العلاقات التركية-الأوكرانية: المحددات والآفاق

مركز الإمارات للسياسات | 06 يونيو 2021

زاد في السنوات الأخيرة التقارب السياسي والتعاون العسكري بين تركيا وأوكرانيا، ويأتي هذا التقارب في ظل التوتر بين موسكو وكييف على خلفية ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، ودعمها الانفصاليين في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا، كما يأتي على خلفية التوتر بين روسيا والغرب من جهة ثانية. وبينما ترفض أنقرة الاعتراف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وتدعم انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وتعمل على توسيع تعاونها العسكري مع كييف ليشمل الصناعات الدفاعية، كما تجلى في اللقاء الأخير بين الرئيس التركي أردوغان ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 9 أبريل 2021، فإنها في الوقت نفسه حافظت على علاقاتها الجيدة بموسكو.

تُسلِّط هذه الورقة الضوءَ على واقع العلاقات التركية-الأوكرانية، وأهداف كل منهما، والمحددات التركية في هذه العلاقة، والتوقعات المستقبلية بشأنها.

الاستراتيجية التركية في البحر الأسود

منذ انتهاء الحرب الباردة وقيام الاتحاد الروسي، زاد الاهتمام الأمريكي ومن طرف حلف الناتو بدول البحر الأسود، تارةً من خلال ما عُرف "بالثورات المخملية" مع أوكرانيا مثلاً، وتارة أخرى بانضمام دول مثل رومانيا وبلغاريا إلى الحلف. وفي المقابل، زادت روسيا دورياتها العسكرية في البحر الأسود الذي تَعتبره حديقتها الخلفية، وسعت أيضاً إلى التدخل سياسياً في أوكرانيا من أجل وقف "زحف" الناتو على حدودها الغربية. وقد مثّل هذا الوضع تهديداً للأمن القومي التركي، مع احتمال خروج الوضع عن السيطرة في هذه الدول، وتحوُّل الصراع مع موسكو إلى حرب بين روسيا والناتو. وفي هذا الإطار سعت تركيا لتطوير علاقاتها مع كلٍّ من جورجيا وأوكرانيا، وكذلك مع موسكو، من أجل محاولة تخفيف التوتر في البحر الأسود، ومن أجل السعي لإيجاد توازن سياسي وعسكري، وعدم ترك البحر الأسود للهيمنة الروسية المتزايدة بحجة "التصدي للتمدُّد الأطلسي على حدوده"، وخصوصاً بعد التدخل العسكري الروسي في جورجيا عام 2008.

ومن الملاحظ أن تركيا بدأت تطرح فكرة مشروع شق قناة مائية في إسطنبول تكون موازية لمضيق البُسفور عام 2010، وهو المشروع الذي من شأنه أن يقلق موسكو، لأنه يهدد بالخروج عن اتفاقية مونترو للمضائق الدولية التي تَحد بشكل كبير من دخول القطع العسكرية البحرية للدول غير المتشاطئة في البحر الأسود. ومن الواجب ذكره أن تركيا تحاول عدم استفزاز موسكو بشكل مباشر في هذا الصراع على البحر الأسود بين موسكو وحلف الناتو الذي تنتمي إليه، فأنقرة -وفق سياساتها قبل عام 2010- منعت دخول سفن عسكرية أمريكية إلى البحر الأسود خلال أزمة جورجيا بحجة التزامها باتفاقية مونترو، ويبدو أن القناة المائية الجديدة الموازية ستكون المشروع البديل للالتفاف على هذه الاتفاقية كرد على زيادة التدخل العسكري الروسي في دول البحر الأسود، وخصوصاً جورجيا وأوكرانيا. وقد سعت تركيا منذ عام 2010 إلى زيادة عدد سفنها الحربية، ولجأت إلى تصنيع حاملة طائرات، وزادت دورياتها البحرية في البحر الأسود.

ويبدو واضحاً أن استراتيجية تركيا هنا تتركز في محاولة الحفاظ على توازن القوى على ما هو عليه في البحر الأسود بحيث لا تسيطر موسكو عليه بالكامل، وتسعى في سبيل ذلك إلى تحسين علاقاتها مع موسكو وأوكرانيا وجورجيا، والدفع بمشاريع تعاون اقتصادية بين دول البحر الأسود، وعدم المشاركة أو دعم العقوبات الأمريكية والأوروبية التي تم فرضها على موسكو. لكنْ مع زيادة التدخل الروسي في أوكرانيا، وخصوصاً بعد ضم موسكو شبه جزيرة القرم عام 2014، زادت تركيا تعاونها العسكري مع أوكرانيا من أجل منع زيادة التغول الروسي في المنطقة. ومن خلال هذه الخطوات، تحاول تركيا عدم مواجهة موسكو مباشرة في البحر الأسود، وإنما من خلال دعم أوكرانيا، وذلك لتلافي أي أزمة مع موسكو التي تُعتبر ثاني أكبر شريك تجاري مع أنقرة، وتعتمد تركيا على ثلثي وارداتها من الطاقة من موسكو.

