التنافس الأمريكي-الصيني في جيبوتي.. الملامح والتداعيات

أحمد عسكر | 15 سبتمبر 2021

تتعدد المؤشرات بشأن تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين في عدد من المناطق الاستراتيجية حول العالم، وبالرغم من أن جيبوتي تفتقد الحجم والوزن السياسي والاقتصادي لتصبح بؤرة تنافس بين القوتين العظميين إلا أن موقعها الاستراتيجي منحها دوراً محورياً في هذا التنافس، فضلاً عن كونها البلد الذي يستضيف القاعدتين العسكريتين الأمريكية والصينية في أفريقيا، وهو ما يترتب عليه عدداً من التداعيات في المنطقة يؤثر على مستقبل التفاعلات الدولية فيها.

تلقي هذه الورقة الضوء على مظاهر تنامي التنافس الأمريكي-الصيني في جيبوتي ومصالحهما المرتبطة بهذا التنافس، وتداعياته المستقبلية.

مكانة جيبوتي في ميزان كل من واشنطن وبيجين

تحتل جيبوتي مرتبةً متقدمة في سياسة القوتين خلال السنوات الأخيرة لعدد من الأسباب، من أهمها:

  • الموقع الجيوستراتيجي المهم لجيبوتي -برغم صغر مساحتها- عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر على الضفة الغربية لمضيق باب المندب الذي يُعد نقطة اختناق رئيسية وشرياناً مهماً للتجارة الدولية والإقليمية التي تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس والبحر الأبيض المتوسط[i]. وهي تقع ضمن إقليمين فرعيين مهمين، القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومُرتبطين بإقليم الشرق الأوسط. ومن منظور استراتيجي أوسع، تقع جيبوتي غرب المحيط الهندي-الهادي الذي تتصاعد أهميته خلال الفترة الأخيرة باعتباره ميداناً آخر للتنافس بين واشنطن وبيجين[ii].
  • تقع جيبوتي في قلب مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وتُعد معبراً محوريّاً لطريق الحرير البحري نحو قارة أوروبا، في ضوء الدور الذي يلعبه الموقع الجغرافي المتميز للبلاد والتموضع الاستراتيجي لميناء جيبوتي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
  • يُضيف قرب جيبوتي من مسرح الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، التي تعج بالصراعات والتدخلات الدولية، أهميةً استراتيجية لها؛ مما يجعلها محط أنظار العديد من القوى الدولية الطامحة للنفوذ هناك، ويدلل على ذلك احتضان جيبوتي سبع قواعد عسكرية على أراضيها[iii].

وتشمل المصالح الأمريكية في جيبوتي ما يأتي:

  • الحفاظ على استقرار جيبوتي وأمنها باعتباره ضرورةً استراتيجية لمواجهة تحديات الإرهاب والقرصنة والصراعات الداخلية في المنطقة.
  • الانخراط في الديناميات السياسية والأمنية في القرن الأفريقي، والحفاظ على أدوات التأثير في معادلة أمن البحر الأحمر، والقرب من مناطق الصراع في أفريقيا والشرق الأوسط والمحيط الهندي والمناطق الاستراتيجية الأخرى مثل الخليج العربي.
  • الحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي الذي يضمن لواشنطن تحقيق أهدافها في القرن الأفريقي لا سيما محاربة الإرهاب.
  • احتواء النفوذ الصيني في جيبوتي والمنطقة، وتحجيم سيطرتها على الممرات البحرية الاستراتيجية، مثل باب المندب.
  • الحد من مخاطر الفواعل من غير الدول التي تشكل تهديداً صريحاً لأمن البحر الأحمر والمصالح الأمريكية مثل جماعة الحوثي في اليمن التي تعد ذراعاً عسكرية لإيران في المنطقة، وحركة شباب المجاهدين الصومالية.

