الاتفاقيات الإبراهيمية في عامها الأول: لماذا اعتُبرت "حدثاً تحوليّاً" في المنطقة؟

د. ابتسام الكتبي | 15 سبتمبر 2021

وقّعت دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين مع إسرائيل في الخامس عشر من سبتمبر 2020 اتفاق إقامة علاقات رسمية برعاية ودعم الرئيس الأمريكي الأسبق، دونالد ترامب. وكانت الإمارات أول دولة خليجية تعلن عن إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل. عقب ذلك أعلنت البحرين اتفاقاً مع إسرائيل ثم السودان فالمغرب. كان المدخل الإماراتي المباشر لتوقيع ما بات يعرف بـ"الاتفاق الإبراهيمي" أن تقوم إسرائيل بتجميد "خطة الضم" التي كان يتبناها رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك، بنيامين نتنياهو.

وأبدت الإمارات تشجعها لتسمية معاهدة السلام بـ"الاتفاق الإبراهيمي"، وفسّرت ذلك على لسان وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، بقوله: "نحن نتحدث عن مشكلة تتعلق بالتاريخ والثقافة والدين، لذا يمكن أن يكون جزءاً من الحل (التوصّلُ إلى اتفاق) يجمع بين التاريخ والثقافة والدين". [1]

ويمكن القول بعد مرور عام على توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية إنها كانت من القرارات التحوليّة (transformational) التي بدأت في الإسهام بإعادة تشكيل بعض ملامح الشرق الأوسط والمنطقة. وبرغم التحديات التي أمامها، فقد بقيت الاتفاقيات قادرة على إعطاء الزخم التحوليّ لهذا الحدث.

لقد أبرزت هذه الاتفاقيات تغيّراً أساسياً في قِيَم الصراع. نحن نتحدث عن عملية تطبيع العلاقات بين إسرائيل وأربع دول عربية تمّت في أقل من ثلاثة أشهر. لقد بدأت التحولات بإعلان الإمارات وإسرائيل عن معاهدة سلام بينهما في أغسطس 2020، وبعدها بدأ تأثير "الدومينو" على دول عربية وإسلامية وغيرها. وعلى الرغم من أن المعاهدة الإماراتية-الإسرائيلية التي وقِّعت في البيت الأبيض في 15 سبتمبر 2020 لم تدَّعِ أنها جلبت الحلّ للقضية الفلسطينية-الإسرائيلية، فقد وُصِفَت بأنها "لحظة تاريخية" أو "اختراق تاريخي"[2]، وهي كذلك بالفعل، باعتبار أنها أول معاهدة سلام بين دولة عربية وإسرائيل منذ أكثر من ربع قرن، وأنها واحدة من أوضح التجليات العملية للفكر الجديد الذي تحمله القيادة الإماراتية لمعالجة مشكلات المنطقة وتحدياتها، باتجاه محاولة تعزيز الاعتدال والتعايش والازدهار والاستقرار.

بالطبع، ليس ثمة إجماع في منطقة الشرق الأوسط حول هذه الخطوة، والمتعلقة بأطول صراع في المنطقة؛ فقد رفضتها القيادة الفلسطينية، وتباينت حولها الآراء. في المقابل، يمكن الجدل بأنْ يكون لهذه الاتفاقيات الجديدة انعكاسات مهمة ليس فقط على علاقات الدول التي وقعتها فقط، بل على منطقة الشرق الأوسط والساحة الدولية أيضاً.

وتنطوي الانعكاسات الاستراتيجية للاتفاقيات الإبراهيمية، التي تُمثّل بدرجة معينة "مُغيِّراً للعبة" الإقليمية، على ترتيبات جديدة في المنطقة لتمكين عناصر الاستقرار فيها، وتطرح مشروعاً للتعاون الإقليمي في المنطقة والخليج والبحر المتوسط والبحر الأحمر بأبعاد استراتيجية؛ قد تعيد تشكيل شكل الشرق الأوسط وعلاقات شعوبه، وهذا يمنح الاتفاق الإبراهيمي صفة "التحوّلية"؛ لما ينطوي عليه من ممكنات مُؤَهلة لخلق ديناميكيات جديدة في الشرق الأوسط.