تطور العلاقات التركية-الأوكرانية

بعد أزمتي جورجيا وشبه جزيرة القرم، زاد اهتمام تركيا بدعم أوكرانيا وتعزيز العلاقات معها تجارياً وعسكرياً، ضمن ما تَعتبره تركيا "علاقات استراتيجية" بين البلدين. وشكَّل البلدان عام 2011 "مجلس التعاون الاستراتيجي" بينهما من أجل زيادة هذا التعاون، من خلال عقد لقاء سنوي بين وزراء الدولتين لمناقشة مشاريع التعاون بينهما.

وعلى الرغم من أن تركيا لم تشارك في العقوبات التي فرضتها واشنطن والاتحاد الأوروبي على موسكو بسبب ضمّها شبه جزيرة القرم، إلا أن أنقرة أعلنت عدم اعترافها بهذا الضم، وأكدت احترامها لوحدة الأراضي الأوكرانية. وقد أثارت الخطوة الروسية في شبه جزيرة القرم قلقَ تركيا أمنياً، خصوصاً بعدما حوّلت روسيا ميناء سيفاستوبول إلى قاعدة عسكرية بحرية كبيرة، إذ اعتبرتها أنقرة خطوةً أولى ضمن سعي موسكو للسيطرة على البحر الأسود، فضلاً عن أن القاعدة تدعم النفوذ العسكري الروسي في شرق المتوسط استراتيجياً.

كما يجمع تركيا بشعب تتار القرم علاقات قرابة قومية، وقد زار رئيس مجلس تتار القرم مصطفى عبد الجميل قرم أوغلو تركيا مرات عدة، وتلقى وسام الجمهورية التركية من الرئيس عبد الله غُل عام 2014، تعبيراً عن دعم تركيا لحقوق تتار القرم في شبه جزيرة القرم، وعدم الاعتراف بالخطوات الروسية.

لا يُعد التبادل التجاري بين تركيا وأوكرانيا كبيراً، فقد بلغ في أعلى مستوى له عام 2020 فوصل إلى 4.7 مليار دولار، وأهم ما تستورده تركيا من أوكرانيا هو "الخردة" والمعادن التي تعتمد عليها في صناعاتها، بالإضافة إلى المواد الغذائية، فيما تستورد أوكرانيا البلاستيك والمنسوجات والصناعات المتوسطة من تركيا. وهناك نحو 600 شركة تركية تعمل وتستثمر في أوكرانيا بدعم واضح من الحكومة الأوكرانية، وتصل قيمة استثماراتها إلى نحو 3 مليارات دولار. كما تُعتبر أوكرانيا داعماً قوياً لرجال الأعمال المقربين من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبخاصة من أصحاب شركات المقاولات والبناء، التي نفذت في أوكرانيا حتى نهاية عام 2019 أكثر من 184 مشروعاً تجاوزت قيمتها الإجمالية 6.3 مليار دولار. كما قامت تركيا ببناء 500 منزل لتتار القرم الذين هربوا من شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا بعد ضم روسيا شبه الجزيرة.

وهناك اتفاقية دخول لمواطني البلدين من دون تأشيرة، فيما يدخل الأتراك أوكرانيا بالبطاقة الشخصية دون الحاجة إلى إبراز جواز سفر. ويشكل السياح الأوكرانيون 4% من مجموع السياح الذين يقصدون تركيا، لكن بسبب التقارب المتسارع بين البلدين، دعمت أوكرانيا السياحة التركية وحفزت مواطنيها على السفر إلى تركيا رغم جائحة كورونا، حيث زار مليون سائح أوكراني تركيا عام 2020. ويُعول الرئيس أردوغان على السياح الأوكرانيين هذا العام لتعويض خسائر السياحة، وبالأخص السياح القادمين من روسيا مع تعليق موسكو الطيران إلى تركيا حتى مطلع يونيو الجاري.

