اتفاق وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان: الحسابات والتحديات والاحتمالات

أحمد دياب | 04 أبريل 2021

­­في 25 فبراير 2021، اتفقت الهند وباكستان على "الالتزام الصارم" بجميع اتفاقيات وتفاهمات وقف إطلاق النار على طول "خط السيطرة" الحدودي ما بين الجانبين في إقليم جامو وكشمير المتنازع عليه. ويعد هذا الإعلان هو الأول من نوعه الذي يصدر عن البلدين منذ عام 2003.

تَعرِض هذه الورقة خلفية وسياق الاتفاق الأخير بين الهند وباكستان، وتُحلِّل حساباتهما المتبادلة بشأنه، وأهم التحديات التي تقف أمام صمود الاتفاق، والسيناريوهات المستقبلية المحتملة للصراع بين الدولتين.

الخلفية والسياق

جاء الإعلان عن الاتفاق الأخير بعد تدهور ملحوظ وحاد بين البلدين خلال السنوات القليلة الماضية:

فعسكرياً، شهد خط السيطرة (الحدود العسكرية التي يبلغ طولها 450 ميلاً) تصعيداً خطيراً تضمَّن آلاف الانتهاكات، لاسيما بعد هجوم انتحاري على قافلة عسكرية هندية بالقرب من بلدة "بولواما" في كشمير، في فبراير 2019، وقُتِلَ خلاله 40 جندياً؛ فلأول مرة منذ الحرب الهندية الباكستانية عام 1971، أذنت حكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي للقوات الجوية الهندية بالتوغل عبر الحدود الدولية، وضرْب ما قالت إنه معسكر تدريب إرهابي في "بالاكوت". وفي غضون أيام، ردَّت باكستان بضربة جوية مماثلة بالقرب من سريناغار، عاصمة جامو وكشمير. وتصاعد التوتر الميداني أكثر بين البلدين إثر إلغاء الهند المادتين 370 و35 (أ) من الدستور الهندي، في 5 أغسطس 2019، وإعادة تنظيم ولاية جامو وكشمير إلى إقليمين اتحاديين.

وسياسياً، جرى قطع العلاقات السياسية والتجارية والثقافية والرياضية، وتوقفت الأنشطة المتبادلة على خط التماس بالكامل، وأُعيد استدعاء المفوضين الساميين من كلا البلدين. وأكد رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان أنه حتى في حال إعادة المادة 370 إلى شكلها الأصلي، فليس هناك فرصة لأي حوار سياسي مع الحكومة الهندية. ورفضت السلطات الباكستانية السماح لطائرة الرئيس الهندي رام راث كوفيند بالمرور عبر المجال الجوي الباكستاني في طريقه إلى أوروبا، ومنعت طائرة رئيس الوزراء الهندي أيضاً من المرور في طريقه إلى زيارة الولايات المتحدة. وطالب خان بعقد اجتماع لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي لمناقشة قضية كشمير، كما قدمت باكستان ملفات معادية للهند في الأمم المتحدة.

لكن مع بداية عام 2021، أظهرت باكستان علامات انفتاح على اتخاذ تدابير للحد من التوترات مع الهند. وصرَّح رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال قمر جاويد باجوا، في 2 فبراير 2021، أن الوقت قد حان لمد يد السلام في جميع الاتجاهات، مضيفاً أنه يتعين على الهند وباكستان حل قضية كشمير بطريقة سلمية. وتحدث عن التزام إسلام آباد الواضح بما أطلق عليه مسمى "المثل العليا للاحترام المتبادل والتعايش السلمي"، وقبلت باكستان دعوة الهند لحضور الاجتماع الافتراضي لرابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي (SAARC) على مستوى وزراء الصحة في 18 فبراير 2021 لمناقشة أزمة كورونا.

وفي المقابل، سمحت الهند باستخدام طائرة عمران خان مجالها الجوي في رحلته إلى سريلانكا في 23 فبراير 2021. في حين صرَّح رئيس أركان الجيش الهندي، الجنرال مانوج موكوند نارافان، قبل يوم واحد من اتفاقية وقف إطلاق النار، أن "الحدود غير المستقرة، والعنف على الحدود لا يُساعدان أحداً"، وأن استمرار المشاركة مع باكستان يمكن أن يؤدي إلى تفاهم بشأن الحدود.