أما المصالح الصينية فتشمل الآتي:

  • ترسيخ وتوسيع دائرة النفوذ الصيني السياسي والاقتصادي في العمق الأفريقي من خلال بوابة جيبوتي، والمرتبطة بالأساس بخطة بيجين الاستراتيجية حول صعود الصين السلمي، ورؤيتها لإقامة مبادرة الحزام والطريق[iv].
  • حماية المسارات البحرية الاستراتيجية بهدف ضمان تدفقات النفط من المنطقة، وحماية التجارة الصينية العالمية، وتأمين مبادرة الحزام والطريق، وتعزيز عملية الربط الإقليمي عبر مشروعات البنية التحتية التي تدعمها بيجين مثل خط السكك الحديدية بين إثيوبيا وجيبوتي.
  • تقديم الدعم لقوات حفظ السلام الصينية ضمن البعثات الأممية لحفظ السلام في أفريقيا وغرب آسيا، وحماية الرعايا الصينيين في المنطقة.
  • موازنة النفوذ الأمريكي في القرن الأفريقي، ومحاولة تحجيمه في المحيط الهندي.

مؤشرات وملامح التنافس بين الطرفين

تُعد جيبوتي نموذجاً مصغراً للتنافس بين واشنطن وبيجين في أفريقيا، وتبرز عدد من المؤشرات والملامح التي توضح بشكل جلي حجم التنافس بينهما:

1. على الصعيد السياسي

تضغط واشنطن من أجل توتير العلاقات بين جيبوتي والصين بهدف تقليص اعتماد الأولى على بيجين، وذلك في إطار التركيز الأمريكي على إحباط التوسع الصيني والروسي في القرن الأفريقي والقارة بشكل عام. فقد اتهم جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، بيجين بمحاصرة الدول الأفريقية تحت مسمى "استعمار صيني جديد" يقوم على التبعية الاقتصادية لها. وقد أشار الرئيس الجيبوتي، إسماعيل غيله في عام 2017 إلى الشكوى الأمريكية المستمرة من الحضور الصيني، في الوقت الذي وصف فيه غيله الشركاء الغربيين بأنهم مشاركون غائبون، في حين أن الصينيين وحدهم يقدمون لجيبوتي شراكةً طويلة الأمد[v].

وفي سبيل إعادة ترتيب أوراقها في المنطقة، وإعادة رسم توجهاتها تجاه القرن الأفريقي وتحجيم النفوذ الصيني المتنامي هناك، قامت الإدارة الأمريكية بتعيين جيفري فيلتمان مبعوثاً خاصاً إلى المنطقة في مارس 2021[vi]، في إطار السعي نحو تعزيز الاستراتيجية الأمريكية والانخراط في أزمات المنطقة، ليعكس التزام واشنطن بلعب دور دبلوماسي في حل أزمات بلدان المنطقة مثل إثيوبيا والسودان.

وفي المقابل، تقوم علاقات الصين مع الدول الأفريقية على تعزيز الشراكة وتغييب الجانب الأيديولوجي وعدم التدخل في الشأن الداخلي بهدف إعلاء مبدأ المصلحة المشتركة، وهو ما يجعلها شريكاً مقبولاً لدى الحكومات الأفريقية. وقد سعت بيجين إلى تعزيز علاقاتها السياسية والدبلوماسية بجيبوتي خلال السنوات الماضية، حيث زار الرئيس غيله بيجين عدة مرات، والتي شهدت توقيع عدد من اتفاقيات التعاون بين البلدين في مجالات متعددة مثل القطاع المالي والتكنولوجيا والزراعة والبنية التحتية.

2. على الصعيد الاقتصادي

تركز بيجين في توجهها نحو جيبوتي على المنظورين الاقتصادي والتنموي، في حين تتبنى واشنطن المنظور الأمني في علاقاتها مع جيبوتي والقرن الأفريقي. لذلك، تبدو واشنطن عاجزة عن مضاهاة الثقل الاقتصادي الصيني. إذ يمثل النهج الصيني تجاه جيبوتي بالأساس تحديّاً أساسيّاً للمصالح الأمريكية، حيث يتدفق التمويل الصيني إلى المنطقة دون قيود، وهو ما جعل بيجين بديلاً جاهزاً من المساعدة الإنمائية المشروطة من الغرب والولايات المتحدة، مما يعزز النفوذ الاقتصادي الصيني في المنطقة.

وفي ديسمبر 2018، كشفت واشنطن عن استراتيجية جديدة لأفريقيا نتيجة تخوفها من النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة في ضوء تضخم حجم الديون والاستحواذ الصيني على الموانئ البحرية، حيث ترى واشنطن أن بيجين تستهدف من خلال استثماراتها الضخمة كسبَ أفضلية على حساب الولايات المتحدة. كما أعلنت عن مبادرة "ازدهار أفريقيا" التي تستهدف بالأساس مواجهة الاستثمارات الصينية في أفريقيا.