منطلقات الإمارات ودوافعها

لقد بات معروفاً أن الإمارات انطلقت في توجهها نحو عقد معاهدة سلام مع إسرائيل من جملة من الدوافع والأسباب والمحفزات، أولها الإسهام قدر المستطاع في إنقاذ ما تبقى من حل الدولتين وتعزيز الاستقرار الإقليمي، ومنع ضم نحو 30% من أراضي الضفة الغربية المحتلة، التي يتطلع الشعب الفلسطيني إلى إقامة دولته المستقلة عليها.

أما البعد الثاني، فيتعلق بالبعد الجيواستراتيجي، فالاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي من شأنه تعزيز العلاقات الدفاعية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، ما يُعزز موقع الإمارات الإقليمي، ويرسّخ الطابع الاستراتيجي في علاقات الإمارات في الإقليم ومع دول العالم المهمة. لقد كانت صفقة طائرات إف-35 للإمارات منسجمة مع هذه الرؤية. وفي غضون ذلك، أصبحت إسرائيل الدولة رقم 21 في قائمة الدول التي تشملها عمليات القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، بعدما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، في الخامس عشر من يناير 2021، ضم إسرائيل إلى منطقة قيادتها المركزية في الشرق الأوسط. وهذا التحول وانتقال إسرائيل من القيادة الأمريكية الأوروبية (إيكوم) إلى (سنتكوم) على صِلة وثيقة بتوقيع الاتفاق الإبراهيمي للسلام بين الإمارات وإسرائيل، ما يكرّس صفة "التحولية" للاتفاق الإبراهيمي، ونشوء واقع جديد في المنطقة، شجّع تنفيذ المطالب القديمة بضم إسرائيل إلى (سنتكوم)، وما يحمله من دلالات على بيئة الأمن الإقليمي. وقد أخذ الربط بين أمن البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط ومنطقة الخليج يزداد قوة في أعقاب الاتفاقيات الإبراهيمية، وصارت استراتيجية "تقاسم العبء" الأمريكية تتضمن فرصاً وإمكانات عملية جديدة.

وقد تكون المعاهدة الإماراتية-الإسرائيلية رسالة ردع قوية، لكن أهمية هذه الرسالة تكون بقدرتها على تسهيل الحلول الدبلوماسية لأزمات المنطقة، وإعادة ترتيب أوراقها باتجاه توسيع الحوار الإقليمي، وإدارة الأزمات وليس زيادة تفاقمها.

ومع أن تفاعلات المسألة الإيرانية ستأخُذ في الاعتبار التغيرات في المشهد الإقليمي الناجمة عن الاتفاقيات الإبراهيمية، فقد أكدت الإمارات أن اتفاق السلام الإبراهيمي ليس موجَّهاً ضد أي طرف في المنطقة، وأنّ هذا القرار الاستراتيجي اتُّخذ بناءً على ما يحقق مصالح دولة الإمارات، ويسهم في بناء السلام في المنطقة وتعزيز الاستقرار، وتبني الحلول السلمية للنزاعات. كما أكدت الإمارات أنها لا تقدّم بديلاً عن الفلسطينيين، وأنّ هناك حاجة إلى مزيد من الجهود؛ للبناء على الزخم الذي أنشأه الاتفاق؛ للوصول إلى حل الدولتين.[3]

