زيارة الكاظمي لإيران: السيادة العراقية مقابل المساعدة الاقتصادية

مركز الإمارات للسياسات | 03 أغسطس 2020

قام رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بزيارة إيران في 21 يوليو 2020، وهي أول زيارة خارجية له بعد توليه منصبه، وجاءت إثر تأجيل زيارته التي كانت مقررة إلى المملكة العربية السعودية بسبب دخول العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، المستشفى. وتأتي زيارة الكاظمي لطهران في سياق ديناميكية سياسية عراقية مختلفة عن السابق، ترتكز على تحقيق السيادة العراقية ومطالبة إيران بضبط الفصائل الموالية لها في العراق في مقابل استمرار لعب العراق دور الرئة الاقتصادية لإيران.

التوجُّس الإيراني من الكاظمي

للمرة الأولى بعد العام 2003 تجد إيران نفسها أمام تحدٍّ كبير في مواجهة حكومة عراقية جاءت بها تطورات سياسية واجتماعية داخلية مستندة إلى احتجاجات شعبية واسعة غيّرت وجه العملية السياسية، كان أحد مظاهرها الرفض الشعبي الواسع للهيمنة الإيرانية، وتحميلها جزءاً كبيراً من مسؤولية الفوضى وتراجع الدولة العراقية على مدى العقدين الماضيين.

يُعد الكاظمي مُناهِضاً صريحاً للنفوذ الإيراني في بلاده ولاختلال التوازن في العلاقات بين البلدين، وارتكز برنامجه الحكومي على أهداف تعزيز السيادة العراقية واستعادة هيبة الدولة وحصر السلاح بيد الدولة، واستهل حكمه باعتقال عناصر من "كتائب حزب الله في العراق"، أقوى الميليشيات الولائية في البلاد والتي تَعتبر نفسها الجسم الرئيس لما يسمى "محور المقاومة" الشيعية، وهو المحور الذي يتهم الكاظمي صراحةً بالتورط في مقتل قائد الحرس الثوري السابق قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة "الحشد الشعبي" وقائد "كتائب حزب الله" أبو مهدي المهندس.

عملياً، بدأ الفريق العراقي الموالي لإيران بإزعاج الكاظمي؛ سياسياً عبر قيام تحالف "الفتح" بزعامة هادي العامري وائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي بجمع تواقيع لاستدعائه في البرلمان؛ وأمنياً عبر إعلان الفصائل المسلحة صراحةً رفضها الكاظمي وسعيها إلى إحراجه وإثبات أنه لا يملك أي سلطة وذلك من خلال قصف المنطقة الخضراء بصواريخ الكاتيوشا، والقيام بعمليات اغتيال واختطاف واستعراض للقوة في الشوارع.

في هذه الظروف استقبلت إيران الكاظمي، مدركةً أنها تواجه رئيسَ وزراء مختلفاً عمن سبقه، مدعوماً بقاعدة شعبية وسياسية واسعة، ومستنداً إلى سياسة خارجية جديدة تلوذ بالمحيط العربي والخليجي، ولهذا كان خيار الكاظمي زيارة المملكة العربية السعودية أولاً قبل إيران؛ ما أثار سخط الأخيرة التي أوفدت إلى بغداد وزير خارجيتها محمد جواد ظريف في 19 يوليو، في زيارة وصفتها الدوائر السياسية العراقية بالغريبة والمفاجئة؛ إذ كان من المقرر أن يزور الكاظمي طهران بعد زيارة السعودية مباشرة، فلماذا ترسل مسؤولاً رفيع المستوى إلى العراق بينما رئيس وزرائه سيزورها بعد ثلاثة أيام؟

مضامين زيارة الكاظمي

كان التوتر والندية عنوان زيارة الكاظمي لطهران؛ فقد استقبلته إيران بينما يقود فريقها العراقي حملةً سياسية وإعلامية واسعة ضده، في حين اتخذ الكاظمي موقفاً حذراً في تصريحاته ومواقفه بعيداً عن المجاملات التي عادة ما يستخدمها المسؤولون العراقيون لدى زيارتهم طهران، وتقصَّد الكاظمي وضعَ شارة العلم العراقي على سترته طوال فترة لقاءاته مع المسؤولين الإيرانيين، وبينهم القائد الأعلى علي خامنئي.

وأظهرت زيارة الكاظمي عُمقَ الأزمات التي تواجه إيران، والانقسامَ الأكثر وضوحاً بين التيار الإصلاحي الذي يمثله الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف، والتيار المتشدد الذي يقوده خامنئي ورئيس مجلس الشورى (البرلمان) محمد باقر قاليباف، فيما يتعلق بالسياسة إزاء حكومة الكاظمي. وتَبدى من الزيارة المعطيات الآتية:

