التوتُّر العربي-الكردي شرق الفرات: مُحرِّكاته ومآلاته

مركز الإمارات للسياسات | 01 سبتمبر 2020

تشهد منطقة شرق الفرات توتُّراً بين المكونين العربي والكردي ينذر باحتمال سقوط التوافقات الضمنية الهشة التي بُنيَت على خلفية هزيمة تنظيم داعش، وذلك وسط مطالبات عربية بإيجاد توازن في العلاقة والمصالح بين الطرفين، وتنافُس الفاعلين الإقليميين والدوليين للحصول على تأثير في منطقة بالغة الأهمية على المستوى الجيوسياسي في الملف السوري.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على الأحداث التي تشهدها مناطق شرق الفرات ومصالح وأهداف الفاعلين الإقليميين والدوليين.

أسباب ومحركات التوتر

الأسباب المباشرة

شكّل اغتيال شيخ قبيلة العكيدات مطشر حمود الهفل في 2 أغسطس الفائت (2020)، وقبله بيومين اغتيال الشيخ علي سليمان الويس من عشيرة البكارة برصاص مسلحين يستقلون دراجات نارية، الشرارة التي أطلقت موجة من الاحتجاجات العنيفة من قِبَل المكون العشائري العربي في مناطق شرق الفرات، حيث تسيطر الإدارة الذاتية الكردية، وذراعها العسكري قوات سورية الديمقراطية" قسد" بدعم من القوات الأمريكية.

واندلعت، على مدار أيامٍ بعدها، التظاهرات في المناطق المتاخمة لحزام آبار النفط في ريف دير الزور الشرقي، وقد سيطر أبناء العشائر على مقار وحواجز قوات "قسد". وتتَّهِم عشائر العكيدات والبكارة، أكبر عشائر شرق الفرات وسوريا عموماً، قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالوقوف خلف سلسلة الاغتيالات التي تستهدف، بحسب تعبيرهم، تركيع المكون العربي في المنطقة الشرقية وإخضاعه لسلطة الأمر الواقع الممثلة في الأكراد. وقد ردَّت (قسد) بحملة أمنية واسعة واعتقال العديد من أبناء العشائر الذين وصفتهم بـ"الإرهابيين". وأصدرت العشائر العربية في مناطق شرق الفرات بيانات تأييد وتضامن مع عشيرة العكيدات.

الأسباب غير المباشرة

  • أثار الاتفاق النفطي بين قسد وشركة النفط الأمريكية "ديلتا كريسنت إنيرجي"، لتطوير واستغلال حقول النفط الواقعة تحت سيطرتها، ردود فعل غاضبة من قبل العشائر العربية، وأطراف إقليمية ودولية، إذ تعترض العشائر على هيمنة الإدارة الذاتية الكردية على ثروات مناطق شرق الفرات وحرمانهم من حقوقهم فيها، وذكرت مصادر عشائرية أن اغتيال شيخي قبيلتي البكارة والعكيدات يرتبط بتحفُّظ كليهما على هذا الاتفاق[1].
  • شكَّل الحوار الكردي-الكردي الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بين "المجلس الوطني الكردي" وتحالف "الاتحاد الديمقراطي" محركاً لتصعيد الحراك العربي، فقد أراد الرعاة الخارجيون تقوية الموقف الكردي في المفاوضات النهائية للحل في سوريا، وزيادة حصة وتأثير الكرد في "الهيئة العليا للتفاوض" و"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة"، وهو ما اعتبرته العشائر تهميشاً لدورها ومقدمة لاستئثار الأكراد بحكم منطقة شرق الفرات[2].
  • تتَّهم عشائر شرق الفرات الإدارة الذاتية الكردية بممارسة تمييز سياسي واقتصادي ضد المكون العربي، حيث يحتكر "حزب الاتحاد الديمقراطي" الثروة والمناصب العليا والامتيازات. وبرغم تعيين العرب في مناصب عسكرية ومدنية قيادية في المناطق ذات الأكثرية العربية، إلا أن أدوارهم شكلية إلى حد بعيد، فالكوادر الكردية هم من يتخذون القرارات[3]. وتشتكي المناطق العربية من تدهور الواقع المعيشي ونقص الخدمات، في ظل اتهامات دائمة من قسد لهم بإيواء" داعش" والتستر عليها، كما فرضت الإدارة الكردية مناهج تعليم لا تتوافق مع الطبيعة المحافظة للمنطقة ولا تحترم انتماءها العربي، وتحاول الإدارة الكردية استقطاب الشيوخ والعمل معهم بدلاً من النشطاء والمهنيين الذين يرفضون سياسة الصفقات ولعب دور المحلل للسياسة الكردية في المناطق العربية[4].
  • رغبة العشائر في لعب دور مناسب لحجمها وإمكانياتها[5]، وإدراكها لأهميتها والتنافس الإقليمي والدولي حولها، وخاصةً أن العشائر العربية في مناطق شرق الفرات أصبحت أكثر استقرارا بعد هزيمة "داعش".
  • التنافس الحاد بين اللاعبين على استقطاب العشائر، بالنظر للأهمية الاستراتيجية لمناطق شرق الفرات، وقد انعكس الأمر على علاقة المكونين العربي والكردي، إذ يعتقد الأكراد أن السماح بدخول النفوذ الإقليمي والدولي إلى مناطق العشائر سيزعزع سيطرتهم من جهة وقد يتحوَّل إلى خطر أمني، إذا استطاعت الأطراف الخارجية ربط العشائر بأجندتها الخاصة بالمنطقة، وخاصةً تركيا وإيران وروسيا. في حين يرى العرب أنه باتت لديهم خيارات أخرى، وقد يساعد ذلك في تقوية أوراقهم في إعادة ترتيب شؤون المنطقة والحصول على حصص تناسب وضعهم ومكانتهم.

