نزاع الأسد-مخلوف: خلفياته وأبعاده

مركز الإمارات للسياسات | 18 مايو 2020

يشكّل النزاعُ الحاصل بين رئيس النظام السوري بشار الأسد ورجل الأعمال الأكبر في سوريا، رامي مخلوف، متغيراً جديداً في سياسة النظام السوري وطريقة تعاطيه مع المشاكل التي تحصل داخل الدائرة الضيقة لصنع القرار. ورغم أن رامي مخلوف ليس له صفة سياسية، ولا مكانة محدّدة ضمن تراتبية السلطة السورية، إلا أنه لم يكن خافياً أنه بالإضافة إلى عامل القرابة الذي يجمعه بالرئيس الأسد، فإنه يمثل مركزاً اقتصادياً قوياً، لعبت سياسة النظام دوراً كبيراً في وصوله لهذا المكانة، ما يجعل ارتباطه بمنظومة الحكم السوري ارتباطاً عضوياً. وما يثبت ذلك أن رامي مخلوف استفاد بدرجة كبيرة من التحوّل الاقتصادي الذي حصل في سوريا في عهد الأسد الابن، أي الانتقال من الاقتصاد المخطّط إلى اقتصاد السوق، والذي استلزم صدور مئات المراسيم الرئاسية لتجهيز البنية القانونية والسياسية له.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على خلفيات النزاع الحاصل بين الرجلين، وموقف روسيا منه بوصفها اللاعب الأكثر تأثيراً في السياسات السورية.

تسجيلات مخلوف: الخلفية والأهداف

يتمثل الخلاف الظاهر بين مخلوف والأسد بمطالبة "الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد" مخلوف بأن يدفع "مبالغ مستحقة لخزينة الدولة تبلغ 233 مليار ليرة سورية" (334 مليون دولار)، بدل تهرب ضريبي وإخفاء أرباح عن سنوات سابقة، كانت تنبغي مشاركتها مع الحكومة من اتفاق تقاسم عائدات ضمن شركة "سيريتل" للاتصالات التي يملكها مخلوف والتي تعد أكبر مشغل للهواتف المحمولة في سوريا؛ بالإضافة إلى إعادة التوازن للترخيص الممنوح لشركة سيريتل، بعد أن قام رامي مخلوف في عام 2015 بنقل ترخيص الشركة من "بي أو تي" إلى رخصة بالتعاقد مع "الهيئة العامة للاتصالات" الحكومية، وهذا العقد خفّض حصة الحكومة من 60% من الأرباح إلى 20%، وتطالب الحكومة بفارق أرباح التشغيل عن السنوات الخمس الماضية.

جاءت هذه المطالبة في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها النظام، وهو ما دفعه إلى إجبار رجال الأعمال على دفع الأموال بذريعة "محاربة الفساد"، وقد أصدر النظام قراراً بالحجز الاحتياطي على ممتلكات رامي مخلوف، الأمر الذي أجبره على إجراء تسوية مالية مع مديرية الجمارك بخصوص قضية شركة "آبار بتروليوم"، لكن قرار الحجز على الشركة لم يُرفع، وتبع ذلك صدور قرار من "الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد" بضرورة تسديد شركة "سيريتل" المبلغ المشار إليه أعلاه.

حصلت هذه التطورات في سياق مسار من التغيرات في هيكلية النخبة الاقتصادية السورية قادته زوجة الأسد، أسماء الأخرس، التي ترأست "لجنة مكافحة غسيل الأموال"، وكانت وراء إصدار الكثير من قرارات الحجز الاحتياطي على أموال رجال الأعمال السوريين، وقد رأى مخلوف في هذه التطورات مقدمةً لانتزاع أمواله وإخراجه من المشهد الاقتصادي كليةً، وهو ما دفعه إلى إطلاق تسجيلاته المصورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