  1. تفيد مصادر سياسية قريبة من الكاظمي رافقته أثناء الزيارة أنه تحدث صراحةً عن المساعدة الاقتصادية التي يقدمها العراق لإيران، وحجم الضغوط التي تواجه بغداد بسبب هذا الموقف واقترابها من حافة الهاوية في الخضوع لعقوبات اقتصادية قد تُودي بالعراق إلى الانهيار. وبسبب ذلك فإنه يجب على إيران أن تدعم توجه الحكومة العراقية لتعزيز سلطة الدولة، وضبط الفصائل الموالية لها، ورفع يدها عن إجراءات الحكومة الإصلاحية الأخيرة، وبينها مراجعة قوائم أعداد "الحشد الشعبي" لكشف آلاف الأسماء الوهمية التي تتسلم مرتبات كبيرة، وإلغاء مزدوجي الرواتب من فئات معتقلي رفحاء والسجناء والشهداء السياسيين الذين يشكلون عملياً جمهورَ القوى السياسية والفصائل العراقية الموالية لإيران.
  2. عرض الكاظمي على الإيرانيين مقترحاً للتوسط بينهم وبين الولايات المتحدة، يتناول على الأقل الملفات العراقية المختلف عليها بين طهران وواشنطن، بشرط أن تتخذ إيران خطوات مشجعة في تخفيف سياساتها التدخلية في العراق والمنطقة.
  3. قال الكاظمي في مؤتمره الصحفي مع روحاني إن "الشعب العراقي توّاق لعلاقات تعاون مع إيران وفق خصوصية كل بلد، ووفق مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية"، فيما ركز روحاني على رغبة حكومته الشديدة في "زيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى 20 مليار دولار سنوياً"، وإعادة فتح المنافذ الحدودية مع العراق لاستئناف الصادرات التي توقفت بسبب جائحة كورونا، والتي تشكّل مورداً لا يُستهان به لإيران، فيما لم يُعطِ الكاظمي وعوداً كبيرة في هذا الصدد، بل أبلغهم صراحةً أن الوضع الاقتصادي في العراق هو الآخر ليس على ما يرام، وأن العراق يدرك جيداً أن الميزان التجاري يميل إلى مصلحة إيران وقد ساهم ذلك في تخفيف حدة أزمتها الاقتصادية، وأن أي وعود بتعزيز التعاون التجاري ستكون مقرونةً من جانب إيران بدعم مساعي العراق في مواجهة الدولة العميقة والفصائل المسلحة المنفلتة في العراق.
  4. كان لقاء الكاظمي بعلي خامنئي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف كلٍّ على حدة، متشنجاً؛ إذ لم يُخفِ خامنئي استياءه من التطورات السياسية الأخيرة في العراق، خلال تطرقه لحادثة قتل قاسم سليماني، وتهديده بأن "بلاده ستوجه ضربة لأمريكا رداً على قتل سليماني"، وموجهاً اللوم إلى رئيس الحكومة العراقية عندما قال له: "لقد قتلوا ضيفك في بيتك"، ومشدداً على "ضرورة إخراج القوات الأمريكية من العراق"، وهو أمر لا تتفاعل معه حكومة الكاظمي، بل إن الكاظمي وقبل أسبوعين من زيارته طهران الْتقى كينيث ماكينزي، قائد القيادة المركزية الأمريكية، وأبلغه أن وجود القوات الأمريكية والتحالف الدولي في العراق خاضعٌ لحاجة العراق في مكافحة الإرهاب، لا وفق إجراءات سياسية قد يفرضها البعض.
  5. رفَض الكاظمي لقاء قائد فليق القدس الإيراني إسماعيل قاءاني الذي كُلِّف بإدارة ملف العراق خلفاً لقاسم سليماني، وفيما أكد موقع "آوا توداي" الإيراني المعارض ذلك أيضاً، كشف الموقع أن خامنئي حاول التأثير في الكاظمي بهدف إقناعه بتحويل 6 مليارات دولار من أموال إيران المجمدة في العراق، والتي يتعلق معظمها ببيع الكهرباء والغاز الإيراني إلى العراق من خلال البنوك الصينية، لكن الكاظمي قال: إنه لا يستطيع العمل من خلال البنوك الصينية خوفاً من العقوبات الأمريكية.

الوساطة العراقية بين طهران وواشنطن

يدرك الكاظمي أن نجاحه في مهمته الصعبة في قيادة البلاد في هذا الظرف الاستثنائي يتوقف في جزء كبير منه على تبريد الصراع بين طهران وواشنطن، بل إن جزءاً كبيراً من نجاح سياسته الداخلية والشروع في اصلاح سياسي ومالي يعتمد على ذلك أيضاً، وفيما يُعد العراقُ ميدانَ هذا الصراع، فإنه الأكثر تأهيلاً للقيام بوساطة بين الجانبين، وحتى بين طهران ودول الخليج.

