قطاع النفط الذي يعاني من مشكلات هيكلية وسعرية كبيرة.

 السيناريوهات المستقبلية لاتجاهات الاستثمار في قطاع النفط

وفقاً للأزمة الحالية في قطاع النفط فإن شركات الطاقة العالمية تتحسب من أي استثمارات جديدة في القطاع، ومع وجود العديد من عمليات الإفلاس في قطاع النفط، وخاصة الشركات العاملة في مجال النفط مرتفع التكلفة كالنفط الصخري، فإن هناك ثلاثة سيناريوهات فيما يتعلق باتجاهات استثمار الشركات العالمية في قطاع النفط، كالآتي:

السيناريو الأول: سيطرة الشركات الكبرى على سوق النفط بعد الأزمة نتيجة انهيار الشركات الصغيرة بسبب الإفلاس أو الاستحواذ من جانب الشركات الكبيرة؛ حيث قدرت شركة "ريستاد إنرجي" أنه إذا استمرت أسعار البترول في حدود الـ 20 دولاراً في 2020-2021 فإن أكثر من 500 شركة أمريكية في مجال الطاقة قد تكون عُرضة للإفلاس، وهو أكبر رقم لإفلاس جماعي للشركات في التاريخ الحديث. وقد بدأت بالفعل بعض الشركات في السوق الأمريكية بالدفع نحو إفلاس الشركات الصغيرة العاملة في صناعة النفط الصخري من أجل أن تستحوذ عليها، ما يعني أن قطاع الطاقة سيتحول نحو عملية المركزية والسيطرة المتزايدة لشركات النفط الكبرى، مثل إكسون وشل وبريتش بتروليوم وشركات أخرى في القطاع، لأنها أكثر قدرة على تحمل الأزمة الحالية من المنتجين الصغار، وكون تلك الشركات تميل إلى أن تكون شركات مندمجة أفقياً، أي أنها نشطة على امتداد سلسلة القيمة في قطاع الطاقة بما في ذلك المصافي. ومن المرجح أن تعوض تلك الشركات خسائرها في النفط الخام من خلال تقليل كلفة تشغيل عمليات الإنتاج في تلك المصافي. وبما أن تلك الشركات هي شركات عالمية فإنها تمتلك الكثير من الاحتياطات والأصول الموزعة في كل أنحاء العالم، وليس فقط في حقول النفط، وتمتلك أيضاً محافظ مالية متنوعة، وترتبط آفاق نموها بالأسواق المالية الخارجية. وقد أكد بنك جولدمان ساكس أن النتائج المحتملة للأزمة سوف تجعل الشركات الكبرى تتجه لتقوية وتعزيز أصولها الأفضل والتخلص من أصولها السيئة، وبالتالي عندما تعود الصناعة مرة أخرى بعد الأزمة سوف يكون هناك القليل من الشركات التي تمتلك أصولاً ذات جودة عالية.

السيناريو الثاني: تدخل الدول المختلفة لإنقاذ الشركات العاملة في سوق النفط من الانهيار، بما يضمن حالة التعددية الموجودة حالياً في السوق، وعدم سيطرة الأقطاب الكبرى على الساحة.

السيناريو الثالث: نمو حجم وقوة الشركات الكبرى ولكن ليس بالشكل الكامل الذي يجعلها تسيطر على السوق منفردة، نتيجة لأن محاولات تدخل الدول لإنقاذ الشركات الصغيرة والمتوسطة ستنجح بنسبة معينة (وليس بشكل كامل) في إنقاذ بعض هذه الشركات التي سوف تتمكن من تجاوز مرحلة ما بعد الأزمة.

ويعتبر السيناريو الثالث هو الأكثر قابلية للتحقق في ظل عدم ترك الدول لشركات الطاقة بها دون دعم أو مساندة، في  الوقت الذي ستجد فيه ضغطاً من جانب الشركات الكبرى بما يعني وجود قوة ضغط تكاد تكون متعادلة من الجانبين سينتج عنها تحقق السيناريو الثالث.

 السيناريوهات المستقبلية لاتجاهات الأسعار في قطاع النفط

يعاني قطاع النفط حالياً من ضبابية متعلقة بمستقبل الأسعار وخاصةً بعد الانهيارات الصعبة التي شهدتها الأسعار خلال شهر أبريل 2020، ويظل هناك مستوى استثنائي من عدم اليقين بالنسبة للأسعار ومستقبل السوق، ويمكن وفقاً للمؤشرات الحالية والأبعاد المستقبلية المختلفة توقع واحد من السيناريوهين التاليين:

السيناريو الأول: حدوث انتعاشة في الأسعار نتيجة لتراجع الاستثمارات في قطاع النفط، ما يعني أن هناك تخفيضاً في الإنتاج بشكل طوعي مع وجود تخفيضات "أوبك بلس" الحالية، وهو ما سيؤدي إلى خفض العرض مع احتمالية تحسن الطلب على المدى المتوسط نتيجة لبدء التعافي من أزمة كورونا، مما يعني تحسن الأسعار، ولكن ربما ليس بنفس النسب أو المستويات المأمولة، إذ من المتوقع أن تدور حول مستوى (30-40) دولاراً حتى منتصف 2021، أي أن  أسواق النفط ستبدأ التوازن فور سريان اتفاق خفض إنتاج النفط من جانب "أوبك بلس" في مطلع مايو 2020، لكن من المرجح عدم حدوث زيادة كبيرة في الأسعار في المستقبل القريب بسبب ارتفاع مستويات المخزون العالمي.