وثمة قلق لدى الأمريكيين والأوروبيين من الشراكة بين الصين والرئيس غيله لسماحه للشركات الصينية بالاستثمار في قطاعات عدة في البلاد. وتحاول واشنطن تصدير صورة سيئة لبيجين في جيبوتي والترويج بأن معظم الجيبوتيين لا يشعرون بأثر المكاسب الاستراتيجية من الاستثمارات الصينية في البلاد[vii].

في المقابل، يمكن النظر إلى الانخراط الصيني في جيبوتي باعتباره جزءاً من سلسلة الاستثمارات الاقتصادية والاستراتيجية التي تشمل منطقة البحر الأحمر وتمتد إلى المحيط الهندي. وتتركز الأنشطة الاقتصادية الصينية في جيبوتي في أربعة قطاعات رئيسية هي الطرق والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات. وتغذي الاستثمارات والقروض الصينية مسارَ التنمية في جيبوتي بهدف جعلها سنغافورة أفريقيا.

وتقوم بيجين بعدد من المشروعات الاستثمارية في جيبوتي خلال السنوات الأخيرة، مثل تطوير أربعة موانئ بحرية في جيبوتي، سيما ميناء جيبوتي، ومشروع بناء خط السكك الحديد بين إثيوبيا وجيبوتي بتمويل صيني بقيمة 4 مليارات دولار، وتطوير منطقة تجارة حرة بموجب اتفاق بين البلدين في 2016، وتدشين خط أنابيب الغاز من إقليم أوغادين الإثيوبي[viii].

كما تدعم بيجين "رؤية جيبوتي 2035" التي أعلنت عنها جيبوتي في عام 2014 من خلال دعم البنية التحتية في البلاد في ظل تطلع جيبوتي إلى أن تكون مركزاً لوجستيّاً إقليميّاً للخدمات والنقل لأنحاء العالم. إذ أنفقت الصين في جيبوتي نحو 14 مليار دولار في شكل استثمارات وقروض خلال الفترة بين عامي 2012 و2020، وارتفع الناتج المحلي الإجمالي لجيبوتي من 1.3 مليار دولار في عام 2012 إلى 3.1 مليار دولار في عام 2019[ix].

3. على الصعيد الأمني والعسكري

انتقل التنافس بين واشنطن وبيجين في جيبوتي إلى المجال العسكري عقب افتتاح القاعدة العسكرية الصينية في أغسطس 2017، مما أسهم في تجدد المخاوف الأمريكية من محاولات بيجين تطويق المنطقة، وما اعتبرته واشنطن الهيمنة الاقتصادية والتجارية الصينية في القرن الأفريقي.

وتُعد جيبوتي المقر الرئيسي للقيادة الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم"، وقد استحوذت واشنطن على قاعدة ليمونييه منذ عام 2001 مقابل 63 مليون دولار سنويّاً، وقامت بعملية توسعة للقاعدة بقيمة مليار دولار في عام 2013/2014، والتي تضم نحو 4000 جندي أمريكي.

ولا تزال واشنطن شريكاً أمنيّاً وملاذاً أولَ لجيبوتي؛ وهو ما يضمن لها الاحتفاظ بنفوذ كبير هناك. وتعتمد عليها كنقطة انطلاق مهمة في جهود مكافحة الإرهاب في القرن الأفريقي لمواجهة التهديدات الأمنية في بلدان المنطقة، مثل الصومال وكينيا ضد مقاتلي حركة شباب المجاهدين الصومالية.

وترى واشنطن في تصاعد الحضور العسكري الصيني في جيبوتي كمحاولة للتوسع الصيني في المحيط الهندي. وأبدت واشنطن تحفظها على بناء القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، محذرةً من مخاطر احتكاك مصالح القوتين. فقد أشار ستيفن تاونسند، قائد "أفريكوم"، خلال جلسة استماع أمام الكونغرس الأمريكي في أبريل 2021 إلى توسيع بيجين لميناء جيبوتي لاستيعاب حاملات الطائرات الصينية مستقبلاً[x]. كما اعتبر في يناير 2020 أن الصين تعمل على تهديد الاستقرار الإقليمي في أفريقيا، وتهدد قدرة وصول واشنطن إلى المنطقة وتقليص نفوذها هناك[xi].  