النظام السوري: فرصة لاستعادة السيطرة

واكب النظام السوري تطورات شرق الفرات بتكثيف أجهزته الأمنية في مناطق دير الزور الخاضعة لسيطرتها لقاءاتها بالمسؤولين العشائريين في المنطقة، لدفع الوضع في مناطق "قسد" إلى مزيد من التصعيد[6]، وسارع النظام السوري إلى إطلاق خطوات تنفيذية لاغتنام ما يرى أنها فرصة "إطلاق مقاومة شعبية" ضد الوجود الأمريكي، من خلال دفع مؤيديه من العشائر، وخاصة "العكيدات" إلى الإعلان عن تشكيلات عسكرية وتأسيس مجالس سياسية لاستعادة حضورها ودورها في حزام المناطق النفطية في دير الزور[7]. وسعى النظام إلى توسيع نطاق التوتر بين العشائر و"قسد" من خلال دفع كبرى عشائر جنوبي الرقة إلى إصدار بيان مشترك أكدوا فيه دعمهم لأي تحرك عسكري ضد "قسد". إلا أن تحركات النظام تبدو إعلامية أكثر منها عملانية لأسباب عديدة، أهمها:

  • أن القسم الأكبر من أبناء العكيدات يقيم في المناطق التي تسيطر عليها قسد ولا يتجاوز من يقيمون في مناطق النظام نسبة الـ 5 بالمئة من مجموع القبيلة.
  • يعتمد النظام في تحركاته على وجهاء من الدرجتين الثانية والثالثة وهؤلاء لا قيمة اجتماعية لهم في الوسط العشائري.
  • أن غالبية الشباب والمثقفين العشائريين يرفضون عودة النظام والتعامل معه تحت أي ظرف.
  • اتهام جزء من أبناء العشائر للنظام، بواسطة خلاياه الأمنية، بالوقوف خلف الاغتيالات بهدف إشعال المنطقة ومطالبة المكون العربي بعودة سيطرته.

إيران: التخلص من الرقابة الأمريكية

تحتل منطقة شرق الفرات مكانة مهمة في قائمة مصالح إيران وأولوياتها، حيث تُركِّز إيران جزءاً مهماً من مواردها وامكانياتها في سوريا على تخوم هذه المنطقة، وتتطلَّع للسيطرة عليها، نظراً لأهميتها الجغرافية والاستراتيجية بالنسبة لمشروع إيران في المشرق إذ تعتبر جسر الوصل بين مناطق النفوذ الإيراني في المشرق العربي، ولقابلية جزء من سكانها تأييد المشروع الإيراني، انطلاقاً من صلتهم بـ "آل البيت".