وعلى الرغم من ترحيب وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف بالوساطة العراقية مع المملكة العربية السعودية، خلال وجوده في موسكو أثناء زيارة الكاظمي لطهران، وإعلان بعض القيادات الإيرانية عن ارتياحها لأي مبادرة عراقية بهذا الخصوص، إلا أن الجانب العراقي لم يَصدر عنه أي موقف أو تعليق بشأن فكرة الوساطة. ويمتلك العراق في هذا الصدد أوراقاً تفاوضية مهمة، كالآتي:

  1. يمكن للعراق التفاوض بين الطرفين حول القضايا المتعلقة بالعراق على أقل تقدير؛ إذ تسعى طهران إلى ضمان استقرار نسبي في العراق يضمن تدفق البضائع وزيادة صادراتها إليه طامحة ببلوغها 20 مليار دولار سنوياً، ومقابل ضمان استمرار التجارة بين البلدين تستطيع بغداد فرض شروط متعلقة بدور إيران في العراق، وأهمها ضمان عدم إثارة الولايات المتحدة وتهديدها داخل العراق، إذ إن جزءاً كبيراً من ضمان التبادل الاقتصادي بين طهران وبغداد مرتبطٌ بالإعفاءات الأمريكية الممنوحة لبغداد حول العقوبات المفروضة على طهران، وأن إلغاء هذه الإعفاءات التي تحرص واشنطن على تمديدها لفترات قصيرة، يعني توقف الصادرات الإيرانية إلى بغداد بنسب كبيرة.
  2. في المقابل فإن واشنطن تسعى إلى ضمان وجود عسكري لها في العراق، وتعزيز الشراكات السياسية والاقتصادية مع العراق، وأن تحقيق ذلك يتطلب تخفيف نبرتها تجاه طهران التي تدفع حلفاءها السياسيين والفصائل المسلحة إلى الضغط لطرد القوات الأمريكية من البلاد بشكل كامل، عبر إجراءات في البرلمان وعبر استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في العراق. وبينما ستُستأنف نهاية الشهر الحالي الجولة الثانية من الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، فإن الوجود العسكري الأمريكي يمثل أولويةً لواشنطن، ولابد لبغداد من عرض تسوية حول قضية الوجود العسكري الأمريكي في العراق ضمن حزمة ملفات متعلقة بالجانب الإيراني.

الخلاصة والاستنتاجات

يَمر النفوذ الإيراني في العراق في أصعب حالاته، إلى جانب الأزمة الاقتصادية التي أوقفت الدعم المالي لأذرعها في العراق والمنطقة، كما أن شعوراً عراقياً، سياسياً وشعبياً، يتنامى بشكل قوي في التذمر من طهران ودورها في البلاد، ويهيئ هذا الوضع فرصةً جديدة لتحجيم نفوذ إيران؛ فللمرة الأولى تتفق الرئاسات العراقية الثلاث (الجمهورية والحكومة والبرلمان) على هذا الهدف، والذي يعززه حجم التذمر الشعبي المتصاعد ضد طهران.

ويحتاج العراق الآن أكثر من أي وقت مضى إلى الدعم من المجتمع الدولي في مساعيه الراهنة، وفيما تدرك واشنطن هذه الفرصة، لم تُخفِ دعمها للفريق الحكومي العراقي في مقابل الحث على دعم مماثل من المحيط العربي والخليجي، وأفضل ما يمكن أن يُترجم هذا الدعم هو الاقتصاد؛ إذ إن الوضع الاقتصادي العراقي على حافة الانهيار بسبب التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا وتراجع أسعار النفط، وتقديم عروض اقتصادية وتجارية إلى العراق، مثل الاستثمار في حقول الغاز والربط الكهربائي والاستثمارات الأخرى، يعزز ارتباط العراق بدول الخليج.

وبسبب عمق الأزمة التي تواجه النظام الإيراني، فإن طهران لم تعد تعترض على حصول العراق على دعم من الولايات المتحدة والخليج، لإدراكها خطورة الوضع في العراق، وأن انهيار الاقتصاد العراقي سيؤدي إلى كارثة ليس للعراق وحده بل لإيران أيضاً، وكان لافتاً للنظر أن إيران لم تعترض على الربط الكهربائي بين العراق والسعودية، بينما رفضته قبل عامين خلال فترة حكومة عادل عبد المهدي.

ويمكن اعتبار حكومة الكاظمي فرصةً مهمة لتسجيل نقاط في المسعى الغربي والعربي/الخليجي لتحجيم نفوذ طهران في العراق؛ فالرجل ثبَّت قواعده وأعلن أهدافه في رفض الهيمنة الإيرانية، فيما سيكون هامش مناورة الإيرانيين في هذا الصدد محدوداً جداً، قياساً بما كانت تمتلكه من نقاط قوة خلال السنوات الماضية.

وستحدد الزيارات المرتقبة للكاظمي إلى كلٍّ من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة في شهر أغسطس الجاري، مسارات السياسة في العراق، وستلعب دوراً في منح الكاظمي الدعم الكافي لمواصلة جهود حكومته، أو التخلي عنه وجعل مساعيه مجرد محاولات بلا نتائج. وبينما يتصدر عنوان الدعم الاقتصادي في مجال الطاقة والاستثمارات عنوانَ الزيارة إلى السعودية، ستحدد الزيارة إلى واشنطن الوضعَ الأمني في البلاد عبر التوافق على دور القوات الأمريكية المقبل في البلاد.

أحدث المواضيع المميزة