وفي 18 مارس 2021، وخلال مؤتمر لحوار إسلام أباد الأمني، دعا قائد الجيش الباكستاني قمر جاويد باجوا الهند إلى "نسيان الماضي والتطلع نحو المستقبل" لإقامة تعاون بين البلدين. وجاءت هذه التصريحات النادرة واللافتة للجنرال باجوا، بعد يوم واحد من حثِّ رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، نيودلهي على المضي قدماً نحو السلام، بتسوية قضايا متعلقة بمنطقة كشمير، قائلاً: "إننا مستعدون لتحسين بيئتنا بتسوية جميع قضايانا العالقة مع جيراننا من خلال الحوار، لكن بالنسبة لاستئناف عملية السلام أو حوار ذي مغزى، فسيتعين على جارتنا توفير بيئة مواتية، لا سيما في الجزء الخاضع لسيطرة الهند من كشمير".

ومن المثير للاهتمام، في خطاب باجوا الأخير، عدم وجود أي طلب صريح بأن تعيد الهند حالة الحكم الذاتي للأراضي الخاضعة للسيطرة الهندية في كشمير بعد إلغاء المادة 370 من الدستور الهندي. كما أغفل باجوا موقف باكستان التقليدي بأن نزاع كشمير سيتم حله بما يتماشى مع القرار القديم لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو ما يعد تخفيفاً كبيراً لموقف باكستان بشأن هذه القضية.

حسابات الدولتين ودوافعهما

1. الأزمة السياسية في البلدين

ربما كانت الأزمات السياسية المستمرة في كلا البلدين من العوامل المؤثرة في توقيعهما اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، وتمثل "ثورة المزارعين" في الهند المستمرة منذ عدة أشهر التحدي الأكبر الذي يواجهه رئيس الوزراء ناريندرا مودي الآن. ومن الواضح أن الأقليات غير راضية عن نهج حكم حزب بهارتيا جاناتا، حيث أعاد رئيس الوزراء ناريندرا مودي تشكيل الوجه العلماني والديمقراطي للهند.

وفي باكستان، أدت احتجاجات "الحركة الديمقراطية الباكستانية (PDM)" في الشوارع إلى إذكاء عدم الاستقرار على مدى شهور، إذ يُطالب 11 حزباً معارضاً بالإطاحة بخان لأنه "اُخْتير" من قبل الجيش ولم يُنتخَب من قبل الشعب. وفي هذا السياق، يبدو أن تخفيف حدة التوترات على الحدود المشتركة بين الهند وباكستان أمر منطقي لكلا النظامين، إذ يمنح كلاً منهما انتصارات دبلوماسية في الوقت الذي يواجهان خسائر سياسية محلية يتسع نطاقها بسرعة.

 2. التسوية الأفغانية واحتمالات الانسحاب الأمريكي

يطرح انطلاق قطار التسوية في أفغانستان تحديات أمنية وعسكرية كبيرة على الهند، ويُعَدّ كبح التسلل عبر الحدود أولوية هندية. وعلى الرغم من أن الوضع الأمني ​​العام في كشمير شهد تحسُّناً كبيراً في عام 2020، وكان هناك انخفاض في عمليات التسلل والعنف، فإن الثلوج في الجبال أخذت في الذوبان، وستُفتَح الممرات، وقد يبدأ "موسم قتال" جديد في وادي كشمير، لاسيما مع تصاعد مخاوف الهند من انتقال بعض الجماعات الإرهابية من أفغانستان إلى كشمير على خلفية اتفاقية السلام مع طالبان واحتمالات انسحاب القوات الأمريكية.

ومن ناحية ثانية، تبنَّت واشنطن، في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، موقفاً متشدداً تجاه إسلام أباد، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أنها استنتجت أن باكستان لا تساعد عملية السلام الأفغانية، ولا تزال تدعم شبكات إرهابية مختلفة. ولكن الآن بعد أن أصبح هناك رئيس أمريكي جديد، فمن مصلحة إسلام أباد إثبات أن بإمكانها أن تكون شريكاً مسؤولاً في المنطقة.

من ناحية ثالثة، وفي ظل رغبة الرئيس الأمريكي بايدن في التركيز على انسحاب عسكري منظم من أفغانستان، وهو أمر غير ممكن من دون دعم باكستان، فإنه قد يضطر إلى الضغط على نيودلهي لإصلاح علاقاتها مع إسلام أباد من أجل التوصل إلى حلٍّ عمليٍّ في أفغانستان.