التعاون في مجال التصنيع العسكري

يُعتبر التعاون في مجال التصنيع العسكري الدافعَ الأهم للعلاقات بين تركيا وأوكرانيا، ويوجد حالياً 30 مشروعَ تصنيع عسكرياً مشتركاً بين الدولتين. فأوكرانيا لديها أرضية قوية للتصنيع العسكري ورثتها عن الاتحاد السوفيتي السابق، وهناك هدف مشترك بين أوكرانيا وحلف الناتو لتطوير هذه الصناعات وتحديثها، بحيث ترقى إلى مستوى ومعايير حلف شمال الأطلسي، مما يسهل انضمامها له، ويساعدها في تحويل هذه الصناعات إلى منتوجات يمكن بيعها في السوق العالمية. وتتولى تركيا هذه المهمة بالنيابة عن حلف الناتو، مع إحجام العديد من الدول عن مساعدة أوكرانيا في هذا الأمر، تحسُّباً لأي رد فعل سلبي من موسكو. وتعمل أنقرة على مساعدة أوكرانيا على تحديث وتصنيع الصواريخ ومحركات الصواريخ وناقلات الجند المدرعة وتحديث سلاح الجو الأوكراني، ولا تتردد تركيا في نقل التكنولوجيا العسكرية لهذه المشاريع إلى أوكرانيا. وهذا ما يؤكده مسؤول التصنيع العسكري في أوكرانيا دنيس موسكالك بالقول إن "لدى أوكرانيا العديد من مصانع الأسلحة من العهد السوفيتي، وتحتاج إلى تحديث، وتركيا هي الشريك الأهم في هذه المهمة، خصوصاً أن تركيا قامت خلال الثلاثين عاماً الماضية بقفزة في مجال التصنيع العسكري الحديث الذي يرقى إلى معايير حلف شمال الأطلسي، ونسعى مع تركيا إلى تحديث هذه المصانع وتصنيع أسلحة جديدة متطورة يمكننا بعدها بيعها للسوق العالمية معاً".

وفي 14 ديسمبر 2020 وقّعت وزارة الدفاع الأوكرانية اتفاقيةً مع تركيا لشراء وتصنيع السفن الحربية الصغيرة والطائرات المسيَّرة، وتشمل الاتفاقية التصنيع المشترك في أوكرانيا، ونقل التكنولوجيا العسكرية المستخدمة في التصنيع إلى أوكرانيا. وجاءت هذه الاتفاقية بعد شراء أوكرانيا عام 2019 من تركيا 6 طائرات مُسيرة من طراز بيرقدار TB2، مع ثلاث قواعد تحكم وسيطرة تخدم هذه الطائرات. وأعلنت أوكرانيا أنها تسعى لشراء 48 طائرة مسيرة أخرى من الطراز نفسه، علماً بأن محركات هذه الطائرات التركية يتم تصنيعها في أوكرانيا. كما وقّعت تركيا وأوكرانيا في أكتوبر 2020 اتفاقيةَ إطار للتعاون العسكري بين البلدين، كمقدمة لتعاون عسكري أكبر. وتشمل هذه الاتفاقية التعاون في التدريب العسكري، والمناورات العسكرية المشتركة، والتصنيع العسكري، وتبادل الخبرات والتقنيات العسكرية، وتبادل الاستخبارات العسكرية أيضاً.

مساعي أنقرة لموازنة علاقاتها بين موسكو وكييف

ورد آنفاً أن أنقرة القلقة من تزايد النفوذ الروسي في البحر الأسود وجورجيا وأوكرانيا، تتجنب المواجهة المباشرة مع موسكو في هذا الملف، وتسعى كبديل عن ذلك إلى تقوية القدرات العسكرية الأوكرانية للتصدي لهذا النفوذ الروسي بالإنابة. وقد دفع الوضع المتدهور في سوريا، الرئيس أردوغان إلى تطوير التعاون مع روسيا من أجل تقليل الخسائر في سوريا، والمحافظة على مكتسبات أمنية وعسكرية هناك وفق اتفاقيات عدة أهمها منصة أستانا التي تجمع روسيا وإيران مع تركيا.

