اتفاق التعاون الشامل بين الصين وإيران: التداعيات الاستراتيجية والخيارات المتاحة

محمد فايز فرحات | 04 مايو 2021

في 21 يونيو 2020 أعلنت الحكومة الإيرانية موافقتها على مسودة "اتفاق التعاون الشامل" لمدة 25 عاماً مع الصين، كجزء من "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" الموقع بينهما في مارس 2016. وفي 27 مارس 2021 تم توقيع الاتفاق رسمياً من جانب وزيري خارجية البلدين. وأثار الاتفاق جدلاً كبيراً، بدءاً من الدوافع التي تقف وراءه، ومروراً بالمكاسب المتوقعة لطرفيه، والتداعيات المحتملة التي يمكن أن يرتبها الاتفاق بالنسبة لإقليم الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي، وانتهاء بمستقبل الاتفاق ومدى قدرته على الاستمرار في حالة تغير الظروف الإقليمية والدولية الراهنة.

وهناك مصالح عدة تقف وراء قرار الصين وإيران توقيع الاتفاق في هذا التوقيت. بعض هذه المصالح تعود إلى ما قبل توقيع الاتفاق، لكن بعض المصالح الأخرى ترتبط بتوقيت توقيع الاتفاق، الأمر الذي يثير تساؤلات مهمة حول مدى قدرة الاتفاق على البقاء والاستمرار في حالة تغير السياق الدولي والإقليمي الراهن. ولا يرتبط مستقبل الاتفاق بطبيعة المصالح التي تقف وراءه فقط، لكنه يرتبط أيضاً بطبيعة الاتفاق، أو بالأحرى نظرة طرفي الاتفاق إلى الأهداف الحقيقية منه، وقدرة الصين تحديداً على الوفاء بالوعود المرتبطة بالاتفاق للجانب الإيراني، فضلاً عن طبيعة النخبة الحاكمة مستقبلاً في إيران وموقفها من تقييم مكاسب وتكاليف الاتفاق.

للوقوف على كل هذه الأبعاد، وغيرها، قُسِّمَت هذه الورقة أربعة أقسام. يناقش أولها المصالح الصينية والإيرانية التي يمكن أن تفسر لنا قرار توقيع الاتفاق في هذا التوقيت. ويناقش القسم الثاني التداعيات المحتملة للاتفاق. ويناقش القسم الثالث مستقبل الاتفاق. وأخيراً يناقش القسم الرابع الخيارات المتاحة أمام دول مجلس التعاون الخليجي.

المصالح الصينية والإيرانية من وراء الاتفاق

إن فهماً دقيقاً للاتفاق يقتضي الوقوف على طبيعة المصالح القائمة بين الصين وإيران. وكما سبق القول، فإن بعض هذه المصالح يعود إلى ما قبل توقيع الاتفاق، بينما يرتبط بعضها الآخر بطبيعة المشهد الدولي والإقليمي الراهن. ويمكن الإشارة فيما يلي إلى أبرز مصالح الطرفين. 

1. المصالح الصينية

هناك أربع مصالح أساسية للصين لدى إيران، هي:

أ. تأمين تدفقات النفط؛ فرغم أن الصين تعتمد على دول مجلس التعاون الخليجي كمصادر مهمة لهذه التدفقات، لكن جزء من استراتيجية تأمين الطاقة الصينية تقتضي تنويع هذه المصادر. ولا يقتصر ذلك على إقليم الشرق الأوسط، حيث اتجهت الصين إلى فتح أسواق واردات جديدة، مثل روسيا، وآسيا الوسطى، وميانمار، وأفريقيا. وبالإضافة إلى تنويع هذه المصادر والحفاظ على استدامتها، تسعى الصين إلى استغلال الدول النفطية المأزومة لتعظيم مكاسبها النفطية، وهو ما ينسحب على حالة إيران. ولعل ما يؤكد العلاقة القوية بين المصالح النفطية الصينية والاتفاق حصول الصين، بموجب الاتفاق، على تسهيلات كبيرة في هذا المجال، شملت إمكانية الدفع الآجل، والدفع بالعملة الوطنية الصينية، بجانب نسبة الخصم المرتفعة على أسعار السوق والتي قدرت بحوالي 32%.

ب. توفير البيئة المناسبة لنجاح مبادرة الحزام والطريق؛ تحظى المبادرة باهتمام بالغ من جانب الصين، بالنظر لعوامل عدة، منها ارتباطها باسم الرئيس الصيني "شي جينبينغ"، وتحولها إلى استراتيجية متكاملة لمعالجة عدد من المشكلات الاقتصادية الداخلية، بدءاً من مشكلة التنمية غير المتوازنة، سواء بين الأقاليم الساحلية الشرقية وأقاليم الوسط والغرب، أو بين الريف والحضر، ومشكلة الفائض في القدرات الإنتاجية بسبب عدم قدرة السوق المحلية على استيعاب هذه القدرات، ما دفع مخططي السياسات الاقتصادية والتنموية إلى إعادة بناء مصادر النمو الاقتصادي الصيني، في اتجاه الاعتماد على الطلب الخارجي، من خلال نقل هذا الفائض إلى الأسواق الخارجية وزيادة حصة الشركات الصينية من سوق الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم، وتصدير فائض الوفورات المالية إلى الخارج في شكل القروض.  وتحتل بعض الدول أهمية خاصة على مسارات الحزام والطريق، منها باكستان (من خلال الممر الاقتصادي الصين-باكستان) وإيران (من خلال الممر الاقتصادي الصين-غرب آسيا-أوروبا).  في هذا السياق، تحظى إيران بثقل نسبي بالنسبة للصين في إطار المبادرة باعتبارها منطقة عبور مهمة بين الصين ووسط آسيا وصولاً إلى السواحل الأوروبية على البحر الأبيض المتوسط، ما يعني أن إيران تمثل وجهة مهمة للاستثمارات الصينية، خاصة في مجالات البنية التحتية والموانئ البحرية.