وتُعطي دعوات شيخ قبيلة "البكارة" السورية نواف البشير، في مناطق شرق نهر الفرات، لتشكيل قوات وهيئة سياسية للقبائل، مجهزة بالسلاح لمواجهة قوات "قسد" والولايات المتحدة[8]، مؤشراً على مدى حماس إيران للاستفادة من الأوضاع المتوترة في المنطقة وتجييرها لصالحها، والتخلُّص من الوجود الأمريكي في سوريا الذي يضع النشاط الإيراني تحت مجهره.

وتسعى إيران للتغلغل في منطقة الجزيرة، وتصدير فكرة وجود مقاومة شعبية، لخلق ضغط على الوجود الأمريكي في شرق الفرات". مستفيدة من الأوضاع الاقتصادية الصعبة لجذب الشبان للعمل مع ميليشياتها، واستثمار الغضب العربي من ممارسات "قسد" التمييزية ضدهم.

روسيا: إضعاف الموقف الأمريكي

تتطلَّع روسيا إلى فرض سيطرتها على مناطق شرق الفرات، نظراً لثرواتها التي ستساهم في حل جزء من المشاكل الاقتصادية لحليفها نظام الأسد، وإمكانية استفادة شركاتها من الاستثمار في النفط والغاز، فضلاً عن تقوية أوراقها بمواجهة تركيا وإيران في الملف السوري، وتسعى روسيا لاستثمار الأحداث لإضعاف الموقف الأمريكي ودفع القوات الأمريكية للانسحاب من المنطقة. ويدفع روسيا إلى ذلك عجزها عن تغيير الأوضاع لصالحها بأي طريقة أخرى.

وأصدرت وزارة الدفاع الروسية بياناً لفت إلى أن "الوضع في المناطق الواقعة خارج سيطرة الدولة السورية في دير الزور يتأزّم يوماً بعد يوم". وأبدت الوزارة "استعداد سوريا وروسيا لاتخاذ جميع التدابير اللازمة لتسوية الوضع في مناطق الجزيرة السورية" واتهمت روسيا الولايات المتحدة بتأجيج الوضع في منطقة شرق الفرات، ولفت بيان أصدرته قاعدة حميميم الروسية في سوريا إلى أن "الوجود العسكري الأمريكي في هذه المنطقة بات عنصراً أساسياً لعدم الاستقرار، وعرقلة أي مساعٍ لتسوية سياسية في سوريا"[9].

وسبق أن شنَّت الصحف الروسية هجوماً على الاتفاق النفطي الأمريكي مع الإدارة الذاتية الكردية، مُتهمةً الأمريكيين بالاستيلاء على الثروة النفطية السورية، واعتبرت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية أن روسيا خسرت أمام الولايات المتحدة في المنافسة غير المعلن عنها في تحقيق أهدافها الجيوسياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، وفي سورية خاصة في ظل سيطرة الولايات المتحدة على معظم الموارد في البلاد وأكثر من ثلث مساحتها.

الولايات المتحدة: إدارة التوازنات في شرق الفرات

سارعت الولايات المتحدة الأمريكية لاحتواء الموقف ونزع فتيل التوتر في شرق الفرات، لإدراكها خطورة تفجر الأوضاع على قواتها ومشروعها بالكامل في تلك المنطقة، ومعرفتها بنوايا خصومها ومنافسيها ومطامعهم. كما أن للولايات المتحدة خبرة سابقة في تمرد العشائر في العراق، حيث لا تختلف بيئة العشائر السورية عن نظيرتها في العراق، وأن أي تمرد منظَّم من قبل العشائر وعجز الولايات المتحدة عن ضبط الأوضاع سيجعل من قواعدها ودورياتها هدفاً لأبناء العشائر الذين سبق أن اتهموا الأمريكيين بالوقوف إلى جانب "قسد" ضدّهم.

ودانت وزارة الخارجية الأمريكية الاغتيالات التي جرت، مُتعهدة بمحاسبة منفّذيها، والتقى مسؤولون عسكريون أمريكيون بوجهاء عشائر في حقل العمر النفطي، حيث أكدوا حرصهم على مواصلة التحقيقات وكشف مرتكبي عمليات الاغتيال[10]. وبحسب مصادر عشائرية، "تلقَّت العشائر وعوداً أمريكية بتخفيف سطوة الأكراد على القرار في دير الزور، وإعطاء صلاحيات عسكرية ومدنية لأبناء العشائر"، كما وعد الأمريكيون بمشاريع تنموية تساعد في تحسين الواقع الاقتصادي والمعيشي[11].