3. التحوُّل في أولويات باكستان الاستراتيجية

يبدو أن باكستان بدأت تُعيد النظر في أولويات استراتيجيتها الوطنية والإقليمية، إذ تحاول تعديل أولوياتها الجيوسياسية إلى أولويات جيو-اقتصادية. فثمة اعتراف متأخر بأنه بعد ما يقرب من عقدين من مكافحة الإرهاب، تحتاج باكستان إلى التركيز على خلق فرص اقتصادية لطبقتها المتوسطة المتنامية في ظل تضخم نسبة الشباب في المجتمع.

وقد جعل رئيس الوزراء عمران خان تحقيق التنمية الاقتصادية موضوعاً مركزياً لحكومته، وتبنَّى تحويل النموذج العام لباكستان؛ من دولة تهيمن عليها مخاوف الأمن القومي إلى نموذج يركز على الأمن الاقتصادي. وفي 18 مارس 2021، وخلال مؤتمر لحوار إسلام أباد الأمني، حدد الجنرال باجوا رؤيته لسياسة بلاده الخارجية والاستراتيجية، قائلاً: إن باكستان ستعيد ترتيب أولويات الاقتصاد، وتضعه في قلب سياستها الخارجية. وأن السلام مع الهند هو شرط مسبق لهذا المحور الجغرافي الاقتصادي؛ وأن باكستان تدرك الحاجة إلى عمل جماعي لمواجهة التهديدات العابرة للدولة الوطنية في حقبة ما بعد أزمة كورونا.

4. تأثير العامل الصيني

أدت أزمة الحدود بين الهند والصين عام 2020، إلى الحاجة إلى المزيد من المعدات العسكرية للتصدِّي للتحرشات الصينية. ومع تقييم الهند بأن الصين هي التحدي الاستراتيجي الأكبر لها، لم يكن أمام حكومة مودي خيار سوى إبرام صفقة مع باكستان لتهدئة جبهة واحدة على الأقل. وبالنظر إلى علاقة باكستان الوثيقة مع الصين، فإن أي صفقة مع باكستان لن يكون لها أي معنى ما لم تكن الصين في الحسبان. وهناك تكهُّن بأن الهند ربما تكون قد وقعت فعلياً على اتفاق مُركَّب للحدود، حيث كان فك الارتباط الصيني في "لاداخ" مشروطاً باتفاق سلام بين الهند وباكستان. وفي هذا السياق، يبدو أن التصعيد الصيني الأخير ضد الهند استهدف في المقام الأول "تحذير" الهند من التماهي مع الاستراتيجية الأمريكية المعادية للصين، وفي نفس الوقت "تخفيف" الضغط الهندي ضد باكستان.

5. الضغط الأمريكي

في حديثها عن الاتفاق الأخير، أشارت وسائل الإعلام في كلا البلدين إلى ما أسمته "تأثير بايدن"، أي أن الهند وباكستان يسعيان إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة في حقبة ما بعد ترامب؛ فالهند تسعى إلى مزيد من العلاقات التجارية والاستراتيجية مع واشنطن، في حين ترغب باكستان في التحوط من الناحيتين الجغرافية والاستراتيجية بالنظر إلى اعتمادها المالي المتزايد على الصين.

وقد شدد أول بيان أمريكي بشأن السياسة الخارجية لإدارة الرئيس جو بايدن، والذي صدر في 4 فبراير 2021، على ضرورة مواجهة الطموحات المتزايدة للصين في منافسة الولايات المتحدة، وفي المخطط السياسي الأمريكي تُعدّ الهند وباكستان جزءاً لا يتجزأ من ركيزة التحالفات الديمقراطية لمواجهة الطموحات الصينية.

من ناحية ثانية، تعد باكستان دولة مهمة للغاية في المنافسة الجيوسياسية الناشئة مع الصين في جنوب آسيا. فعلى مدى العقود الماضية، انتقلت باكستان من تحالفها التقليدي مع واشنطن، إلى تحالف متزايد مع بيجين، مما يعكس حقيقة جيوسياسية أساسية مفادها أن كلاً من باكستان والصين تعتبران الهند تهديداً، بينما ترى فيها الولايات المتحدة شريكاً مهماً.