أما البعد الثالث في منطلقات الإمارات ودوافعها، فيتعلق بالمكانة الاقتصادية لدولة الإمارات بوصفها ثاني أكبر اقتصاد عربي وثالث أكبر اقتصاد شرق أوسطي، ما يعني أننا نتحدث عن دولة ليست كبيرة بمعايير المساحة والسكان، لكنها تمتلك اقتصاداً إقليمياً، وتطمح من خلال توسيع شبكة علاقاتها الدولية، وآخرها توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، إلى أن تكون منصة اقتصادية دولية في المنطقة، ومن خلال مزيد من التشبيك مع الاقتصاد العالمي، وخاصة الأمريكي. هذا ما أشار إليه المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، وربما هو أيضاً ما قصده في تعليقه على قرار الإمارات إقامة علاقات مع إسرائيل، حين قال إن "القرارات الاستراتيجية تَحوّليّة ولها وقعها وتأثيرها، وقرار الإمارات مستقبليّ ويعزز موقعها وتنافسيتها".[4]

ومنذ أن قامت الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل بتطبيع العلاقات الثنائية العام الماضي ضمن "الاتفاقيات الإبراهيمية" التي تمت بوساطة أمريكية، عقد البَلدان منذ ذلك الحين صفقات تجارية ووقّعا على عديد من اتفاقيات التعاون بما تصل قيمته إلى أكثر من 830 مليون دولار، وبدآ محادثات بشأن اتفاق للتجارة الحرة، وسبق أن وقعّا اتفاقات تغطي قطاعات السياحة والصحة والاستثمار والتعاون في مجالات من الطاقة إلى التكنولوجيا، وهناك نحو 500 شركة إسرائيلية تقيم صفقات تجارية مع الإمارات.[5]

وعلى مدى ستة أشهر (من الأول من أكتوبر 2021 وحتى نهاية مارس 2022) ستستضيف دولة الإمارات معرض إكسبو 2020 دبي، وهو حدث عالمي كبير ستحضره أكثر من 195 دولة. وثمة "مشاركة إسرائيلية في هذه المنصة العالمية لتشكيل مستقبل ما بعد COVID-19 ومواصلة السير على طريق التنمية المستدامة".[6]

وخلال الشهور الماضية، تم توقيع العشرات من اتفاقيات الشراكة ومذكرات التفاهم بين الجانبين، منها شراء شركة مبادلة للاستثمار بقيمة مليار دولار لحصة Delek المدرجة في تل أبيب في حقل غاز إسرائيلي، ومنها اتفاقية الشراكة التي وقعتها "موانئ دبي العالمية" في سبتمبر 2020 مع "بنك لئومي" الإسرائيلي، كما وقعت "موانئ دبي العالمية" مع شركة "دوفرتاور" الإسرائيلية سلسلة من الاتفاقيات للتعاون في مجالات الشحن وتطوير الموانئ، وإقامة مناطق حرة، إلى جانب التقدم بعرض مشترك في خصخصة ميناء حيفا الإسرائيلي، ومساهمة جمارك دبي في تسهيل التجارة بين المؤسسات الخاصة بين الجانبين من خلال تطبيق أفضل الممارسات الجمركية المبتكرة، إضافةً لاستكشاف "الأحواض الجافة العالمية" وإتاحة فرص العمل مع أحواض بناء وإصلاح السفن الإسرائيلية على مبدأ المشاريع المشتركة لتطوير وتصنيع وتسويق منتجات أحواض بناء وإصلاح السفن، حيث تمثل صناعة الشحن والخدمات اللوجستية، ذات التنافسية العالية وسريعة النمو، دورًا محورياً في دعم التجارة إقليمياً وعالمياً، وتعد مساهماً رئيسياً في نمو الاقتصاد العالمي.[7]

وكانت إسرائيل قد أبدت اهتماماً متزايداً بعمليات الشحن والتفريغ بميناء جبل علي في دبي وقدرته الفائقة على التعامل والوصول إلى أسواق كالهند، وباكستان، وبنغلاديش، وسريلانكا، والدول المجاورة لها، حيث يتجاوز العدد الإجمالي للسكان في هذه الأسواق، ملياري نسمة، بالإضافة إلى قدره الميناء على الوصول إلى أسواق عالمية جديدة.[8]

وثمة طموح إماراتي في زيادة العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل إلى أكثر من تريليون دولار على مدى العقد المقبل، بحسب وزير الاقتصاد الإماراتي عبد الله بن طوق.[9]

أما البعد الرابع، فيرتبط بتخطيط الإمارات المستقبلي المتعلق بمواجهة التحديات والبحث عن الفرص في مجالات الأمن الغذائي والصحي وتعزيز الإمكانات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، وهو أمر فتحت جائحة كورونا مزيداً من الأعين والعقول حوله، وكل ذلك يتطلب مزيداً من التنويع في شبكة التحالفات والشراكات الدولية، على نطاق الدول أو المؤسسات الدولية الكبرى.