ومع تدهور العلاقات بين أنقرة وكلٍّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، طورت تركيا علاقاتها التجارية والعسكرية مع روسيا من خلال شراء صواريخ "إس400" الروسية. ومع اعتماد تركيا الكبير على استيراد الغاز من موسكو، فإن أنقرة تدرك أن عليها موازنة علاقاتها بين كلٍّ من موسكو وكييف، وخصوصاً أن أزمة إسقاط الطائرة الروسية فوق الأراضي السورية عام 2015 كشفت عن قدرة موسكو الكبيرة على الضغط على تركيا، من خلال منع السياح الروس من الذهاب إلى تركيا، ووقْف التعاون العسكري والاستخباراتي في سوريا. بل إن روسيا لم تتردد في قصف قوات تركية في الداخل السوري حتى أثناء وجود علاقات طبيعية بين أنقرة وموسكو. ومؤخراً لجأت تركيا إلى استخدام المرتزقة السوريين في ليبيا، وفي دعم أذربيجان في حربها الأخيرة مع أرمينيا في إقليم ناغورني قره باغ، ولا تُخفي موسكو قلقها من احتمال تكرار هذه التجربة مع المرتزقة السوريين في أوكرانيا، فقد حملت موسكو هيئة تحرير الشام السورية (جبهة النصرة سابقاً) المسؤولية عن ثلاثة تفجيرات وقعت في الداخل الروسي خلال العام الماضي، رغم نفي الهيئة مسؤوليتها عن هذه الهجمات، وفي هذا الاتهام تهديد مبطن لتركيا التي تَعتبرها موسكو الراعي المباشر لهذه الجبهة.

وإن كان الدعم التركي لأوكرانيا يحمل في أحد جوانبه هدف الضغط على موسكو، إلا أن أنقرة تدرك أن لموسكو اليد العليا في العلاقات بين الطرفين، وأن لها القدرة الأكبر على الإضرار بالمصالح التركية، لذا فإنها تسعى إلى تعزيز التعاون العسكري مع أوكرانيا بحذر. وعشية زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لأنقرة في أبريل الماضي، اتصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس أردوغان، مُحذراً من إتمام صفقة بيع طائرات مسيرة لكييف، وأكد أنه حتى في حال تنفيذ مشروع شق قناة إسطنبول المائية فإن ذلك يجب ألّا يُخل بوضع البحر الأسود المنصوص عليه في اتفاقية مونترو للملاحة البحرية. وقد حالَ هذا الاتصال دون إتمام هذه الصفقة خلال زيارة زيلينسكي. وفي هذا السياق صرّح نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بوريسوفي في 21 أبريل الماضي أنه "في حال إتمام تركيا لصفقة بيع طائرات بدون طيار إلى كييف، فإن موسكو ستُعيد النظر في اتفاقاتها العسكرية والاستخباراتية مع أنقرة". وعقب زيارة زيلينسكي تحججت موسكو بوضع جائحة كورونا في تركيا، وعلّقت الطيران إليها حتى الأول من يونيو الجاري، في إشارة عقابية إلى أنقرة لحرمانها من السياح الروس. في المقابل صرّح الرئيس الأمريكي جو بايدن، معلقاً على التوتر الأخير بين موسكو وكييف حول إقليم دونباس، إنه يتوقع من تركيا أن تتصرف كعضو في حلف الناتو.          

ويُشير المشهد المعقد أعلاه إلى أن أنقرة، التي تُسارع الزمن من أجل تطوير القدرات العسكرية الأوكرانية، تجد نفسها بين ضغوط كلٍّ من موسكو وواشنطن فيما يتعلق بأزمة دونباس، واحتمال انفجار الوضع هناك. لذا فإن الهدف التركي الاستراتيجي حالياً هو تأجيل أي صراع عسكري بين روسيا وأوكرانيا، إلى حين إتمام تركيا مهمتها في تطوير الجيش الأوكراني وتسليحه ليكون قادراً على التصدي بشكل أكبر للنفوذ الروسي، دون الحاجة إلى تدخل تركي مباشر يُحرج تركيا ويضعها في أزمة مع موسكو. لذا عرض الرئيس أردوغان لعبَ دور الوسيط بين الرئيسَين الأوكراني والروسي، لكن موسكو لم تعلق على هذا الاقتراح حتى الآن. وفي أبريل الماضي، وخلال زيارة الرئيس الأوكراني لأنقرة لحضور اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي التاسع بين البلدين، أكد أردوغان أن التعاون العسكري بين أنقرة وكييف لا يستهدف دولة ثالثة، وأكد دعمه لحل الخلافات بين أوكرانيا وروسيا عبر الطرق الدبلوماسية ولجنة مينسك (التي تضم أوكرانيا وروسيا وفرنسا وألمانيا).

السيناريوهان الأفضل والأسوأ لتركيا في الأزمة بين روسيا وأوكرانيا

يُعتبر السيناريو الأفضل لتركيا هو تجنُّب أي اشتباك عسكري بين موسكو وأوكرانيا، وقبول دور الوسيط بين البلدين، الذي سيسمح لتركيا بلعب دور إقليمي مهم. لكنْ يبدو واضحاً أن موسكو لا تريد لأنقرة أن تأخذ هذا الدور. وتسعى لتركيا لاستمرار سياستها في التوازن في العلاقات بين كييف وموسكو في هذا الإطار، وتُعول أنقرة على اللقاء المنتظر بين الرئيسَين الروسي والأمريكي في يونيو المقبل من أجل خفض التوتر في أوكرانيا.