في التسجيل الأول، المنشور في مطلع مايو الجاري، حاول مخلوف الظهور بمظهر رجل أعمال لديه إشكالات مع المؤسسات الضريبية، دون أي بُعد سياسي، وتمحور خطابه في هذا التسجيل حول نقطتين أساسيتين: الأولى، الاعتراض على مراجعة الدولة لعقود تمت بموافقة الطرفين (العقد الموقع عام 2015)، مُعتبراً أن الدولة لا حق لها في هذه الأموال، واتهمها بالتراجع عن اتفاق تم توقيعه منذ سنين. وهدد بنشر الوثائق التي تؤكد عدم أحقية الدولة بأموال الشركة. والنقطة الثانية هي التأكيد أن شركاته من أهم دافعي الضريبة، وأهم رافدي الخزينة بالسيولة. غير أن مخلوف أكد أنه سيقوم بدفع هذا المبلغ مهما كان، مشترطاً أن يكون وفق آلية لا تُضر بالشركة، وأن يتم توزيع هذا المبلغ للفقراء والمحتاجين كهدية من الرئيس بشار الأسد.

يتضح من التسجيل الأول أن مخلوف أراد توجيه رسالة مباشرة إلى الأسد للتدخل في حل الأزمة بينه وبين مَن يعتقد أنه يقف وراء هذه الإجراءات ضده، الذي لابد من أن يكون جهة ما في القصر وفي الغالب أسماء الأسد وربما ماهر الأسد؛ ما يعني أن قنوات التواصل بين الطرفين كانت مقطوعة وأنه لم يستطع الوصول له. لكن مخلوف حاول الإيحاء بأن مشكلته مع الدولة والمؤسسات وليست مع النظام، وقد أراد بذلك الاشتراك باللعبة التي يقوم بها النظام معه، لإدراكه أن ذلك يُرضي الأسد، ويمنح مخلوف هامشاً من المناورة والاعتراض.

غير أن الأسد لم يستجب لرسالة مخلوف، وازدادت الضغوط عليه، ما دفعه إلى الخروج بتسجيل مصور ثانٍ بعد يومين، كشف فيه عن تطورات وصفها بـ"الخطيرة"، وقال إن ظهوره الجديد وتوجيهه هذه الرسالة، سببه استمرار التجاوزات والتهديدات التي وجهتها الأجهزة الأمنية له ولشركاته.

ولوحظ في التسجيلين الثاني والثالث أن رامي مخلوف تجاوز حالة الحذر التي ظهرت في التسجيل الأول، فبعد تأكيده دوره في حماية النظام من خلال دعمه الأجهزة الأمنية التي انتقد اعتقالها موظفين من شركاته، أرسل تهديدات مبطنة "في حال استمرت هذه الحالة" عبر تأكيده أن "الموضوع حساس وأكبر مما يُتصور"، وقال: "نحن أمام تفاصيل لن نكون قادرين على السيطرة عليها إذا ما استمرت الضغوط علينا والتي أصبحت غير مقبولة ولا إنسانية". وبلغت ذروة تهديدات مخلوف، في هذا التسجيل، عندما اعتبر أنه "ستكون هناك أيام صعبة وأنا جاهز لها"، وأنه "في حال استمر الأمر على هذا النحو سيكون الأمر خطيراً"، مؤكداً أنه لن يرضخ للضغوط ولن يتنازل عن إدارة شركاته وأمواله التي اعتبرها "جني العمر"، وأنه "مؤتمنٌ عليها في ابتلاء إلهي" له.