تحديات سياسية قد تخلق الفرص

كانت حرب غزة الرابعة في مايو 2021، والتي استمر فيها النزاع بين إسرائيل وحركة حماس 11 يوماً، أعقبها وقف لإطلاق النار بوساطة مصرية...كان هذا الحدث من أكبر الاختبارات التي واجهت الاتفاقيات الإبراهيمية. جاءت حرب غزة الرابعة بعد أحداث حي الشيخ جرّاح في القدس الشرقية المحتلة وبعد الصدامات مع الشرطة الإسرائيلية وعناصر من مجموعات يهودية دينية متطرفة من جهة ومواطنين فلسطينيين من جهة أخرى في حرم المسجد الأقصى في القدس الشرقية في شهر رمضان المبارك. وبرغم الأضرار التي حدثت والحملة الإعلامية العدائية ضد الأطراف العربية التي وقعت على الاتفاقيات الإبراهيمية، صمدت الاتفاقيات الإبراهيمية، وظهر أن قرار إبرامها ذو طابع استراتيجي راسخ.

وعلى صِلة بهذا الحدث وما يشكله من تحدٍّ سياسي بارز، قال وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، في حديثه لموقع "والا" الإخباري الإسرائيلي في نهاية يونيو 2021: "أعتقد بأن إسرائيل ستحل المشكلة الفلسطينية عاجلاً أم آجلاً. فهي لا تضر بصورة إسرائيل فحسب ولكنها تثير أيضاً شكوكاً إزاء مستقبلها. هذا تحد كبير لكم (للإسرائيليين)".[10]

وبرأي الإمارات فإن التحدي لا يزال قائماً بشأن كيفية إشراك السلطة الفلسطينية والفلسطينيين في عملية السلام الجديدة، والوصول إلى إنهاء الاحتلال ووقف بناء المستوطنات. والحقيقة أنه "في منطقة بها العديد من النزاعات التي غالبًا ما تبدو مستعصية تمامًا، قلبت اتفاقيات إبراهيم ما بدا أنه وضع مستعصٍ لصالح التعايش. ومع ذلك، فإن جزءًا من روح الاتفاقات هو الاعتراف بأنه لا يزال هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به، من بينها استمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية. والحوار الذي يؤكد الكرامة والاحترام المتبادل على جانبي الانقسام الفلسطيني الإسرائيلي، ضروري لتشكيل الإرث الدائم لاتفاقات إبراهيم. وحتى الآن، بعد مرور عام، لم يتوقف الزخم الذي بدأته الاتفاقات عن الظهور".[11]

ومع هذه التحديات وغيرها، يظل يتكرر التساؤل عمن سيلحق من دول المنطقة بركب إقامة علاقات رسمية وعلنية مع إسرائيل. والحقيقة، أنه مع أن اللحظة الحالية هي لحظة ترقّب، فإن هذا الأمر وارد بكل تأكيد، وقد يكون احتماله أكبر والعقبات التي أمامه أقل، في حال تمّ تقديم نماذج إيجابية في المنطقة عن ثمار وفوائد تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول عربية، وهو مرتبط في الوقت نفسه بتقليص البصمة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وما يشكله من تحديات وفرص لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ومرتبط أيضاً بكسر الجمود في عملية السلام وإعادة إحياء المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتخفيف حدة التوتر ووقف الأعمال العدائية والإجراءات الأحادية. ويمكن التخمين بأن أي محاولة لإعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية سيكون ملف التطبيع مع إسرائيل حاضراً فيها.