السيناريو الثاني: حدوث انهيار تام في أسعار النفط نتيجة لاستمرار عمليات التخزين مع وجود إنتاج إجباري من جانب بعض المنتجين لعدم قدرتهم على وقف الإنتاج، مع احتمالية تراجع الطلب لفترة طويلة لو استمر التأثير الاقتصادي السلبي لأزمة كورونا، وهو ما سيخلق حالة من الشلل في سوق النفط يتبعها انهيار تام للأسعار.

ويعتبر السيناريو الأول الأكثر قابلية للتحقق في ظل وجود رغبة من جانب العديد من الدول لإعادة الفتح الجزئي للاقتصاديات وعودة العمل من جديد، مما سيحسن الطلب على النفط مع احتمالية تراجع العرض بسبب وقف الاستثمارات في القطاع وهو ما سيؤدي لتحقيق انتعاشة في الأسعار ولو بشكل بسيط.

الهوامش والمصادر

[1] Goldman Sees Global Oil Testing Storage Capacity in 3-4 Weeks, available at: https://www.bloomberg.com/news/articles/2020-04-27/goldman-sees-global-oil-testing-storage-capacity-in-3-4-weeks?srnd=premium-middle-east&sref=mmeFTDW1, access on: 26-4-2020.

[2] The Next Chapter of the Oil Crisis: The Industry Shuts Down, available at: https://www.bloomberg.com/news/articles/2020-04-26/the-next-chapter-of-the-oil-crisis-the-industry-shuts-down?srnd=premium-middle-east&sref=mmeFTDW1, access on: 26-4-2020.

[3] Monthly Energy Review, available at: https://www.eia.gov/totalenergy/data/monthly/pdf/mer.pdf, access on: 26-4-2020.

[4] After COVID-19, The Oil Industry Will Not Return To “Normal”, available at: https://www.forbes.com/sites/walvanlierop/2020/04/05/after-covid-19-the-oil-industry-will-not-return-to-normal/#7f3fe9fe281e, access on: 27-4-2020.

[5] Saudi Arabia’s pyrrhic oil war triumph, available at: https://www.petroleum-economist.com/articles/politics-economics/middle-east/2020/saudi-arabia-s-pyrrhic-oil-war-triumph, access on: 26-4-2020.

[6] COVID-19: What it means for the energy industry, available at: https://www.pwc.com/us/en/library/covid-19/coronavirus-energy-industry-impact.html, access on: 26-4-2020.

[7] How is coronavirus hitting global energy and commodity markets?, available at: https://www.woodmac.com/nslp/coronavirus-research-hub/, access on: 26-4-2020.

[8] How coronavirus is driving down LNG demand in Asia and Europe – and hitting supply, available at: https://www.woodmac.com/news/opinion/how-coronavirus-is-driving-down-lng-demand-in-asia-and-europe-and-hitting-supply/, access on: 26-4-2020.

[9] LNG poised for European market share battle, available at: https://www.petroleum-economist.com/articles/midstream-downstream/lng/2020/lng-poised-for-european-market-share-battle, access on: 26-4-2020.

[10] 10 factors that influence upstream production shut-in decisions, available at: https://www.woodmac.com/news/editorial/10-factors-that-influence-upstream-production-shut-in-decisions/, access on: 26-4-2020.

[11] Oil Prices Plunge On Grim IMF Economic Forecast, available at: https://oilprice.com/Energy/Oil-Prices/Oil-Prices-Plunge-On-Grim-IMF-Economic-Forecast.html, access on: 26-4-2020.

[12] Stocks, crude plunge on economic data, oil oversupply, available at: https://www.reuters.com/article/us-global-markets/stocks-crude-plunge-on-economic-data-oil-oversupply-idUSKCN21X001, access on: 26-4-2020.

[13] As coronavirus shocks the energy sector and economy, is now the time for a new energy order?, available at: https://www.weforum.org/agenda/2020/04/energy-oil-gas-electricity-sustainability-economy-covid19-coronavirus-pandemic-market-stability/, access on: 26-4-2020.

[14] Short-Term Energy Outlook, US Energy Information Administration, available at: https://www.eia.gov/outlooks/steo/pdf/steo_full.pdf, access on: 26-4-2020.

[15] The Oil Inventory Challenge, available at: https://www.csis.org/analysis/oil-inventory-challenge, access on: 26-4-2020.

[16] Oil Market Report - April 2020, available at: https://www.iea.org/reports/oil-market-report-april-2020, access on: 26-4-2020.

أحدث المواضيع المميزة