ومن ناحية ثالثة، تشير تجربة الهند إلى أن أفضل طريقة لمواجهة الضغط الغربي بشأن كشمير هي من خلال تسليط الضوء على أن لديها خط اتصال ثنائي مباشر مع باكستان، وليس هناك حاجة لتدخل غير مبرر من قبل أطراف أخرى، لاسيما أن نيودلهي تتحسب لموقف الرئيس بايدن من سياسات مودي القاسية في كشمير، وقانون المواطنة الجديد القائم على الدين، وغيرها من التحركات السلطوية، وليس من الواضح حتى الآن مدى اللطف الشخصي الذي سيتبادله الرئيس الأمريكي الجديد مع رئيس وزراء الهند.

التحديات أمام صمود الاتفاق

رغم الخطوة التاريخية التي اتخذتها حكومتا الهند وباكستان بالاتفاق على وقف إطلاق النار على طول الخط الحدودي الفاصل بينهما، فإن الشكوك تحوم حول إمكانية أن تنهي تلك الخطوة عشرات السنين من الحروب والعداء، وقد سبق أن اتفق الطرفان على وقف إطلاق النار عدة مرات سابقاً دون جدوى. ومن أهم التحديات أمام صمود الاتفاق الأخير، الآتي:

1. الإرث الثقيل للعداء التاريخي بين الدولتين

حافظ الجانبان على خطابهما القومي العدائي منذ الإعلان عن الصفقة الجديدة المفترضة، ويشير ذلك إلى عدم وجود إرادة سياسية كافية في دلهي أو إسلام أباد لكسر حلقة عدم الثقة والاتهامات. وفي مفارقة لافتة، وفي اليوم التالي لإعلان بيان التزام الدولتين بوقف إطلاق النار بينهما، احتفلت الهند بالذكرى السنوية الثانية لضربات "بالاكوت" بالتعهُّد بمواصلة عمليات مكافحة الإرهاب ضد "رُعاة الإرهاب الإقليميين" (باكستان)، بينما كانت باكستان لا تزال تحتفل رسمياً بالذكرى السنوية الثانية لـ "عملية Swift Retort"، التي نفذ فيها سلاح الجو الباكستاني ست غارات جوية في مواقع متعددة في ولاية جامو وكشمير الخاضعة للهند. وفي سلسلة تغريدات هنأ عمران خان "الأمة بأكملها" على هذا الانتصار على سلاح الجو الهندي، وأشاد بالقوات المسلحة الباكستانية لاستعدادها للحرب ضد "العدو الأبدي" (الهند).

2. تناقُض المواقف التفاوضية

ليست هذه المرة الأولى التي تُثير فيها الدولتان الآمال في حدوث تهدئة وإمكانية تطبيع العلاقات بينهما، لكن مواقفهم التفاوضية، لاسيما بشأن كشمير، كانت دائماً غير قابلة للتوفيق. فالروايات التاريخية والعاطفية مُترسِّخة بعمق في الوعي العام، بحيث لا يمكن تغييرها بسرعة.

على الجانب الهندي، قد يكون الجهد المستمر المطلوب لبناء رواية مؤيدة للتقارب مع باكستان تحدياً أكبر لزعيم مثل مودي، الذي خاض الانتخابات على برنامج مُناهض لباكستان، ومُعادٍ ضمنياً للمسلمين. وبالنسبة لمودي، سيكون من الصعب تنفيذ تحول مفاجئ في سياسته، خاصةً أنه يخلو من أي أجندة انتخابية إيجابية. ولا تزال الحكومة الهندية تواجه انتقادات من أحزاب المعارضة لعدم قدرتها على حماية أرواح وممتلكات الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الحدودية التي لا تزال تتعرض للتدمير بسبب انتهاكات وقف إطلاق النار في باكستان.

وعلى الجانب الباكستاني، تُناسِب مثل هذه البيئة العدائية رواية إسلام أباد التقليدية عن نيودلهي. فمن ناحية أولي، تمنح الجيش الباكستاني الفرصة للحديث بشكل دوري عن "مغامرة" عسكرية هندية وشيكة، تشكل تهديداً وجودياً لباكستان من الهند "الهندوسية" وطموحاتها في "الهيمنة". ومن ناحية ثانية، تُساعِد هذه البيئة العدائية في تبرير السلطة غير الدستورية التي تمارسها المؤسسة العسكرية الباكستانية على السلطتين التشريعية والتنفيذية للدولة. 