ج. فتح أسواق جديدة لصادرات السلاح؛ فقد انحصرت مصادر التسليح بالنسبة لإيران خلال العقدين الأخيرين (2000-2020) في خمسة مصادر فقط، هي، روسيا، والصين، وأوكرانيا، وكوريا الشمالية، وبيلاروس، حيث بلغت قيمة واردات السلاح من هذه الدول الخمس خلال هذه الفترة: 2080، 781، 262، 257، 53 مليون دولار على الترتيب، بإجمالي 3433 مليون دولار.[1] ورغم أن واردات السلاح الإيرانية لازالت محدودة بالمقارنة بمعظم دول الشرق الأوسط، لكنها تمثل سوقاً واعدة، خاصة مع فشل الولايات المتحدة في تمرير مشروع قرارها داخل مجلس الأمن في أغسطس 2020 بتجديد حظر تجارة السلاح المفروض على إيران،[2] حيث أصبح وقف الحظر سارياً منذ منتصف أكتوبر 2020.[3] وفي إشارة واضحة لسعيها إلى زيادة حصتها من سوق السلاح الإيراني، وقفت الصين (وروسيا) بقوة وراء إلغاء هذا الحظر، حيث صوتت (مع روسيا) ضد مشروع القرار الأمريكي، بينما امتنعت 11 دولة عن التصويت، وأيدته دولتان فقط هما الولايات المتحدة والدومنيكان.[4] ومن المتوقع حدوث منافسة بين الصين وروسيا على سوق السلاح الإيرانية، خاصة في ظل سعي إيران المسبق الحصول على طائرات Su-30، Yak-130، والدبابة T-90 ونظام الدفاع الجوي S-400 الروسية لكنها لم تستطع بسبب الحظر الذي ارتبط أيضاً بتوقيع الاتفاق النووي في 2015.

ومن المؤشرات المهمة أيضاً على طموح الصين النفاذ إلى سوق السلاح الإيرانية موافقة اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني (البرلمان)، في 17 أكتوبر 2020، على "قانون الرقابة على صادرات السلاح" Export Control Law. وقد بدأ سريان القانون في الأول من ديسمبر 2020. ورغم أن مشروع القانون يعود إلى عام 2017، لكن تسريع إصداره بالتزامن مع وقف الحظر المفروض على إيران يحمل دلالات مهمة، ذلك أنه رغم أن القانون يهدف إلى وضع ضوابط شاملة على صادرات السلاح الصينية إلى الخارج، بدءاً من تحديد قوائم صادرات السلاح التي تخضع للقانون، سواء المنتجات العسكرية والمواد النووية وغيرها من السلع والتقنيات والخدمات ذات الطبيعة العسكرية، أو المواد ذات الاستخدام المزدوج، وانتهاءً بوضع جزاءات على الشركات الصينية التي قد تخالف القانون، إلا أن قراءة دقيقة للقانون تشير إلى أنه يمثل رسالة صينية للولايات المتحدة والمجتمع الدولي بأن الصين لديها قانون ومعايير شاملة ومحددة لتنظيم صادرات السلاح، على عكس ما يُشاع حول تركيزها على الدول المزعزعة للأمن الإقليمي والعالمي.[5]

د. موازنة النفوذ الأمريكي؛ بالإضافة إلى المصالح الثلاث السابقة لا يمكن استبعاد سعي الصين توظيف علاقاتها مع إيران لموازنة النفوذ الإيراني في إقليم الشرق الأوسط. وتمثل إيران هنا ورقة مهمة، لعوامل تتعلق بطبيعة العلاقات الإيرانية-الأمريكية، وطبيعة منطقة الخليج العربي باعتبارها منطقة نفوذ تقليدي للولايات المتحدة، فضلاً عن أهمية المنطقة بالنسبة للصين كمصدر لنسبة مهمة من وارداتها النفطية. ويزيد من أهمية إيران أيضاً امتلاكها عدد من الموانئ المطلة على الخليج العربي ومضيق هرمز والمسطحات المائية المرتبطة بالمحيط الهندي، ذات الأهمية الاستراتيجية للتجارة الدولية.

لكن مع أهمية هذا الهدف فإنه لا يمثل أولوية قصوى بالنسبة للصين، ويأتي في ترتيب تالٍ للمصالح الثلاث السابقة. كما أن درجة أولويته ترتبط بمسار العلاقات الصينية-الأمريكية خلال الفترة المقبلة.

2. المصالح الإيرانية

هناك ثلاث مصالح إيرانية أساسية لدى الصين، هي:

أ. معالجة الأزمة الاقتصادية: تمثل معالجة تداعيات الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني، بسبب العقوبات الأمريكية، أحد المصالح الأساسية للنظام الإيراني لدى الصين، خاصة بعد فشل إيران في ضمان استمرار الاستثمارات الأوروبية، وعدم فعالية الآليات الأوروبية للتغلب على هذه العقوبات، خاصة "آلية دعم التبادل التجاري" (إنستيكس) Instrument in Support of Trade Exchanges (INSTEX) .[6] وتزداد جاذبية الصين في هذا السياق بالنظر إلى ما تمتلكه الأخيرة من وفورات مالية ضخمة، والموقع المهم الذي تحتله إيران على مسار الحزام والطريق ما يمثل ورقة إيرانية مهمة لجذب الاستثمارات الصينية خاصة في مجالات البنية التحتية، والوزن النسبي المهم لإيران داخل سوق النفط، فضلاً عن ما يجمع الطرفين من علاقة متدهورة مع الولايات المتحدة، ما يوفر فرصة لصياغة خطاب جامع بينهما.