وفي المقابل، بدأت الصين بضخ استثمارات ضخمة في جيبوتي خلال السنوات الماضية، وسرعان ما أتبعتها بوجود عسكري بناءً على اتفاقية تعاون دفاعي بين البلدين في عام 2014 مهدت لتأسيس القاعدة العسكرية الصينية في أغسطس 2017، بمحاذاة ميناء دوراليه مباشرة، كأول انتشار عسكري دائم للصين خارج أراضيها مقابل 20 مليون دولار سنوياً[xii].

وتمثل هذه الخطوة باكورة انخراط صيني استراتيجي أوسع في أفريقيا والبحر الأحمر والمحيط الهندي، كونها تعكس تطوراً جديداً في العقيدة العسكرية الصينية وقوتها البحرية لحماية استثماراتها الضخمة وخطوط الاتصالات البحرية في المنطقة[xiii]، كما أنها تمثل رمزاً للمكانة الاستراتيجية العالمية المتزايدة للصين.

تداعيات التنافس بين القوتين

تظل منطقة القرن الأفريقي، وفي القلب منها جيبوتي، مساحةً للتنافس بين القوتين، إذ يمتلك الطرفان العديد من أدوات التأثير التي تعزز نفوذهما هناك، وإن كانت واشنطن تقف عاجزة عن احتواء النفوذ الاقتصادي الصيني الذي منحها تأثيراً واسع النطاق في معظم بلدان المنطقة. كما أن الوجود العسكري الصيني من شأنه تعزيز النفوذ البحري للصين في البحر الأحمر والمحيط الهندي، الأمر الذي قد يدفع واشنطن نحو إعادة تشكيل سياستها إزاء جيبوتي والقرن الأفريقي بما يعزز نفوذها في مواجهة الصعود الصيني القوي، وهو ما يعني تصاعد التنافس بين الطرفين في جيبوتي لتأكيد الهيمنة على المنطقة.

وبرغم احتضان جيبوتي للقاعدتين العسكريتين الوحيدتين لواشنطن وبيجين في أفريقيا، وما يمكن أن يترتب عليه من اندلاع صدام محتمل في ضوء احتدام التنافس بينهما على النفوذ؛ مما قد يؤثر على استقرارها وبالتبعية على القرن الأفريقي، إلا أن جيبوتي استطاعت أن تحقق مكاسب اقتصادية جراء هذا التنافس سواء من خلال قيمة استئجار القواعد العسكرية، وحجم الاستثمارات الصينية الضخمة، بالإضافة إلى تحسن البنية التحتية في ميناء جيبوتي، ومساندة بيجين لجيبوتي للتحول إلى مركز لوجستي إقليمي. كما أن الوجود الدولي في جيبوتي يضمن الحماية للنخبة الحاكمة في البلاد في حالة اندلاع بعض الاضطرابات أو الصراعات.

أما على صعيد منطقة القرن الأفريقي، فثمة استفادة اقتصادية لدول المنطقة جراء هذا التنافس بين واشنطن وبيجين في ضوء توجه الاستثمارات والمساعدات الصينية والأمريكية نحوها، بالإضافة إلى التحركات الدولية لمحاربة الإرهاب هناك. لكنْ، تظل مخاطر تزايد عسكرة القرن الأفريقي قائمة، وتتزايد احتمالية تحولها إلى ساحة صراع دولية وإقليمية لتعزيز الهيمنة والنفوذ والتي من شأنها زعزعة أمن واستقرار المنطقة ككل.

وهنا، فإن عسكرة المنطقة وتزايد الحضور العسكري للقوتين في البحر الأحمر قد يمثل سلاحاً ذا حدين بالنسبة للدول الخليجية، فهو من ناحية يشكل ضغطاً على المنطقة التي تمثل خاصرةً مهمة للأمن القومي الخليجي، ومن ناحية أخرى يصد أي تحركات إيرانية في البحر الأحمر عبر وكيلها الإقليمي "جماعة الحوثي" في اليمن. ومن جهة ثانية قد يدفع تصاعد النفوذ الاقتصادي لبيجين نحو تقليص التحركات الخليجية في بلدان المنطقة، نتيجة ضخ المزيد من الاستثمارات الصينية هناك.