من جانبها، تسعى إسرائيل إلى عقد اتفاقات مماثلة مع دول أخرى في المنطقة، وبحسب المدير السابق لقسم الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الإسرائيلية، حاييم ريجيف، فإن إسرائيل تحافظ على شكل من أشكال الاتصال مع جميع الدول العربية، بما فيها تلك المصنفة رسمياً على أنها "معادية".[12]

إن مثل هذا التحدي على اتصال وثيق بموقف إدارة الرئيس جو بايدن، التي أعلنت تأييدها للاتفاقيات الإبراهيمية ودعت إلى توسيعها[13]، كما أعلنت دعم حل الدولتين، لكن لم يظهر حتى الآن، كيف يمكن للإدارة الأمريكية (التي لديها أولويات داخلية وخارجية أكثر إلحاحاً) توظيف زخم الاتفاقيات الإبراهيمية في الاقتراب من حل الدولتين، وجعله قابلاً للتحقق وليس أمراً مستحيلاً فات أوانه، كما يقول عدد كبير من المحللين والخبراء.

ومن التحديات أمام الاتفاقيات الإبراهيمية الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني، واستغلال قيادات سياسية وأحزاب وجماعات لأجواء الصراع المحتدم؛ من أجل غايات انتخابية وحشد شعبي وحزبي ضيق على حساب مستقبل الناس العاديين، ممن يدفعون كلفة سياسات المتشددين، على طرفي الصراع. كما أن هناك أطرافاً ولاعبين إقليميين في المنطقة غير راضين عن الاتفاقيات الإبراهيمية، وهم يرغبون في -أو يعملون على-تقويضها.

الاتفاق الإبراهيمي له صفة استراتيجية من التعاون والشراكة الإقليمية التي لن تضمحل حوافزها ودوافعها بمجرد توقيع اتفاق بين إيران والولايات المتحدة. الاتفاق الإبراهيمي يتجاوز في مضامينه الاستراتيجية تعزيز الردع إلى ترسيخ بيئة إقليمية مزدهرة ومتطورة وأكثر استقراراً وجذباً للاستثمارات والتجارة. أعتقد أن الدوافع الاستراتيجية التي قادت إلى توقيع الاتفاق الإبراهيمي ما تزال قوية، ولن تتأثر كثيراً بأي صفقة نووية جديدة مع إيران.

وفي غياب الحلول السحرية، لا بديل عن العمل الدبلوماسي الثنائي ومتعدد الأطراف لتفكيك هذه العقبات وتذليلها بكل إصرار وصبر وحكمة، وإنتاج ما قد تقود إليه من فرص؛ عبر خلق الأمل لدى المؤمنين بالحلول السلمية والتسويات العادلة، من خلال جني ثمار حقيقية من هذه الاتفاقيات، ما من شأنه تهميش أصوات من يتمسكون بسردية الصراع الأبدي مع الآخر.

من جهة أخرى، فإن استقرار العملية الانتخابية والسياسية التي تحكم إسرائيل كانت تحدياً تمّ احتواؤه في عهد بنيامين نتنياهو، لكنه أثار جدلاً أو تداعيات بشأن إدارة وترتيبات العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فمثلاً "بعد تسعة أشهر (من توقيع الاتفاق مع الإمارات)، كان الوزير الإسرائيلي الوحيد الذي قام بزيارة أي من دول اتفاقيات إبراهيم الأربعة هو وزير المخابرات السابق إيلي كوهين في السودان. لم يزر أي شخص (خلال التسعة أشهر الأولى) دولة الإمارات العربية المتحدة، التي كانت العمود الفقري لاتفاقات إبراهيم. السبب هو أن نتنياهو أراد أن يذهب أولاً"[14]، لغايات انتخابية وشخصية بالدرجة الأولى. ويبدو أن حكومة بينيت-لبيد واعية لهذه الأمر، وتعمل على تسريع التواصل مع الدول الأربعة التي وقّعت الاتفاقيات الإبراهيمية، إضافة إلى تعميق المشاورات مع كل من مصر والأردن للدفع باتجاه تخفيف حدة التوتر، وضمان ظروف أفضل تحفّز على التهدئة والتعاون المشترك.