ب. موازنة الضغوط الأمريكية: زادت أهمية هذا العامل خلال الفترة الأخيرة، على خلفية التدهور الذي شهدته العلاقات الإيرانية-الأمريكية عقب الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في مايو 2018، وما تبع ذلك من تطبيق الولايات المتحدة سياسة "الضغوط القصوى" على إيران بهدف إجبارها على قبول التفاوض على نسخة معدلة من الاتفاق النووي وفقاً لشروط أمريكية تضمن عدم تحول إيران إلى قوة نووية، وتنهي السقف الزمني للاتفاق، بجانب إعادة النظر في السياسة الإيرانية في الإقليم والقدرات الصاروخية الإيرانية.[7]

ج. النفاذ إلى صادرات السلاح الصينية: كما سبق القول، من المتوقع أن يزداد حجم الطلب الإيراني على السلاح. ورغم أن إحصاءات ورادات السلاح الإيرانية خلال العقدين الأخيرين تشير إلى أن روسيا تمثل المصدر الأول لهذه الواردات، لكن الصين تمثل المصدر الثاني مباشرة بعد روسيا.

التداعيات المحتملة

الحديث عن التداعيات الاستراتيجية المحتملة للاتفاق يقتضي الانطلاق من افتراض أنه اتفاق ذي طابع استراتيجي، لديه القدرة على البقاء والاستمرار، ولدى طرفيه القدرة على تنفيذه. وتأتي أهمية التأكيد على هذا الافتراض في ضوء وجود وجهة نظر أخرى حول طبيعة الاتفاق وفرص تنفيذه سيتم مناقشتها لاحقاً.

وفيما يلي إشارة لأهم التداعيات المحتملة للاتفاق، استناداً إلى الافتراض السابق.

1. تعقيد العودة إلى الاتفاق النووي

أحد التداعيات المحتملة للاتفاق هو تعقيد العودة إلى الاتفاق النووي. ذلك أن الاتفاق يخلق وضعاً استراتيجياً جديداً لإيران، وينطوي على رسالة واضحة للولايات المتحدة -والقوى الأوروبية-أن إيران باتت تمتلك ليس فقد داعماً قوياً لها، ولكنها تمتلك -بلغة مرحلة الحرب الباردة-بديلاً استراتيجياً، ومجالاً للحركة بعيداً عن المجال الأمريكي. ولا يتعلق الأمر هنا بموقف إيران من الاتفاق، إذ يجب الأخذ في الاعتبار أيضاً موقف كل من الصين وروسيا اللتان تدعمان العودة إلى الاتفاق النووي وفقا لرؤية أقرب إلى الرؤية الإيرانية منها إلى الرؤية الأمريكية، الأمر الذي يعني في التحليل الأخير جلوس إيران على مائدة المفاوضات مدعومة بقوتين مهمتين من القوى الخمس الموقعة على الاتفاق. ويدعم هذا التحليل توقيت توقيع الاتفاق، والذي جاء عقب وصول إدارة بايدن وقبل عودة إيران إلى أية مفاوضات محتملة بشأن الاتفاق النووي. أضف إلى ذلك إعلان بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%.[8] هناك عوامل عدة تقف وراء هذه الخطوة الإيرانية المهمة، لكن لا يمكن استبعاد الدعم السياسي الذي وفره لها الاتفاق الأخير مع الصين.

ومع ذلك، لا يمكن استبعاد أن يلعب هذا الاتفاق دوراً في تسريع وتسهيل المفاوضات الأمريكية-الإيرانية المرتقبة حول الاتفاق النووي، استنادا إلى إمكانية تطور قناعة لدى صانع القرار الأمريكي مفادها أن تضييق الخناق على إيران هو الذي قاد إلى تسريع تقاربها مع الصين؛ ما يعني -وفقا لهذه القناعة في حالة تطورها-أن احتواء إيران وتخفيف شروط العودة إلى الاتفاق النووي بات ضرورياً لإبعاد إيران عن الصين، ولتقليص نفوذ الصين وإضعاف قدرتها على بناء تحالفات في الإقليم.[9] وهناك بعض المؤشرات على حلحلة الموقف الأمريكي حيال شروط إجراءات العودة للاتفاق.[10]

2. تكريس سياسة المحاور الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط

أحد المخاوف الأساسية التي يثيرها الاتفاق هو تدشين سياسة المحاور في الإقليم. لقد عرفت المنطقة بعد انتهاء الحرب الباردة تشكيل بعض المحاور، لكنها ظلت ذات طابع إقليمي في ظل عدم وضوح الاستقطاب الدولي بالمنطقة نتيجة ضعف الحضور الروس والصيني لفترة طويلة، لكن الأزمة السورية، خاصة عقب التدخل العسكري الروسي بجانب النظام السوري، فتحت المجال أمام ظهور "محاور إقليمية" ذات أبعاد دولية على خلفية هذه الأزمة. الاتفاق الصيني-الإيراني قد يكرس هذا التوجه، من خلال إدخال الصين على هذا الخط. ورغم أن الصين لم تكن بعيدة عن المنطقة خلال العقود السابقة، لكن حضورها ظل اقتصادياً بالأساس. الاتفاق قد يمثل نقطة تحول كبيرة في طبيعة السياسة الصينية وطبيعة الحضور الصيني في الإقليم. وهكذا، فإن هذا الاتفاق، وفي ظل حضور روسي قوي في الإقليم، من خلال الوجود العسكري المباشر في سوريا، بالإضافة إلى مشروع القاعدة العسكرية البحرية الروسية في السودان،[11] وفي ظل المسار "الصراعي" بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين، فإن الإقليم بات على أعتاب "مشهد استراتيجي جديد".

في هذا السياق، يمكن تصور تشكل محور "روسي-صيني-إيراني". وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإعلان عن الاتفاق الصيني-الإيراني تزامن معه الحديث عن تجديد الاتفاق الموقع بين البلدين في مارس 2001 والذي تضمن التعاون الروسي-الإيراني في مجالات النفط ومبيعات السلاح لمدة عشرين عاماً.[12] كما يمكن توقع تقارب باكستان مع هذا المحور، وذلك على خلفية العلاقات الصينية-الباكستانية، بشكل عام، والدور الذي توليه الصين لكل من باكستان وإيران على مسار الحزام والطريق.