لكن السيناريو الأسوأ لتركيا في هذا الإطار سيكون بانفجار الصراع بين روسيا وأوكرانيا عسكرياً، إذ إن هذا الوضع سيضع ضغوطاً قوية من واشنطن وحلف الناتو على تركيا للسماح بدخول سفن عسكرية للحلف إلى البحر الأسود بخلاف نصوص معاهدة مونترو. وهنا لا يبدو أن أنقرة مستعدة لخرق بنود هذه المعاهدة، وتقديم الدعم العسكري اللازم لأوكرانيا في ظل استمرار التوتر في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، وحاجة تركيا إلى التنسيق والتعاون مع موسكو في الملف السوري.

وللتوضيح نذكر أن المادة 14 من معاهدة مونترو لا تسمح إلا بمرور 9 قطع بحرية عسكرية من الدول غير المشاطئة في البحر الأسود، وعلى أن يكون مجموع وزن هذه السفن لا يزيد عن 15 طناً، ولا يُسمح لهذه السفن في البقاء في البحر الأسود لمدة تزيد عن 45 يوماً. وفيما تتمسك موسكو ببنود هذه المعاهدة، فإن واشنطن كانت قد عرضت عبر القنوات الدبلوماسية على أنقرة خرق بنود هذه المعاهدة عام 2008، إبّان أزمة جورجيا لكن أنقرة رفضت حينها هذا الطلب الأمريكي.

ويمكن القول بأن الرئيس أردوغان يسعى لكسب الوقت لسنوات عدة، إلى حين تنفيذ مشروع قناة إسطنبول المائية الذي قد يُتيح لتركيا حجة قانونية لتجاوز معاهدة مونترو، ويكون الجيش الأوكراني حينها قادراً عسكرياً على التصدي للقوات الأوكرانية الانفصالية في شرق أوكرانيا، على أمل تحسين العلاقات خلال هذه الفترة مع واشنطن والاتحاد الأوروبي. عندها فقط يمكن لأنقرة أن تأخذ موقفاً أكثر صرامة من روسيا في هذا الملف.

خلاصة واستنتاجات

  • زاد في السنوات الأخيرة التقارب السياسي والتعاون العسكري بين تركيا وأوكرانيا، وبرز هذا التقارب خلال اللقاء الأخير بين الرئيس التركي أردوغان ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 9 أبريل 2021.
  • تقوم الاستراتيجية التركية في البحر الأسود على تخفيف التوتر من جهة، ومن جهة ثانية السعي إلى إيجاد توازن سياسي وعسكري وعدم ترك البحر الأسود للهيمنة الروسية، ومن هنا يأتي هدف أنقرة تعزيز تعاونها العسكري مع كييف، لكن مع موازنة علاقاتها بين كلٍّ من موسكو وكييف.
  • السيناريو الأفضل لتركيا هو تجنّب أي اشتباك عسكري بين موسكو وأوكرانيا، وقبول دور الوسيط بين البلدين، الذي سيسمح لتركيا بلعب دور إقليمي مهم، لكنْ يبدو واضحاً أن موسكو لا تريد لأنقرة أن تأخذ هذا الدور، وتُعوّل تركيا على اللقاء المنتظر بين الرئيسَين الروسي والأمريكي في يونيو المقبل من أجل خفض التوتر في أوكرانيا. أما السيناريو الأسوأ لتركيا فهو انفجار الصراع بين روسيا وأوكرانيا عسكرياً، ما سيضع ضغوطاً قوية من واشنطن وحلف الناتو على تركيا للسماح بدخول سفن عسكرية للحلف إلى البحر الأسود بخلاف نصوص معاهدة مونترو.
  • يسعى الرئيس أردوغان لكسب الوقت إلى حين تنفيذ مشروع قناة إسطنبول المائية الذي قد يُتيح لتركيا حجة قانونية لتجاوز معاهدة مونترو، ويكون الجيش الأوكراني حينها قادراً عسكرياً على التصدي للقوات الأوكرانية الانفصالية في شرق أوكرانيا، على أمل تحسين العلاقات خلال هذه الفترة مع واشنطن والاتحاد الأوروبي، وعندها فقط يمكن لأنقرة أن تأخذ موقفاً أكثر صرامة من روسيا في هذا الملف. 

أحدث المواضيع المميزة