مستقبل التنافس الأمريكي الصيني في جيبوتي

تبرز عدد من السيناريوهات المحتملة حول مستقبل النفوذ الأمريكي والصيني في جيبوتي:

السيناريو الأول: التفوق الصيني واحتواء النفوذ الأمريكي في جيبوتي. وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المديين القصير والمتوسط؛ وذلك بسبب ضخامة الاستثمارات الصينية في جيبوتي، ونجاح بيجين في احتواء النخبة الحاكمة في البلاد، وترحيب البعض في الداخل الجيبوتي بالوجود الصيني على حساب النفوذ الأمريكي، بالإضافة إلى التراجع النسبي للولايات المتحدة في المنطقة خلال الفترة الأخيرة، وعدم قدرتها على مجاراة الصعود الصيني الاقتصادي في المنطقة، وخاصة في ظل قدرة الصين على ربط معظم اقتصادات دول القرن الأفريقي بها من خلال ضخ الاستثمارات والقروض الصينية فيها.

ويتحقق هذا السيناريو في حالة استمرار التراجع الأمريكي في المنطقة، وقدرة الصين على تعزيز نفوذها في المنطقة وانخراطها من خلال ضخ المزيد من الاستثمارات الصينية والقروض لبلدان المنطقة، وقيامها بالعديد من المشروعات الاستثمارية هناك، وترحيب دول القرن الأفريقي، سيما جيبوتي، بالحضور الصيني على حساب واشنطن.

بينما يصعب تحقق هذا السيناريو في حالة التصدي الأمريكي للنفوذ الصيني المتنامي في جيبوتي والقرن الأفريقي وتعزيز مشروعاتها ومساعداتها لدول المنطقة، وتقديم واشنطن الدعم لعدد من القوى المناوئة للدور الصيني في المنطقة، مثل الهند واليابان وتايوان، فضلاً عن مساومة واشنطن لبيجين ببعض الملفات الشائكة في بعض المناطق الاستراتيجية لتخفيف حدة التنافس بينهما في القرن الأفريقي، وتصاعد أدوار القوى الدولية المناهضة للدور الصيني في المنطقة.

السيناريو الثاني: استمرار الوضع القائم دون اللجوء إلى التصعيد بين القوتين. وهو سيناريو مرجح في المدى القصير؛ وذلك لأن من غير المجدي الدخول في منافسة جيوسياسية صفرية بين واشنطن وبيجين من شأنها اشتعال الحرب الباردة بينهما، وخاصة أن تضارب المصالح بين الطرفين لم يصل إلى حد الخطر، كما أن هناك بعض العوامل المشتركة بينهما تجاه منطقة القرن الأفريقي، مثل الرغبة في استقرار دولها وشروط الانتفاع الاقتصادي ومحاربة الإرهاب.

ويتحقق هذا السيناريو في حالة حرص الطرفين على ضبط النفس دون الدخول في صدام محتمل في جيبوتي والمنطقة، واستمرار المفاوضات الاستراتيجية بين واشنطن وبيجين بشأن بعض الملفات الشائكة، وقدرة الدول الأفريقية على موازنة العلاقة بين القوتين. ويصعب تحقق هذا السيناريو في حالة تصاعد التنافس بين القوتين، وتنامي النفوذ الصيني في جيبوتي، ورفض واشنطن لهذا الصعود الصيني.

السيناريو الثالث: تصدي واشنطن للصعود الصيني في جيبوتي والمنطقة. وهو السيناريو الأقل ترجيحاً في المدى المتوسط؛ ويرجع ذلك إلى استمرار التراجع النسبي للولايات المتحدة في المنطقة والذي بدت ملامحه منذ عهد إدارة الرئيس السابق، دونالد ترمب، واعتماد واشنطن على المقاربة الأمنية في تعزيز نفوذها بالمنطقة على حساب المقاربات الأخرى الاقتصادية والتنموية التي نجحت فيها بيجين خلال السنوات الأخيرة، وتفضيل بعض النخب في جيبوتي الشريك الصيني بدلاً من الشريك الأمريكي للتخلص من الضغوط الأمريكية السياسية، فضلاً عن تعاظم الاستثمارات الصينية في جيبوتي وتفوقها على الاستثمارات الأمريكية.