 وقد تدفع هذه التطورات إلى ظهور محور "أمريكي-خليجي-إسرائيلي". وتزداد فرص تشكل هذا المحور في حالة تزايد الاستقطاب الأمريكي-الصيني وعدم تسوية الأزمة الأمريكية-الإيرانية. ومن المتوقع أن تلعب الولايات المتحدة وإسرائيل دوراً كبيراً في الدفع في اتجاه تشكيل هذا "المحور."[13]

وتذهب بعض الكتابات إلى إمكانية ضم الهند إلى هذا "المحور"، لكن هذا التحليل لا يأخذ في الاعتبار عدداً من الاعتبارات المهمة. أولها، العلاقات الهندية-الروسية المتنامية والتي تمثل أحد المعطيات المهمة في السياسة الخارجية الهندية، خاصة أن روسيا تمثل المصدر الأول للتسليح الهندي. ثانيها، التوتر القائم في العلاقات الهندية-الأمريكية على خلفية صفقة S400 الهندية مع روسيا. ثالثها، العلاقات الهندية-الإيرانية القوية، والتي تتضمن مجالات مهمة، منها الاستثمارات الهندية في ميناء تشابهار الإيراني، ومشروع "محور الشمال-الجنوب" الذي يربط بين ميناء مومباي الهندي بدول وسط آسيا مروراً بإيران.[14] وليس من المتوقع أن تضحي الهند بمصالحها القوية مع روسيا أو مع إيران، فضلاً عن التوجه الاستقلالي في السياسة الخارجية الهندية بشكل عام، وسعيها إلى تأكيد حالة تعددية الأطراف في علاقاتها الخارجية بشكل خاص، وعلى مستوى النظام الدولي بشكل عام. ومن ثم، من المتوقع أن تتجه الهند خلال الفترة القادمة إلى توسيع علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي ومع إيران جنباً إلى جنب.

مستقبل الاتفاق: سيناريوهات مختلفة

مع أهمية الاتفاق، وما يمثله من نقلة محتملة في العلاقات الصينية-الإيرانية، لكن لا يمكن مع ذلك القطع بمستقبل محدد للاتفاق، ومن ثم تداعياته الاستراتيجية. ففي الوقت الذي دافعت فيه العديد من الكتابات عن الطابع الاستراتيجي للاتفاق، وما يمثله من نقطة تحول ضخمة في طبيعة السياسات الصينية في الشرق الأوسط، يظل هناك اتجاه آخر مهم يدافع عن ضرورة عدم تضخيم الاتفاق، وينحاز من ثم لاستنتاج مفاده أن الاتفاق تحركه بالأساس الدوافع والمصالح الاقتصادية والتجارية الصينية، ومصالح إيرانية تتعلق بالعقوبات الأمريكية، ومقتضيات إدارة مرحلة ما قبل العودة إلى الاتفاق النووي، وشروط هذه العودة.

وفيما يلي مناقشة لوجهتي النظر السابقتين.

السيناريو الأول: اتفاق استراتيجي طويل الأمد

تعتمد وجهة النظر القائلة بأن الاتفاق الصيني-الإيراني هو اتفاق ذي طابع استراتيجي طويل الأمد، يؤسس لنقلة نوعية في طبيعة السياسة الصينية في الشرق الأوسط في اتجاه تأكيد دورها العالمي، وأنه قد يدشن لتحالفات وقواعد لعبة جديدة في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، على عدد من الحجج:

أولها، السياق العام لتوقيع الاتفاق، سواء فيما يتعلق بطبيعة المرحلة التي تمر بها العلاقات الصينية-الأمريكية التي أخذت مساراً صراعياً، خاصة منذ منتصف عام 2018، وهو مسار لم يعد يقتصر على القضايا التقليدية (قيمة العملة الوطنية الصينية، بحر الصين الجنوبي، حقوق الإنسان)، لكنه بات يشمل قائمة كبيرة من القضايا الجديدة بالإضافة إلى هذه القضايا التقليدية، مثل حرب الرسوم الجمركية، وهونج كونج، وتايوان، وتكنولوجيا الجيل الخامس، وموازين القوى والنفوذ داخل منطقة الإندو-باسيفيك، والتحالفات الأمريكية في آسيا... إلخ).

ثانيها، يتعلق بضرورة ربط هذا الاتفاق، وما يتضمنه من امتيازات صينية في مجال الموانئ البحرية الإيرانية، بالتوجه الصيني للنفاذ إلى أكبر عدد ممكن من الموانئ المرتبطة بالمحيطين الهادئ والهندي، في إطار ما بات يُعرف في كتابات أمريكية عديدة بنظرية "عقد اللؤلؤ" strings of pearls، سواء من خلال الحصول على امتيازات عسكرية داخل هذه الموانئ، أو امتيازات اقتصادية وتجارية. كما شمل في بعض الحالات تطوير البنية التحتية في هذه الموانئ. وتراوحت مدة عقود الامتياز الصيني بهذه الموانئ بين (10-99) عاماً.[15] بهذا المعنى، فإن نفاذ الصين إلى الموانئ الإيرانية بات حلقة مهمة في هذه الاستراتيجية الصينية.