3. تأثير "الدولة العميقة" في باكستان

على الرغم من أن الجيش الباكستاني يبدو مؤيداً بوضوح لتوجه خفض التصعيد ووقف إطلاق النار مع الجانب الهندي، إلا أن فرص السلام والتهدئة بين البلدين قوضتها سابقاً "الدولة العميقة" في باكستان، أكثر من مرة. ففي عام 2013، وبعد عودة رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف إلى منصبه، كان على ما يبدو حريصاً على تحسين العلاقات مع الهند. ومع ذلك، لم يكن لدى الجيش الباكستاني مصلحة كبيرة في متابعة مثل هذه المبادرات. وبالتالي، اختاروا إثارة المشاكل على طول خط السيطرة مع الهند، وبالتالي تقويض مبادرات شريف للسلام. وفي هذا الإطار، قد تُجادِل وكالات الاستخبارات وقادة الفيالق العسكرية في البلاد بأن باكستان تنازلت كثيراً دون الحصول على أي شيء في المقابل.

ومن ناحية ثانية، لا يمكن تجاهُل قضية كشمير، التي صُوِّرت على أنها أساسية لفكرة باكستان منذ إنشائها في عام 1947، بهذه السهولة، خاصةً بعد إلغاء رئيس الوزراء الهندي مودي الوضع الدستوري الخاص لجامو وكشمير في أغسطس 2019، مما أدى إلى تقسيم كشمير المستقلة المحتملة وجعلها منطقة خاضعة للسيطرة الهندية، وأيّ قبول باكستاني للوضع الراهن الجديد لا بد أن يُنظَر إليه على أنه خذلان لقضية كشمير.

4. صعوبة "ضبْط" وقف إطلاق النار

يبدو أن احتمالات استمرار وقف إطلاق النار الحالي ليست مشجعة للغاية. فرغم الخسائر الفادحة في الأرواح، لا يزال هناك شيء ما يُحفِّز دورة الموت والدمار على طول خط السيطرة بين الدولتين. إذ تتطلب انتهاكات وقف إطلاق النار انتقاماً فورياً من الجانب الآخر، وتخلق موقفاً حربياً على طول خط التماس، مما يزيد من مخاطر خروج الأمور عن نطاق التحكُّم، مما يبقي الحكومات والجيوش في حالة توتر شديد، حيث يتمتع القادة المحليون على جانبي الحدود بحرية كبيرة للقيام بأعمال عسكرية. فعندما يُعزز أحد الجانبين موقعه من خلال بناء مخابئ جديدة أو تحصينات أخرى على جانبه من الحدود، غالباً ما يبدأ الجانب المقابل في إطلاق النار، ونادراً ما يكون لهذه الإجراءات تصريح رسمي من القادة الأعلى أو السلطات السياسية.

وعلى أية حال، لا يوجد اتفاق رسمي مكتوب لتفاهم وقف إطلاق النار الأخير بخلاف بيان قصير مشترك، وافق على "التقيُّد الصارم" بجميع "اتفاقات وتفاهمات وقف إطلاق النار" السابقة، لكنه ليس الأول من نوعه. ففي مايو 2018، بعد عدة أسابيع من الانتهاكات المنتظمة لوقف إطلاق النار، وافق كلا الجانبين على التنفيذ الكامل لتفاهم 2003. وبحلول عام 2019، كان هناك حوالي 7000 انتهاك لوقف إطلاق النار من كلا الجانبين. وفي عام 2020، قفز هذا الرقم إلى أكثر من 8000، وفعلياً لا يختلف تفاهم هذا العام عن تفاهم 2018.

السيناريوهات المحتملة للصراع الهندي-الباكستاني

 السيناريو الأول، استمرار الوضع الراهن. ويتأسس هذا السيناريو على ثقة الهند في تفوقها العسكري الذي يُعطيها أفضلية لاستمرار الوضع على ما هو عليه، ويدفعها للتأكيد على عدم القبول بالوساطة حول وضع المناطق الحدودية مع باكستان، سواء كانت من الأمم المتحدة أو أي دولة أخرى، وأنه من الأفضل حل القضية بشكل ثنائي بين الدولتين، خلافاً لمساعي باكستان لتدويل القضية ونقلها إلى محكمة العدل الدولية، وهو ما تحاول الهند تفاديه لأن النتيجة لن تكون في صالحها لو تم إعطاء شعب كشمير حق تقرير المصير الذي تريد باكستان تحقيقه. 