ويتحقق هذا السيناريو في حالة تبني واشنطن استراتيجية جديدة إزاء جيبوتي والقرن الأفريقي، والمضي قدماً نحو مضاعفة الاستثمارات الأمريكية في البلاد، والتراجع عن المشروطية السياسية التي تحكم علاقات واشنطن مع دول المنطقة، ومحاولة استقطاب النخب الحاكمة في جيبوتي ودول المنطقة بعيداً عن الهيمنة الصينية. بينما يصعب تحقق هذا السيناريو في حالة إصرار واشنطن على الانسحاب الكلي من المنطقة، وتنامي الوجود الصيني وضخامة الاستثمارات والقروض في بلدان المنطقة، ونجاح بيجين في احتواء النفوذ الأمريكي في جيبوتي، فضلاً عن قيام واشنطن بنقل القاعدة العسكرية إلى إحدى دول الجوار الإقليمي.

خلاصة واستنتاجات

  • قد يدفع التفوق الاقتصادي الصيني في جيبوتي والمنطقة، والذي يظهر في ضخ المزيد من الاستثمارات في العديد من القطاعات الاقتصادية في البلاد، ويعززه الحضور العسكري القوي، نحو تراجع الدور الأمريكي في المنطقة مستقبلاً.
  • ينصب تركيز واشنطن في تعزيز نفوذها في جيبوتي في مجال مكافحة الإرهاب، في ضوء تصاعد نشاط التهديدات الأمنية في القرن الأفريقي.
  • يتبادل الطرفان بعض الاتهامات في محاولة لتحجيم الدور والنفوذ في المنطقة، وهو ما قد يُنذر بتصاعد التنافس بينهما، مما قد يهدد الاستقرار الإقليمي في القرن الأفريقي.
 

[i]. Ecatarina Garcia, Chinese Influence in East Africa: Transcultural Connection as Foreign Policy Spur, Modern Diplomacy, 5-11-2018:  https://bit.ly/3jTC4eF

[ii]. Why is the US concerned about China’s naval base in Djibouti?, TRT World, 21-4-2021: https://bit.ly/3Bja25m

[iii]. Aaron Tesfaye, China-Ethiopia Relations and the Horn of Africa, Italian Institute for International Political Studies, 20-9-2019: https://bit.ly/34NQrNf

[iv]. Paul Nantulya, Implications for Africa from China’s One Belt One Road Strategy, Africa Center for Strategic Studies, 22-3-2019: https://bit.ly/2Y8mGpC

[v]. Zach Vertin, Great power rivalry in the Red Sea, Brookings, 7-2021: https://brook.gs/3Bjrsiq

[vi]. Michelle Nichols, Simon Lewis, Veteran diplomat Jeffrey Feltman named U.S. special envoy for Horn of Africa, Reuters, 23-4-2021: https://reut.rs/3A6Urpo

[vii]. Andrew Jacobs and Jane Perlez, U.S. Wary of Its New Neighbor in Djibouti: A Chinese Naval Base, The New York Times, 25-2-2017: https://nyti.ms/3zuxvQq

[viii]. Max Bearak, In strategic Djibouti, a microcosm of China’s growing foothold in Africa, The Washington Post, 30-12-2019: https://wapo.st/3zxBiww

[ix]. John Calabrese, The Bab El-Mandeb Strait: Regional and great power rivalries on the shores of the Red Sea, MEI, 29-1-2020: https://bit.ly/2Y0tBkx

[x]. Pawel Pazak, Chinese Naval Base in Djibouti and Chinese Policy in the Horn of Africa, Warsaw Institute, 30-6-2021: https://bit.ly/38tL6vr

[xi]. Andrew Jacobs and Jane Perlez, Ibid.

[xii]. China builds ambitiously in Africa, and US sounds the alarm, Fox News, 9-3-2018: https://fxn.ws/3mGX11r

[xiii]. Karl Rages, Djibouti at a Crossroads: China’s African Engagement and an Adversarial Beijing-Washington Relationship, Future Directions, 9-2-2021: https://bit.ly/3sWKOXA

أحدث المواضيع المميزة

الإدارة الأمريكية للأزمة الليبية: الحسابات والتحديات

مركز الإمارات للسياسات | 19 أكتوبر 2021

هل تنشب حرب روسية-تركية في إدلب؟

مركز الإمارات للسياسات | 12 أكتوبر 2021