ثالثها، يتعلق بما قد يترتب على الاتفاق من تعميق العلاقات العسكرية بين الجانبين، بما يتضمنه ذلك من انعكاسات على موازين القوى وقواعد اللعبة في الإقليم. ووفقاً لأحد التقارير، فإن الاتفاق يتضمن بنوداً سرية تسمح بنشر قاذفات وقطع عسكرية صينية بالقرب من مطارات "همدان" و"بندر عباس" وتشابهار" و"أبادان"، مثل طائرات Tupolev Tu-22M3s طويلة المدى وهي نسخة صينية معدلة من الطراز الروسي، بالإضافة إلى الحق في استخدام السفن العسكرية الصينية الموانئ الإيرانية الرئيسة في تشابهار وبندر بوشهر وبندر عباس.[16]

السيناريو الثاني: اتفاق ذي طبيعة اقتصادية وقد يتعرض للتجميد

على العكس من الاجتهادات التي طُرحت بشأن التداعيات الاستراتيجية للاتفاق، هناك اتجاه آخر يرى أن الاتفاق هو اتفاق اقتصادي بالأساس، بل إنه لا يمكن استبعاد سيناريو تحوله إلى "حبر على ورق" دونما أية تداعيات مهمة. هذا الاتجاه يدعمه عدد من الأسانيد؛

أولها، أنه ليس من المتوقع تنفيذ الوعود الصينية بشأن الاستثمارات المخططة، والمقدرة بنحو 400 بليون دولار خلال 25 عاماً، أي بمتوسط 16 بليون دولار سنوياً. هناك عوامل عديدة قد تحول دون تدفق هذا الحجم الضخم من الاستثمارات الصينية طالما استمرت العقوبات الأمريكية على إيران. صحيح أن الشركات الصينية في مختلف القطاعات تعمل بالتنسيق مع الحكومة، وأن بعضها يواجه مشكلة فائض في القدرات الإنتاجية داخل السوق الصينية، لكنها لا يمكنها -في الوقت نفسه-تجاهل التكاليف الاقتصادية والسياسية لقرارات الاستثمار في إيران، خاصة في حالة تزايد حدة الصراع الصيني-الأمريكي، وتوالي قرارات العقوبات الأمريكية المفروضة على الكيانات الاقتصادية الصينية. وتشير خبرة الاستثمارات الصينية في إيران خلال السنوات التالية على الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في مايو 2018 إلى عدم قدرة الشركات الصينية على تجاهل هذه العقوبات، فقد تبع هذا الانسحاب واستئناف العقوبات اتجاه هذه الشركات إما إلى تجميد استثماراتها أو الخروج من إيران. ولم يقتصر الأمر على الاستثمارات، فقد تبع استئناف العقوبات تراجعاً كبيراً في حجم الواردات الصينية من النفط الإيراني.[17]

وحتى إذا تم استبعاد التأثير الراهن لعامل العقوبات الأمريكية، فإن الاستثمارات الصينية في إيران هي استثمارات محدودة، إذ بلغت في المتوسط 1.8 بليون دولار سنوياً منذ عام 2005، ومن ثم من الصعب أن يقفز هذا الرقم بشكل مفاجئ إلى 16 بليون دولار سنوياً في المتوسط خلال العقدين ونصف القادمين. وتجدر الإشارة أيضاً أن النسخة المسربة من الاتفاق لم تتضمن أية إشارات إلى حجم الاستثمارات الصينية المخططة في إيران.[18]

وفي أفضل السيناريوهات، فإن تكلفة الاستثمارات الصينية في إيران في ظل العقوبات الأمريكية ستكون كبيرة، فمن المتوقع أن تحصل الصين على امتيازات ضخمة مقابل تدفق هذه الاستثمارات، بالنظر إلى الوضع التفاوضي الضعيف لإيران (بدائل محدودة جداً لمصادر الاستثمارات الأجنبية) مقابل امتلاك الشركات الصينية فرص واسعة للاستثمار الخارجي. على سبيل المثال، تشير مصادر عدة إلى حصول الصين –بموجب الاتفاق-على النفط الإيراني بنسبة تصل إلى 32% أقل من سعر السوق، وهذا مثال للتكاليف الاقتصادية الإيرانية لتدفق الاستثمارات الصينية.[19] وحتى فيما يتعلق بالجوانب السياسية، في الاتفاق، فإنه يصعب على أي من طرفي الاتفاق مساعدة الآخر في مواجهة مشكلته الأساسية، وهي العلاقة مع الولايات المتحدة.

ثانيها، أنه من الصعب على الصين التضحية بعلاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة المملكة العربية السعودية والإمارات. فقد أثبتت خبرة الأزمة الإيرانية-الأمريكية أن دول المجلس تظل هي البديل الأفضل والأكثر قابلية للاعتماد عليه في ظل هذا النوع من الأزمات النفطية. فقد تبع الأزمة تراجعاً كبيراً في حجم الواردات الصينية من النفط الإيراني مقابل تزايد هذه الواردات من السعودية والعراق. هذا الدرس بالتأكيد سيظل أحد المحددات المهمة في السياسة الصينية تجاه المنطقة مستقبلاً. يرتبط بذلك إدراك الصين أن مصالحها الأساسية في الإقليم، وعلى رأسها ضمان تدفق النفط ونجاح الحزام والطريق، مرهونة باستقرار الإقليم. ورغم الوزن المهم لإيران على مسار مبادرة الحزام والطريق، فإن موقع دول مجلس التعاون الخليجي لا يقل هو الآخر أهمية، خاصة في ظل اندماج دول المجلس في المبادرة.