وكان لافتاً في هذين التسجيلين قيام مخلوف بنقل الاتهام من مؤسسات الدولة إلى المحيطين ببشار الأسد الذين يقفون خلف هذه "التدخلات والممارسات التي باتت مخيفة وقذرة" على حد صفه، مخاطباً إياه بالقول: "لا تصدق من حولك.. لا تسمح لهم بخرق الدستور والتعدي على القانون". وبتحليل سياق الأحداث، يتضح أن مخلوف كان يصوّب على أسماء الأسد، التي تؤكد التقارير أنها تقف خلف تحجيم آل مخلوف وإخراجهم من المشهد الاقتصادي، في حرب يخوضها الطرفان ضد بعضهما، دفعت بمخلوف إلى تسريبه للصحافة الروسية خبر شراء أسماء الأسد لوحة فنية بقيمة 30 مليون دولار، ما دفع هذه الأخيرة إلى رفع سقف الضغط على مخلوف انتقاماً منه.

ورغم أن مخلوف حاول الظهور بمظهر المُستجدي، الذي يطلب النصرة من بشار، إلا أن الوقائع وسياق التطورات تدلل على وجود صراع بين الطرفين سبق ظهوره بكثير، ولم تأت قرارات النظام ضد مخلوف بشكل مفاجئ، بل هي خطة ممنهجة بدأت منذ وقت طويل، من خلال تفكيك الأذرع العسكرية لمخلوف (ميليشيا البستان) التي شكّلها أثناء الحرب، وحل الذراع السياسة له (الأمانة العامة للحزب السوري القومي الاجتماعي)، وكذلك انتزاع "جمعية البستان" التي كانت تُعتبر واجهة أعماله الخيرية للوصول إلى البيئة المؤيدة في الساحل وأحزمة الفقر حول دمشق وحمص.

ويُدرك مخلوف أن القرارات التي اتُخذت بحقه هي قرارات سياسية، تتجاوز المبالَغ المعلن عنها، والتي لم يحتجّ على دفعها، وإنما على السياق وآليات التحصيل، وما سيأتي بعدها، وخروجه العلني كان نتيجةً شعوره أنه مُقْدم على مرحلة مصيرية، لم يعد ينفع معها التورية، لذا عمل على رمي أوراقه، أو ما يعتقد أنها أوراق في مواجهة الأسد.

ولم يكن خافياً أن مخلوف سعى إلى مخاطبة روسيا والطائفة العلوية، فقد حاول الاستفادة من الحملة الإعلامية الروسية التي أشارت إلى أن الأسد لا يسيطر على الأمور في سوريا، وحاول ترسيخ ذلك عبر الإشارة إلى "أطراف أخرى" تتخذ قرارات بحقه دون علم الأسد ومشاركته، كما حاول هدم ما يقوم بشار بتسويقه عن القانون والمؤسسات من خلال إبدائه عدم الثقة بالنظام، ومطالبة الأسد استلام الأموال بنفسه التي سيدفعها مخلوف للنظام كضرائب وصرفها على المستحقين.

وحاول مخلوف تصوير الخلاف على أنه خلاف طائفي، وأن المقصود من هذه الإجراءات هو "الفقراء"، وهو مصطلح يطلقه العلويون على أنفسهم، واستخدم مخلوف لغة التلميح للإيحاء بأن هناك طرفاً سُنياً يريد السيطرة على السلطة والثروة، وأن المستهدف من ذلك العلويون، أو البيئة المؤيدة للأسد.

تكشف هذه المحاولات سعي مخلوف إلى خلق شبكة أمان قوية من الطائفة التي تشكّل في هذه المرحلة أهمَّ مكّون في سوريا بعد هزيمة الأكثرية السنية، وضعف وتهميش الطوائف الأخرى، وربما بنى تقديراته تلك على مساحة التأثير التي يعتقد أنه يملكها في وسط مجتمعات الساحل نتيجة ما تقدّمه جمعية البستان من مساعدات للجرحى والفقراء وعائلات قتلى الجيش والأمن، وكذلك شكوى هذه البيئة من انهيار الأوضاع الاقتصادية وأثرها السلبي البالغ عليهم.