وتَعتَبِر الولايات المتحدة أن العشائر العربية تشكل كمجتمع محلي صمام أمان لتثبيت الاستقرار في مناطقها ومنع عودة تنظيم الدولة الذي ما زالت خلاياه تنشط في المنطقة[12]. ومن جهتها، تَعتَبِر العشائر العربية في شرق سوريا أن تغوُّل الأكراد في مناطق سيطرتهم ما كان ليتم لولا الغطاء الأمريكي، وأن هناك عملية تهميش لهم مقصودة من قبل واشنطن[13].

ويُرجِّح بعض الأوساط أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تنجح في نزع فتيل التوتر هذه المرة، لاسيما مع ارتفاع سقف مطلب العشائر المتمثِّل في "تشكيل إدارة محلية عربية سياسية تشرف على إدارة منطقة ريف دير الزور والرقة والحسكة وتشكيل جيش من أبناء القبائل العربية يوكل له حفظ الأمن ومحاربة الفساد والفاسدين[14]، مما يجعل خيارات واشنطن محدودة ومحصورة؛ فإما تغيير سياساتها في التعاطي مع أبناء المنطقة الشرقية، أو الذهاب في خيار المعالجة الأمنية، وهذا الأمر سيكون مكلفاً جدّا.

تركيا: خلط الأوراق على الأمريكيين

تُعَد تركيا أحد أبرز المستفيدين مما يجري شرق سوريا؛ فمن مصلحتها ضرب العلاقة بين العرب والأكراد الذين تعتبرهم تهديداً لأمنها القومي. وتركيا دعمت تأسيس "المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية المعارضة". وتتخفَّى تركيا خلف المعارضة السورية للتحريض على الأكراد، وخاصة المجلس الأعلى للقبائل الذي يضم نخبة من أبناء عشيرة العكيدات. ودان المجلس خلال مؤتمر صحفي عقده في 14 أغسطس 2020 في مدينة شانلي أورفا، جنوبي تركيا، ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، مُتهماً صراحةً وحدات حماية الشعب الكردي بالوقوف خلف سلسلة الاغتيالات، وتغيير البنية الديمغرافية في المنطقة، وطالب بانسحاب القوات الأمريكية وتسليم إدارة الحقول النفطية إلى السكان العرب المحليين، مع رحيل قوات سوريا الديمقراطية، ودعا البيان إلى تدخل القوات التركية لطرد "قسد" من المنطقة الشرقية[15].

وتتَّهِم "قسد" تركيا بالوقوف خلف عمليات الاغتيال، لخلط الأوراق في المنطقة، وإحراج الإدارة الأمريكية وضرب ترتيباتها في مناطق شرق الفرات، وخاصةً بعد ظهور نوايا للاعتراف بالإدارة الذاتية الكردية برزت من خلال الاتفاق النفطي بين الطرفين.

واقع العشائر العربية

تمتلك العشائر العربية في منطقة شرق الفرات أوراقاً مهمة، من الناحية النظرية، تتيح لها تحقيق أهدافها وضمان مصالحها؛ فالعشائر العربية تشكّل نسبة كبيرة من سكان مناطق شرق الفرات، وترفدها أعداد كبيرة في المناطق القريبة في غرب الفرات وأرياف حلب، ويؤهلها هذا الثقل العددي لقلب معادلات السيطرة لصالحها.

كما أن تنافُس القوى الإقليمية والدولية لكسب العشائر إلى صفها، يمنح العشائر خيارات واسعة، ويدعم مطالبها في الحصول على دور وازن في إدارة شؤون المنطقة والترتيبات المستقبلية الخاصة بها، فضلاً عن الحصول على حصة مناسبة من توزيع الموارد. لكن يصعب تحويل هذه المعطيات إلى نتائج سياسية، بسبب الانقسام الذي يضرب العشائر، فبرغم التفوق العددي إلا أن العشائر منقسمة بشكل حاد بين أكثر من جهة، وهذا الانقسام يضرب العشيرة نفسها التي أصبحت موزعة بين أكثر من طرف. ويمكن توضيح خريطة الانقسامات العشائرية من خلال النقاط الآتية:

  • يُؤيِّد جزءٌ من أبناء العشائر في مناطق شرق الفرات سلطة الإدارة الذاتية الكردية وينخرطون في قوات "قسد" و"مجلس دير الزور العسكري" والعديد من المجالس المحلية والأهلية التي تُشكِّل جزءاً من هيكلية الإدارة الذاتية في مناطق شرق الفرات، في الرقة ودير الزور والحسكة، ويرفض هؤلاء عودة قوات النظام، ويطالبون بإجراء تحقيقات تكشف المسؤولين عن عمليات الاغتيال.
  • يدعم جزءٌ من أبناء العشائر المعارضة السورية وينضوون في إطار "المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية المعارضة"، وهم في الغالب من اللاجئين، وينخرط جزء منهم في فصائل المعارضة المدعومة من تركيا، ويتهمون الإدارة الذاتية بالقيام بعمليات تطهير ديمغرافي ضد العرب.
  • يدعم بعض أبناء العشائر نظام الأسد وإيران ويطالبون بعودة سلطة النظام إلى مناطق شرق الفرات، وخروج القوات الأمريكية والتركية، ويتأطَّر هؤلاء في "المجلس القومي للعشائر والقبائل العربية" المدعوم من قبل إيران، و"مجلس العشائر والقبائل السورية".
  • أطلق المئات من الشخصيات السياسية والاجتماعية من منطقتي الجزيرة والفرات، بالإضافة إلى معارضين سوريين، في 23 يونيو 2020 "التحالف العربي الديمقراطي في الجزيرة والفرات"، وقد أثار هذا الأمر حفيظة القوى السياسية الكردية التي اعتبرته موجَّهاً ضد الحوار الكردي-الكردي الذي ترعاه الولايات المتحدة[16]، ويضم هذا التحالف الكثير من المثقفين والنخب من أبناء هذه المناطق الذين يرفضون سلطة الأكراد ويرفضون عودة نظام الأسد للمنطقة.
  • أعلن "تيار الغد السوري" بقيادة أحمد الجربا و"المجلس العربي في الجزيرة والفرات" و"المنظمة الآشورية" و"المجلس الوطني الكردي» تشكيل تحالف باسم "جبهة السلام والحرية"، كإطار سياسي معارض يدعم اللامركزية في سورية.
  • تُوجِّه الأطراف العشائرية اتهامات لبعضها تتركز حول مسألتين: الأولى، اعتبار كل طرف أنه المكون الأساسي للعشيرة وشيوخه هم الأصلاء، وأن الطرف الأخر غير أصيل وهامشي من أطراف العشيرة، وهذه الظاهرة منتشرة لدى عشائر "العكيدات والبكارة والجبور وشمّر وطي"؛ والمسألة الثانية يتَّهِم كل طرف الأطراف الأخرى بأن مواقفها انتهازية هدفها إرضاء الداعم، وفي الغالب تصدر هذه المواقف نتيجة لضغط هذا الداعم.
  • تستخدم الأطراف المتنافسة على استقطاب العشائر أدوات متشابهة، ترتكز على الدعم المادي والسياسي لشيوخ العشائر واعتبارهم وسطاء محليين مع مجتمعاتهم، وقد كان لذلك نتائج سلبية على بنية العشيرة وخفض نسبة تماسكها وإيجاد أكثر من رأس ومرجعية للعشيرة الواحدة[17].