  ولا يقتصر الأمر على دول مجلس التعاون الخليجي فقط كضابط مهم في المسارات المحتملة لعلاقات الصين مع إيران عقب الاتفاق، لكنه يشمل إسرائيل أيضاً؛ إذ لا يمكن التقليل من أهمية المصالح الصينية مع إسرائيل التي تولي بدورها اهتماماً كبيراً بقضية البرنامج النووي الإيراني، وبتداعيات الاتفاق الصيني-الإيراني. ويأتي في مقدمة المصالح الصينية لدى إسرائيل التعاون التكنولوجي، والاستثمارات الصينية المتنامية داخل إسرائيل. ووفقاً لتقديرات إسرائيلية، حظي قطاع التكنولوجيا بالنسبة الأكبر من الاستثمارات الصينية داخل إسرائيل، حيث بلغت 9.138 بليون دولار خلال الفترة (2002-2020) من إجمالي 19.444 بليون دولار.[20]

وقد حظي الاتفاق بجدل داخل إسرائيل، سواء لجهة تأثيره على تحسين الموقف التفاوضي الإيراني فيما يتعلق بالاتفاق النووي، أو فيما يتعلق بتأثيره على وزن إيران داخل الإقليم، أو فيما يتعلق باحتمالات تطور التعاون العسكري الصيني-الإيراني وإمكانية تزويد الصين إيران بتكنولوجيا صواريخ بحرية متطورة أو أنظمة صواريخ كاملة قد تهدد إسرائيل. لكن في المجمل، فإن التقديرات الإسرائيلية لازالت تميل هي الأخرى إلى أن الاتفاق لن يمثل تغييراً ضخماً في معادلات القوى في الشرق الأوسط.[21]

ثالثها، يتعلق بوجود سوابق مهمة تؤكد عدم استعداد الصين لخوص معارك مع الولايات المتحدة نيابة عن قوى إقليمية، أو لدفع تكاليف اقتصادية وسياسية لإنقاذ مثل هذه الدول من أزماتها الخارجية والداخلية. والمثال الأبرز هنا هو حالة فنزويلا والتي تتشابه مع حالة إيران كثيراً (دولة نفطية، ذات توجهات عدائية مع الولايات المتحدة، تعاني من مشكلات داخلية). بل إنه يمكن القياس على اتفاقات صينية-إيرانية في مراحل سابقة؛ ففي يناير 2016، وخلال زيارة الرئيس الصيني "شي جينبينغ" لإيران (عقب توقيع الاتفاق النووي بستة أشهر، وهي أول زيارة لرئيس صيني لإيران خلال 14 عاماً)، تم ترقية العلاقات بين البلدين إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة"، وتوقيع 17 اتفاقاً، والاتفاق على زيادة حجم العلاقات التجارية لتصل إلى 600 بليون دولار،[22] ومع ذلك ظلت معظم هذه الاتفاقيات حبراً على ورق، ولم تحقق العلاقات التجارية هذه النقلة "الطموحة".

أما فيما يتعلق بتوقيت توقيع الاتفاق، فيمكن القول هنا إنه يرتبط بالمنهج الصيني التقليدي الذي يقوم على استغلال حالات الضعف السياسي والأزمات الخارجية التي تمر بها بعض الدول في مراحل محددة بهدف الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب الاقتصادية طويلة الأمد، أكثر من كونه يتعلق بالصراع الصيني-الأمريكي الراهن.

رابعها، يتعلق بوجود اتجاه داخل إيران لا يزال يرفض الاتفاق، ويرى أنه يتضمن تنازلات ضخمة للصين لا تتناسب مع المكاسب الإيرانية المتوقعة، إلى حد الانتقاص من السيادة الإيرانية، خاصة في ضوء عدم إعلان الحكومة الإيرانية عن مضمون الاتفاق ورفض عرضه على البرلمان الإيراني. ويؤكد الاتجاه المعارض للاتفاق أن المصالح قصيرة المدى يمكن أن ترتب أوضاعاً طويلة المدى.

خامسها، يتعلق بارتباط مستقبل الاتفاق، والعلاقات الصينية-الإيرانية بشكل عام، بمستقبل علاقات طرفي الاتفاق مع الولايات المتحدة؛ فإذا افترضنا نجاح الولايات المتحدة وإيران في العودة إلى الاتفاق النووي، لا شك أن هذا التطور سيكون له انعكاساته على مسار العلاقات الصينية-الإيرانية، بل قد تكون هذه العلاقات جزءاً من تفاهمات أمريكية-إيرانية. الأمر ذاته، إذا افترضنا تحسن العلاقات الأمريكية-الصينية ونجاح الطرفين في التوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا محل الخلاف، لا شك أيضاً أن هذا التطور سيكون له انعكاساته على مسار العلاقات الصينية-الإيرانية. أو على الأقل قد لا تجد الصين حاجة لبناء تحالفات مكلفة. 

سادسها، يتعلق بضرورة وضع اتفاق "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" الموقع بين البلدين في مارس 2016، والذي أسس للاتفاق الصيني-الإيراني الأخير، في إطار السياق العام للدبلوماسية الصينية، ذلك أن أحد الملامح الأساسية للدبلوماسية الصينية هي تجنب الدخول في تحالفات أمنية، مقابل الاعتماد على صيغ مختلفة للشراكات الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، تعتمد الصين على ثلاثة مستويات من الشراكات، هي: "الشراكة التقليدية" regular partnership، و"الشراكة الاستراتيجية" strategic partnership، ثم "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" comprehensive strategic partnership. صحيح أن الشراكة مع إيران تنتمي إلى المستوى الثالث، وهو الأعلى والذي يتضمن تعاوناً عسكرياً، لكن يجب الأخذ في الاعتبار أن هناك شراكات استراتيجية شاملة للصين مع أكثر من 30 دولة في العالم دون أن تتحول إلى علاقة تحالف بالمعنى السياسي والأمني (تشمل دولاً عدة في الشرق الأوسط منها السعودية والإمارات ومصر).[23]

وأخيراً، يمكن الإشارة إلى عدد من المؤشرات الإضافية للتدليل على أن الصين لا تصنف الاتفاق ضمن الاتفاقات "الأمنية الاستراتيجية". من هذه المؤشرات حرص الصين على تجاهل الاتفاق وعدم الإعلان عنه حتى توقيعه رسمياً، حيث جاء الإعلان عن مشروع الاتفاق أولاً من جانب الحكومة الإيرانية في يونيو 2020.[24] المؤشر الثاني المهم هو توقيع الاتفاق على مستوى وزراء الخارجية؛ إذ كان من المتوقع أن يتم توقيع اتفاق بهذا الحجم بواسطة رئيسي البلدين، الأمر الذي يشير -ربما-إلى رغبة الصين في عدم رفع سقف التوقعات الدولية من الاتفاق.