الأسد وتحوّلات ما بعد الحرب

يندرج الخلاف بين مخلوف والأسد في إطار التحولات التي يسعى نظام الأسد موضعتها في سياق مشهد سوريا المستقبلي، وذلك بالنظر إلى حاجة المرحلة المقبلة لديناميات مختلفة تُمكّن نظام الأسد من عبور هذه المرحلة لضمان استمراره واستقراره.

لقد أنتجت مرحلة الحرب مراكزَ قوى، عسكرية وأمنية واقتصادية، وصلت إلى حد تحوّل هذه القوى إلى فواعل مؤثّرة تستمد شرعيتها من واقع قوّتها وسيطرتها وقدرتها على تأمين الخدمات للبيئات الموجودة فيها، مقابل تهميش المركز الذي تراجع أداؤه وتقلصت فعاليته بدرجة كبيرة، سواء على صعيد حفظ الأمن والحماية للسكان، أو تأمين الخدمات والرعاية لهم، وهي أمور تولت التشكيلات الأمنية، والقوى الاقتصادية، الصاعدة والقديمة، تأمينها بفعالية أكبر، شرط الولاء لها وتكريس سلطاتها.

وقد كشفت نهاية الأعمال القتالية عن مشهد فوضوي يهدّد استقرار السلطة المركزية، وتنبهت القيادة الروسية له؛ ما دفعها إلى تحفيز الأسد إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية، عبر عمليات دمج وتسريح الكثير من الميليشيات العسكرية. وفي المجال الاقتصادي، وعند بدء الحديث عن إعادة الإعمار، وفي ظل انهيار العُملة المحلية، وإقرار قانون "قيصر" الأمريكي الذي يفرض عقوبات مشدّدة على نظام الأسد وعلى المتعاملين معه، برزت الحاجة إلى تغيير البنية الاقتصادية، وتغيير عقيدتها من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإعمار، بعد أن تبين أن النخبة الاقتصادية، التي يقف مخلوف على رأسها، بنيةٌ معطوبة نتيجة العقوبات الاقتصادية الدولية ضدها، ونظرة السوريين السلبية لها، بالإضافة لإدراك الأسد أن هذه النخبة، التي نشأت وتطورت في ظروف شاذة، يصعب إعادة تأهيلها كقوّة تشغيلية للمرحلة المقبلة.

وبالرغم من الاعتقاد السائد بأن الخلاف مع مخلوف سيرتد على الأسد بأضرار معنوية، وقد يؤثر في استقرار النظام، فإن الأسد ذاهب باتجاه تحويل التحدي إلى فرصة، ويبدو أنه خطّط مسبقاً لذلك، ومن المؤشرات على ذلك ما يأتي:

  • يساعد خلاف الأسد مع مخلوف على تقوية يد الأسد في إزاحة مراكز القوى التي تَشكّلت خلال مرحلة الحرب وتعزّزت أدوارها، وخاصة داخل البيئة المؤيدة، وإعادة تركيز مصادر القوّة في القصر الجمهوري وتحت إشرافه، ولا شك في أن هذه الأزمة، التي يراقبها جميع السوريين، ستجعل جميع الشخصيات ومراكز القوى تُعيد حساباتها، ما دام الأسد لم يراعِ أكثر شخصية مقربة له.
  • يثبت الأسد أنه حريص على أموال الدولة، وأنه رجل دولة وليس راعياً لمافيا كما صوّره الإعلام الغربي مؤخراً، وبذلك يحقّق الأسد مكاسب على الصعيد الداخلي، وقد جاء ردّه "غير المباشر" على مخلوف بتأكيده، خلال لقائه بـ"المجموعة الحكومية لمكافحة كورونا" والمؤلفة من وزارات ومؤسسات الدولة، "ضرورة إعادة دور الدولة كلاعب على مستوى الاقتصاد وضابط للسوق". وعلى المستوى الدولي، تُعزّز هذه الإجراءات روايةَ النظام بأن كل ما جرى ويجري في سوريا، من حروب وقرارات وسياسات، إنما هو من صنع الدولة وبما يتفق مع مصالحها.
  • يلاقي الأسد الموقف الروسي، الذي برز مؤخراً في الحملة التي شنتها وسائل الإعلام الروسية عليه، وكان رامي مخلوف وثروته في صلب هذه الحملة، كما يُرسل الأسد رسالة إلى روسيا أنه قادر على إدارة البلاد وفرض سلطاته على الجميع، بعد أن اتهمه الإعلام الروسي بالخضوع لمراكز القوى التي تتلاعب في البلاد لتحقيق مصالحها الخاصة.
  • تغير التوازنات، فقد أسست وفاة والدة بشار الأسد، أنيسة مخلوف، ومرض محمد مخلوف وانتقاله إلى روسيا، بدايةَ مرحلة تراجع آل مخلوف في القصر، وحلول مرحلة أسماء الأسد، التي لعبت دوراً مهماً في الوصول إلى هذه الحال. وبالرغم من ذهاب بعض التحليلات إلى التشكيك بقدرة أسماء الأسد على إحداث هذه التحوّلات في بيئة النظام المركبة، ورد الدور الأساسي إلى روسيا التي شكّلت الغطاء الأساسي لمجمل التحولات التي أجراها الأسد في البنى العسكرية والأمنية والاقتصادية، إلا أن ذلك لا يُخفي أثر أسماء في هذه التحولات. وتظهر فعالية زوجة الرئيس من خلال دورها في إيجاد منافسين وبدائل لمخلوف في المجال الاقتصادي، فبعد أن بقي لفترة طويلة الجهة التي تسيطر على العطاءات والوكالات والتوكيلات أصبح أقارب أسماء الأسد يسيطرون على جزء من قطاع الخدمات الأساسية، وقد تم منح عقد إصدار البطاقات الذكية لشراء المواد الأساسية، مثل الأرز والغاز والشاي والسكر وزيت الطعام، لشركة تكامل التي يملكها ابن خالة أسماء، مهند الدباغ، وقد تسرَّب أن رامي مخلوف هو من فضح أمر الشركة للصحافة الروسية، ما اضطُر النظام إلى إلغاء العقد.

موقف روسيا

يطرح الخلافُ بين الأسد ومخلوف السؤالَ عن دور روسيا وموقعها في هذا الخلاف، وذلك لتوافر عدد من المعطيات التي تجعل مثل هذا السؤال مشروعاً:

أولاً، تزامن اشتداد حدّة الخلاف بين الأسد ومخلوف مع الحملة الإعلامية الروسية ضد الأسد، وظهرت تساؤلات عما إذا كان مخلوف قد الْتقط إشارات معينة من هذه الحملة تجعله يرفع سقف تحديه للأسد ويرفض التنازل له. ومن جهة أخرى فإن بدء ظهور الخلاف إلى العلن في صيف 2019 كان نتيجة طلب روسيا سداد ثلاثة مليارات دولار دين لها على نظام الأسد، ورفض مخلوفُ طلب بشار الأسد منه بدفع المبلغ، الأمر الذي دفع الأسد إلى إصدار قرارات بالحجز الاحتياطي على بعض شركات مخلوف.

ثانياً، وجود رغبة لدى النخبة المالية الروسية في السيطرة على الاقتصاد السوري والاستيلاء على حصة رامي مخلوف، الذي تصفه تقارير عدة بأنه يسيطر على 60 بالمئة من الاقتصاد السوري. وقد ورد في الحملة الإعلامية التي شنتها المنافذ الروسية أن الأسد لا يسيطر على "عشيرة مخلوف" التي تسيطر بدورها على الاقتصاد وتُعيق عمليات إصلاحه.