تحديات تجارية واستثمارية

لقد جرت خلال العام الأول من توقيع الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل المصادقة على العديد من الصفقات والاتفاقيات التجارية والاستثمارية، ولولا أجواء كوفيد-19 لكانت التفاهمات أكثر زخماً بالتأكيد. ومع ذلك واجه البلدان تحديات وعقبات في بعض المشاريع الاستثمارية الاستراتيجية المهمة، ومثال ذلك المشروع/الصفقة بين شركة خطوط الأنابيب الأوروبية الآسيوية، وهي شركة مملوكة للحكومة الإسرائيلية، وميد-ريد لاند بريدج، وهو مشروع إسرائيلي إماراتي مشترك كان من المفترض أن يحول إيلات إلى محطة في مسار النفط الإماراتي المتجه إلى الأسواق الغربية. هذا المشروع ما يزال معلّقاً؛ وذلك في ظل اعتراضات من الجماعات البيئية في إسرائيل.[15]

وبخصوص تصريحات وزير الاقتصاد الإماراتي، عبد الله بن طوق، المتعلقة بالطموح في زيادة العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل إلى أكثر من تريليون دولار على مدى العقد المقبل، تلفت وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية إلى تحدٍّ يواجه هذا الطموح؛ حيث تشير بيانات الوكالة الأمريكية إلى أن "إجمالي تجارة الإمارات مع أكبر 15 شريكًا تجاريًا لها في العام الماضي (2020) بلغ ما يزيد قليلاً على 260 مليار دولار،و في الوقت الحالي، ليست إسرائيل من بين أكبر الشركاء التجاريين لدولة الإمارات العربية المتحدة، ولم يكن من الواضح كيف سيصلون إلى هذا الهدف".[16]

إذا أردنا الإشارة العاجلة إلى باقي الدول العربية التي وقعت اتفاقيات مع إسرائيل بعد الإمارات، فيمكن أن نذكر أنه في مارس 2021، عينت الحكومة البحرينية خالد يوسف الجلاهمة كأول سفير لها في إسرائيل، برغم أن سفارتها لم تفتح بعد. وقد توجه وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد إلى المغرب لافتتاح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط منتصف أغسطس 2021، معلناً أن البلدين سيقيمان علاقات دبلوماسية كاملة ويفتحان سفارات في غضون شهرين.

ومع الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، "فلا تزال التجارة بين المغرب وإسرائيل منخفضة نسبيًا، ومن المتوقع أن تزداد. كما لا تزال العلاقات التجارية بين السودان وإسرائيل محدودة للغاية، والتجارة بينهما لا تصل إلى إمكاناتها".[17]

ومن الخطوات الجزئية التي اتخذت لتخطي هذه المحدودية، تعتزم شركة "إل عال" للطيران الإسرائيلية، طرح ثلاث رحلات أسبوعية بين تل أبيب ومراكش، على متن طائرات بوينغ "737-900ER" التي تسع لـ 16 راكباً بدرجة الأعمال و159 آخرين بالدرجة الاقتصادية. وابتداء من 10 أغسطس 2021، بدأت الشركة بتنظيم ثلاث رحلات أسبوعية نحو مطار "محمد الخامس" بمدينة الدار البيضاء، حيث يُتوقع ارتفاع عدد السياح الإسرائيليين للمغرب إلى 200 ألف سنوياً، من متوسط 50 ألفاً سابقاً.[18]

الخلاصة

برغم التحديات الواقعية أمام الاتفاق الإبراهيمي للسلام، فقد خلق فرصاً جديدة للتعاون ومحاولة خلق واقع إقليمي جديد، يسعى إلى تعزيز عناصر الاستقرار والتنمية والتعايش وتخفيف التوترات في الإقليم. وقرار الإمارات إقامة علاقات مع إسرائيل له صفة استراتيجية "والقرارات الاستراتيجية تَحوّليّة ولها وقعها وتأثيرها، وقرار الإمارات مستقبليّ ويعزز موقعها وتنافسيتها".