في المجمل، وإزاء تعدد وجهات النظر بشأن طبيعة الاتفاق وتداعياته المحتملة، يمكن القول إن مستقبل الاتفاق سيظل مرهوناً بعدد من المتغيرات، أهمها مستقبل علاقات طرفي الاتفاق مع الولايات المتحدة، ذلك أن تحسن هذه العلاقات، أو اتجاهها إلى مزيد من التدهور، سيكون له تأثيراته على مستقبل الاتفاق ومسار العلاقات الصينية-الإيرانية.

الخيارات المتاحة أمام دول مجلس التعاون الخليجي

تعتمد الخيارات المتاحة لدى دول مجلس التعاون الخليجي للتعامل مع الاتفاق الصيني-الإيراني وتداعياته المحتملة على طبيعة الاتفاق في ظل وجهتي النظر السابقتين، والمسار الذي يمكن أن تأخذه العلاقات الصينية-الإيرانية خلال المرحلة المقبلة، وأخيراً على المدى الزمني لبناء هذه الخيارات.

وبشكل عام، يمكن التمييز بين خيارات مقترحة على المدى القصير وأخرى على مدى زمني أبعد.

1. على المدى القصير

على المدى الزمني القصير يُقترح تركيز دول المجلس على المحاور التالية:

  1. عدم إدخال أية تغييرات على طبيعة سياسات دول المجلس تجاه الصين، على أي من المستويات السياسية أو الاقتصادية. بل على العكس، سيكون من الأفضل في هذا السياق الاستمرار في تعميق الشراكات الاستراتيجية مع الصين، بما في ذلك استمرار الاندماج في الحزام والطريق. بجانب استمرار الحوار مع الصين بشأن دورها في المنطقة، والتداعيات التي يمكن أن يرتبها تعظيم دور إيران بالنسبة للاستقرار الإقليمي، بالإضافة إلى اتجاهات مبيعات السلاح الصينية في الإقليم وتأثيرها على الأمن الإقليمي.
  2. تجنُّب الانخراط في أية مشروعات لتحالفات جديدة في المنطقة على أرضية احتواء الصين في الإقليم أو كرد فعل على الاتفاق الصيني-الإيراني، دون أن يعني ذلك تحجيم علاقات دول المجلس مع الدول المتضررة أو الرافضة أو المعنية بتداعيات الاتفاق على مصالحها (الهند، وإسرائيل، وباكستان).
  3. الحفاظ على العلاقات السياسية والأمنية مع الولايات المتحدة عند مستواها الراهن.

وتستند المقترحات السابقة إلى عدد من الحجج، أبرزها عدم اتضاح الطبيعة النهائية للاتفاق، وعد اتضاح تداعياته الاستراتيجية المحتملة، من ناحية. كما أن التعامل السلبي المبكر مع الاتفاق قد يمثل عاملاً في دفع العلاقات الصينية-الإيرانية في اتجاه سلبي، ودفع العلاقات بين دول المجلس والصين في اتجاه صيغة المباريات الصفرية، وهو أمر غير مطلوب.

2. على المدى المتوسط

تعتمد السياسات المقترحة على المدى المتوسط على مدى اتضاح طبيعة الاتفاق والمسار الذي ستأخذه العلاقات الصينية-الإيرانية استناداً إلى هذا الاتفاق واتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقع في 2016. ويمكن في هذا السياق تصور ثلاثة سيناريوهات.

السيناريو الأول، تجميد الاتفاق أو عدم تنفيذه، لأسباب تتعلق باستمرار العقوبات الأمريكية على إيران، أو تسوية أي من الصين أو إيران، أو كلتاهما، أزماتها مع الولايات المتحدة؛ إذ من المتوقع في هذه الحالة مراجعة أي منهما أو كلتاهما للاتفاق، خاصة في حالة تضمين هذا الملف أية مباحثات أو تسويات بين أي منهما والولايات المتحدة.

السيناريو الثاني، هيمنة الطابع الاقتصادي والتجاري للاتفاق، بما يتضمنه ذلك من تعزيز علاقات التجارة والاستثمار بين الجانبين، دونما تغير كبير في طبيعة العلاقات الأمنية. وفي حالة تطور أي من هذين البديلين سيكون من الأفضل اتباع دول المجلس السياسة ذاتها المقترحة على المدى القصير.

السيناريو الثالث، تكريس الاتفاق لعلاقات أمنية وعسكرية بين الصين وإيران، وتحول الأخيرة إلى نقطة ارتكاز صينية في الإقليم في مواجهة النفوذ الأمريكي وتحالفاتها القائمة في الإقليم. وفي هذه الحالة سيكون على دول المجلس اتخاذ قرارات استراتيجية بشأن علاقاتها مع الصين، وبشأن التحالفات الجديدة المتوقعة بالإقليم، إذ قد يصبح من الضروري الدخول في شبكة من التحالفات الموازنة طبقاً للمدى الذي ستأخذه العلاقات الصينية-الإيرانية.