ثالثاً، تصمت روسيا "الرسمية" عن الخلاف الجاري بين الأسد ومخلوف، أما على الأرض، فقد ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن الشرطة العسكرية الروسية شاركت قوى الأمن السوري في حملة الاعتقالات لمديرين في شركة سيريتل وجمعية البستان، التابعتين لرامي مخلوف.

ولا يشكّل رامي مخلوف، بحد ذاته، أهميةً تُذكر لروسيا، لسببين رئيسيَن: فمخلوف ليس شخصية سياسية وعسكرية لها وزن ضمن المنظومة السورية، كما أنه لا حيثية له داخل الطائفة العلوية، وهو رغم ثروته الكبيرة إلا أن روسيا تعلم أن آل الأسد شركاء بهذه الثروة. وهذا ما يجعل روسيا تصطف إلى جانب الأسد في هذا الخلاف وتفضّله على مخلوف، بل تصبح جزءاً من الحملة التي تُدار ضد مخلوف، وذلك للأسباب التالية:

  • من مصلحة روسيا شق صف النظام السوري وإضعاف الأسد، الذي يشتكي الكرملين من عناده، بحسب تقرير وكالة بلومبيرغ، فإضعاف دائرة النظام الضيقة (النواة الصلبة) تجعل الأسد أكثر مرونة تجاه طلبات روسيا، السياسية والاقتصادية.
  • تأتي الحملة على مخلوف وسط ترتيبات قامت بها روسيا للسيطرة على مفاصل الاقتصاد السوري وإبعاد الشخصيات المعاقَبة دولياً، والتي تشكّل عقبةً في فتح الاقتصادات الدولية على الاقتصاد السوري.
  • تسعى روسيا إلى دفع الولايات المتحدة إلى التراجع عن تنفيذ "قانون قيصر" أو التساهل في تطبيقه، وكذلك تشجيع رجال أعمال، سوريين وعرب، للاستثمار في سوريا إذا تمّت إزاحة مخلوف، الذي كان يبتز المستثمرين ويفرض مشاركتهم عنوّة في مشاريعهم أو أرباحهم داخل سوريا.

وتُشكّل الحملةُ على مخلوف تفصيلاً ضمن مشهد أوسع تعمل روسيا على صناعته في سوريا، حيث تنصبّ الجهود الروسية على تجهيز نظام الأسد لمرحلة تحولات كبيرة، تستطيع من خلالها تقديم نظام الأسد، إقليمياً ودولياً، بصيغة جديدة، وهذا يتطلب منها تشذيب هذا النظام، عبر إزاحة وتحييد الأجنحة والقضايا التي تعيق إعادة تأهيل الأسد، وقد يدفعها ذلك إلى إجراء تغييرات في مجالات أمنية وعسكرية، والهدف من كل ذلك إحداث معادلة تستطيع من خلالها روسيا الحفاظ على نظام الأسد، وتلبية بعض المطالب الدولية. ويشكّل تخفيض سقف المطالب الإقليمية والدولية تجاه نظام الأسد حافزاً لروسيا للقيام بهذه المهمة.

الاستنتاجات

يَعبر نظامُ الأسد مرحلةَ تحوّل يراها ضرورية للولوج إلى المرحلة المقبلة، التي لها استحقاقاتها ومتطلباتها، ويستلزم الخروج من هذه المرحلة صناعةَ سياق متكامل وإعادة هندسة جميع أجهزة الدولة، العسكرية والأمنية والاقتصادية، وقد تساوق هذا المسار، أو ربما جاء، بتوجيهات روسية تهدف إلى تقديم نظام الأسد بقالب جديد غير الذي عرفه العالم به خلال مرحلة الحرب. والأرجح أن مخلوف، الذي حاول مقاومة هذه التغيرات، سيضطر للرضوخ لها، وسيُقْدم على تسوية مع النظام لن تكون لمصلحته، إدراكاً منه بضعف أوراقه في هذه المواجهة، ولأن مسار التحوّل أكبر منه.

 

أحدث المواضيع المميزة