وبعد مرور عام على الاتفاقيات يبدو أن الدوافع الاستراتيجية التي قادت إلى توقيع الاتفاق الإبراهيمي ما تزال قوية وراسخة، بل ثمة رغبة مشتركة بين أطرافه لتوسيع مظلة الفرص التي تنطوي تحت هذا الاتفاق، خاصة بين الإمارات وإسرائيل.

 

 

[1] UAE disappointed over US failure to use ‘Abraham accords’ term, Anadolu Agency , 30 June 2021: https://bit.ly/3tDmV7L

[2] UAE Eyes $1 Trillion Economic Activity With Israel Over 10 Years, Bloomberg, 13 Sep 2021: https://bloom.bg/2VFAGWS

 

[3]  تصريحات لوزير الدولة الإماراتي خليفة شاهين المرر لدى مشاركته في ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السابع الذي أقامه مركز الإمارات للسياسات في نوفمبر 2020: https://bit.ly/3jpHKjo

[4]  تغريدة لأنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، تويتر، 17 أغسطس 2020: https://bit.ly/3nrcH9q

[5]  عام "ناجح جداً"... حجم التبادل التجاري بين إسرائيل والإمارات بالأرقام، فناة الحرة، 9 أغسطس 2021: https://arbne.ws/3931i7y

[6] H.H. Sheikh Abdullah bin Zayed receives Israeli FM on his first visit to UAE, MOFAIC, 30 June 2021: https://www.mofaic.gov.ae/en/mediahub/news/2021/6/30/30-06-2021-uae-minister

[7]  مليار درهم حجم التبادل التجاري بين دبي وإسرائيل خلال 5 أشهر، وكالة وام، 30 يناير 2021: https://bit.ly/390iKt1

[8]  المصدر السابق

[9] UAE Eyes $1 Trillion Economic Activity With Israel Over 10 Years, Bloomberg, 13 Sep 2021: https://bloom.bg/2VFAGWS

[10] Israel seeks to extend new Gulf ties to all Middle East, says Lapid, Reuters, 30 June 2021: https://reut.rs/3gCrPwm

[11] A year on, the Abraham Accords continue to advocate for Palestinian-Israeli peace, The National, 12 Aug 2021: https://bit.ly/3koDn7z

[12] Lazar Berman, Israel in contact with most Arab countries, including Iraq — senior diplomat, The Times of Israel, 5 Aug 2021: https://bit.ly/3A8xfXS

[13]  في الذكرى السنوية الأولى... واشنطن تتطلع لتوسعة اتفاقيات إبراهيم، قناة الحرة، 15 سبتمبر 2021: https://arbne.ws/3AezGIv

[14] Lahav Harkov, New government in Jerusalem keeps Israel's enthusiasm for UAE, JPOS, 1 July 2021: https://bit.ly/3DnRXFk 

[15] Secretive Israel-UAE oil deal endangers prized Eilat corals, AP News, 14 Aug 2021: https://bit.ly/3mBkP6H

[16] UAE Eyes $1 Trillion Economic Activity With Israel Over 10 Years, Bloomberg, 13 Sep 2021: https://bloom.bg/2VFAGWS

[17] Roie Yellinek, The Abraham Accords one year on, Middle east institute, 19 Aug 2021: https://bit.ly/38c94LT

[18]  تطبيع المغرب وإسرائيل... الاتفاقيات تسرع وتيرته (إطار)، وكالة الأناضول، 13 أغسطس 2021: https://bit.ly/3AcxO2Y

أحدث المواضيع المميزة

الإدارة الأمريكية للأزمة الليبية: الحسابات والتحديات

مركز الإمارات للسياسات | 19 أكتوبر 2021

هل تنشب حرب روسية-تركية في إدلب؟

مركز الإمارات للسياسات | 12 أكتوبر 2021