السيناريو الثاني، قبول الدولتين بتقسيم كشمير، عبر تحويل خط السيطرة في هذا الإقليم إلى خط حدود بين البلدين، وإنشاء أحزاب مستقلة ذات أغلبية مسلمة في راجوري، وبونش وأوري، مع اندماج المناطق ذات الأغلبية الهندوسية في الهند، وهو ما يعني ضمّ الهند للنسبة الأكبر من مساحة الإقليم، رغم أن ذلك يتنافى مع مسؤولية باكستان تجاه توحيد واستقلال الإقليم، ودعم خيار المسلمين في الحصول على استقلالهم. كذلك، إذا تم الاعتراف بسيادة الهند على هذه المنطقة سيكون لها السيطرة على منبع ثلاثة أنهار رئيسة تُغذي باكستان، مما يشكل تهديداً استراتيجياً لها.

السيناريو الثالث، استقلال كشمير وحيادها، عقِب إجراء استفتاء عام يعقد في غضون خمس إلى عشر سنوات بعد وضع كشمير تحت وصاية الأمم المتحدة، تمهيداً لمنح باكستان والهند الاستقلال للمناطق المتنازع عليها الواقعة تحت سيطرتهما، والسماح لكشمير بالظهور كدولة محايدة. وكانت كشمير المستقلة، بوصفها دولة محايدة، الخيار المفضل للكشميريين. فمنذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي أيد "الشيخ عبد الله" حماية الحكم الذاتي "إلى أقصى حد ممكن".  

الخلاصة والاستنتاجات

  • أهم الحسابات التي دفعت الهند وباكستان للإعلان عن اتفاقهما الأخير بشأن "الالتزام الصارم" بجميع اتفاقيات وتفاهمات وقف إطلاق النار على طول "خط السيطرة" الحدودي في إقليم جامو وكشمير المتنازع عليه بينهما، هي: استمرار الأزمات السياسية في كلا البلدين؛ والضغط الأمريكي المتوقع على نيودلهي لإصلاح علاقاتها مع إسلام أباد من أجل التوصل إلى حلٍّ عمليٍّ في أفغانستان؛ وتقييم الهند بأن الصين هي التحدي الاستراتيجي الأكبر لها، الأمر الذي عزز توجُّه حكومة مودي لإبرام صفقة مع باكستان لتهدئة جبهة واحدة على الأقل.
  • تتمثل أبرز التحديات التي تواجه صمود الاتفاق في محافظة الدولتين على خطابهما القومي العدائي منذ الإعلان عن الصفقة الجديدة المفترضة؛ وتناقُض مواقفهما التفاوضية حول إقليم كشمير؛ وصعوبة "ضبْط" عملية وقف إطلاق النار على طول خط السيطرة بين الدولتين؛ واحتمال استمرار تهديد "الدولة العميقة" في باكستان لفُرَص السلام والتهدئة مع الهند.
  • الظاهِر أن أقصى ما تطمح إليه الهند وباكستان الآن هو الوصول لاتفاق وقف إطلاق نار دائم على طول الحدود المتنازع عليها؛ على اعتبار أن القليل من السلام، مهما قَصُرَت مُدَّته، يُمكِن أن يخدم أغراضهما وأهدافهما السياسية بصورة أفضل كثيراً من احتمالية عودة الأمور بينهما إلى المربع الأول، أي استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار، مع إمكانية انزلاق الأمور إلى حد المواجهة الشاملة.
  • وتُعزِّز الحقائق الجيوسياسية الإقليمية والدولية المتغيرة هذا المسار المحتمل؛ فنظراً لصعود الصين، والتحديات الاقتصادية المتزايدة، والضغط الدولي، والوساطة الخارجية، فإن اتفاقية وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان قد تجلب فترة راحة من عقود من المناوشات الحدودية، مع أنها قد لا تُفضي إلى حصول سلام دائم في جامو وكشمير، وعلى طول خطوط الحدود المتنازع عليها. ويُمكِن أن تشمل جهود التهدئة الراهنة بين الدولتين إعادة بدء التجارة والاتصال عبر خط التَّماس، مما قد يخلق البيئة المناسبة لحوارٍ مُثْمِر يُفضي إلى حلِّ القضايا العالِقَة.

أحدث المواضيع المميزة