خلاصة واستنتاجات

  • يُؤشِّر مجملُ التطورات، في مناطق شرق الفرات، إلى احتمال زيادة حدة التصعيد في المرحلة المقبلة، نظراً لتشبث الطرفين، العربي والكردي، بمواقفهما؛ إذ ترفض الإدارة الذاتية للأكراد التنازل عن احتكارها السلطة السياسية ومشاركة العرب، وتَعتَبِر أن تحرير هذه المناطق من سيطرة "داعش" تم بتضحيات كردية بالدرجة الأولى، فضلاً عن اعتبار غالبية مناطق شرق الفرات أراض كردية وأن العرب المقيمين فيها جاؤوا في سياق سياسة النظام السوري في "تعريب المنطقة" أو نقل أجزاء من العرب من المناطق التي غمرها سد الفرات "عرب الغمر".
  • تكشف التطورات عن وعي عرب مناطق شرق الفرات لأهميتهم ورفضهم استمرار تهميشهم من قِبَل الإدارة الذاتية وإصرارهم على المطالبة بحقوق متساوية مع الأكراد في السلطة والثروة، وخاصةً أن المنطقة تُعتبَر الأغنى في سوريا، نفطياً وزراعياً.
  • الأرجح أن تحاول الإدارة الذاتية الكردية، بدعم من الأمريكيين، احتواء التمرد العربي، واللعب على الانقسامات العشائرية "الموجودة أصلاً" لإضعاف الموقف العربي، وإجبار العشائر على القبول بالأمر الواقع.
  • لكن التدخُّل الخارجي الكثيف ينذر بمصاعب قد يواجهها تحالف الإدارة الذاتية الكردية والأمريكيين، ذلك أن اللاعبين الآخرين لديهم استراتيجيات لتخريب الاستقرار على هذا التحالف ويحشدون لها الموارد والإمكانيات، ويملكون الأدوات، وهو ما يوحي باحتمال تفجُّر الأوضاع في مناطق شرق الفرات.
  • وتُعتبَر الحرب الأهلية أحد السيناريوهات المحتملة في هذه المناطق، حيث الانقسامات البينية عميقة، سواء بين الكرد أنفسهم، أو بين العرب والكرد، أو العشائر العربية فيما بينها، ولا تُوجد مؤشرات على حلول مناسبة للأزمة الحالية. وبرغم مساعي الأمريكيين، إلا أن انحيازهم للإدارة الذاتية الكردية يضعف موقفهم في إدارة الأزمة وإيجاد حلول مناسبة لها.

الهوامش

[1] صابرة دوح، "فتنة عربية كردية شرق سوريا تؤججها أياد خفية"، العرب اللندنية، 10 أغسطس 2020.

[2] أيهم مرعي، "العشائر تصعّد بوجه الاحتلال الأميركي: مستعدون للمقاومة الشاملة"، جريدة الأخبار اللبنانية، 9 يوليو 2020.

[3] إليزابيت تسوركوف وعصام الحسن، "الصراع الكردي-العربي على النفوذ في شمال شرق سوريا"، مركز كارنيغي، 24 يوليو 2019.

[4] المصدر السابق.

[5] أيهم مرعي، "العشائر تمنح "قسد" فترة سماح: لا تراجع عن المطالب"، الأخبار اللبنانية، 8 أغسطس 2020.

[6] خالد الخطيب، ""قبيلة العكيدات" بين "وسوسة" النظام وعنصرية قسد"، موقع المدن الإلكتروني، 11 أغسطس 2020.

[7] "مجلس عسكري للعشائر برعاية دمشق: إطلاق المقاومة الشاملة بوجه الأمريكيين"، الأخبار اللبنانية، 10 أغسطس 2020.

[8] علاء عبد الرحمن، "هل تحاول إيران التغلغل بـ" الجزيرة" السورية عبر العشائر؟"، عربي 21، 12 أغسطس 2020.

[9] رائد جبر وكمال شيخو، "موسكو تتهم واشنطن بتأجيج الوضع في منطقة شرق الفرات"، الشرق الأوسط، 8 أغسطس 2020.

[10] كمال شيخو، "الجيش الأمريكي يتعهد التحقيق في اغتيال قادة عشائر شرق الفرات"، الشرق الأوسط، 7 أغسطس 2020.

[11] أيهم مرعي، "تحركات أمريكية لاسترضاء الأهالي: العشائر تفجر غضبها في وجه قسد"، الأخبار اللبنانية، 6 أغسطس 2020.

[12] سقراط العلو، "تداعيات التنافس في شرق الفرات على الفاعلين المحليين والأزمة السورية"، مركز الجزيرة للدراسات، 3 يونيو 2020.

[13] "فتنة عربية كردية..."، مصدر سابق.

[14] "موسكو تتهم واشنطن..."، مصدر سابق.

[15] "فتنة عربية كردية..."، مصدر سابق.

[16] "عرب الجزيرة: "قسد" تقودنا إلى زلزال"، موقع المدن الإلكتروني، 7 أغسطس 2020.

[17] "تداعيات التنافس في شرق الفرات على الفاعلين المحليين والأزمة السورية"، مصدر سابق.

 

أحدث المواضيع المميزة

عودة نشاط "داعش" في سوريا: الدوافع والتداعيات

مركز الإمارات للسياسات | 19 نوفمبر 2020

النزاع المائي بين إثيوبيا ومصر وخيارات تسويته

نور الدين بيدُكان | 15 نوفمبر 2020