الهوامش والمصادر

[1] SIPRI Database, Stockholm International Peace Research Institute. https://sipri.org/databases/armstransfers  

[2] لمزيد من التفصيل حول هذا الحظر راجع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة الصادرة خلال الفترة من 2006 إلى 2010:

- UN Security Council, Resolution 1737 (2006), 27 December 2006. https://undocs.org/S/RES/1737(2006)

- UN Security Council, Resolution 1747 (2007), 24 March 2007. https://undocs.org/ar/S/RES/1747(2007)

- UN Security Council, Resolution 1929 (2010), 9 June 2020. https://undocs.org/ar/S/RES/1929(2010)

- UN Security Council, Resolution 2231 (2015), 20 July 2015. https://undocs.org/ar/S/RES/2231(2015)

[3] Jennifer Hansler and Richard Roth, “UN Security Council rejects US proposal to extend Iran arms embargo”, CNN, August 14, 2020. https://edition.cnn.com/2020/08/14/politics/us-un-proposal-iran-conventional-weapons-rejected/index.html

[4] لمزيد من التفصيل حول آفاق تجارة السلاح والعلاقات العسكرية بين الصين وروسيا وإيران بعد رفع حظر تجارة السلاح المفروض على إيران، أنظر: Agnes Helou, “Who will sell Iran weapons now that the arms embargo is dead?”, November 16, 2020. https://www.defensenews.com/global/mideast-africa/2020/11/16/who-will-sell-iran-weapons-now-that-the-arms-embargo-is-dead/

[5] على سبيل المثال، نص القانون على التزام الشركات الصينية المصدرة للسلاح بتقديم شهادات حول المستخدمين النهائيين والاستخدامات النهائية لهذا السلاح، وإلزام المستخدمين النهائيين بعدم تغيير الاستخدام النهائي للمنتج أو نقل المنتج إلى أي طرف ثالث دون إذن من هيئة الرقابة على الصادرات. كذلك، يلزم القانون المُصدِر إبلاغ السلطة الحكومية ذات الصلة فور اكتشافه تغيير المستخدم النهائي للسلاح أو تغيير طبيعة الاستخدام النهائي. كما يجوز، بموجب القانون، يجوز لهيئة الرقابة على الصادرات إجراء التقييم والتحقق من المستخدمين النهائيين وطبيعة الاستخدام النهائي للعناصر الخاضعة للرقابة. ويخول القانون هيئة رقابة صادرات السلاح وضع قائمة سلبية للمستوردين والمستخدمين النهائيين الذين (1) ينتهكون شرط المستخدم النهائي أو طبيعة الاستخدام النهائي؛ (2) أو الذين يعرضون الأمن والمصالح الوطنية للخطر؛ أو (3) الذين يستخدمون هذه الصادرات في الإرهاب. ووضع القانون مجموعة من الإجراءات -على سبيل المثال لا الحصر-للتعامل مع هذه الحالات. لمزيد من التفصيل أنظر: “China Enacted the Export Control Law” JD SUPRA, February 25, 2021. Available at:  https://www.jdsupra.com/legalnews/china-enacted-the-export-control-law-4656985/

[6] هي آلية مالية أنشأتها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في يناير 2019، لتسهيل المعاملات المالية مع إيران في ظل العقوبات الأمريكية التي فُرضت عليها عقب الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في مايو 2018. وقامت الآلية على توفير قناة للشركات الصغيرة والمتوسطة للحفاظ على معاملاتها المالية مع إيران، سواء من خلال نظام المقايضة للبضائع والمدفوعات، أو من خلال إجراء المعاملات التجارية بعملات غير الدولار. لكن الآلية واجهت مشكلات كثيرة. وحول عدم رضاء إيران عن هذه الآلية وعدم فعاليتها أنظر: Islamic Republic News Agency (IRNA), “INSTEX and damaged European prestige”, 6 March 2021. https://en.irna.ir/news/84253795/INSTEX-and-damaged-European-prestige; Iran’s Ambassador to UN Says INSTEX Mechanism Failed to Meet Its Goal Over Past Two Years”, SPUTNIK, 21 Dec. 2020. https://sputniknews.com/middleeast/202012211081521921-irans-ambassador-to-un-says-instex-mechanism-failed-to-meet-its-goal-over-past-two-years/  

[7] لمزيد من التفصيل حول أسباب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران أنظر: Agung Banyu Perwita & Muhammad Ilham Razak, “U.S. Foreign Policy Towards Iranian Nuclear Threat from Bill Clinton to Donald Trump Administration Anak”, Insignia Journal of International Relations, Vol. 7, No.1, April 2020, pp. 34-36. 

[8] "إيران تعلن بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%"، جريدة الشرق الأوسط، 16 أبريل 2021.

[9] Shireen Hunter, “The Iran-China agreement: Inconsequential or a game changer?”, Responsible Statecraft, APRIL 5, 2021. https://responsiblestatecraft.org/2021/04/05/the-iran-china-agreement-inconsequential-or-a-game-changer/

[10] أنظر على سبيل المثال: "أميركا اقترحت أفكاراً جادة جداً على إيران بشأن الاتفاق النووي"، الشرق الأوسط، 10 أبريل 2021.

[11] ينص الاتفاق الموقع بين روسيا والسودان في نوفمبر 2020 بهذا الشأن على موافقة السودان على إقامة منشأة بحرية روسية بالقرب من ميناء بورتسودان، تكون قادرة على استقبال سفن حربية تعمل بالطاقة النووية، بالإضافة إلى استيعاب ما يصل إلى 300 عسكري ومدني روسي. كما يُسمح للمنشأة باستقبال أربع سفن حربية في وقت واحد. مدة الاتفاقية 25 عاماً قابلة للتمديد 10 سنوات إضافية بموافقة الطرفين.

[12] Islamic Republic News Agency (IRNA), “FM Zarif: Renewing Iran's 20-year agreement with Russia on agenda”, Jul 21, 2020. https://en.irna.ir/news/83864579/FM-Zarif-Renewing-Iran-s-20-year-agreement-with-Russia-on-agenda; “Iran, Russia to Ink Comprehensive Cooperation Deal”, Tasnim News Agency, April, 12, 2021. Available at: https://www.tasnimnews.com/en/news/2021/04/12/2483337/iran-russia-to-ink-comprehensive-cooperation-deal; Tom O’connor, “Iran Seeks Deals with Russia and China To Build Coalition to Resist U.S.”, Newsweek, 22 July 2020. https://www.newsweek.com/iran-russia-deal-china-agreement-coalition-1519467

[13] لمزيد من التفصيل حول تداعيات الاتفاق بالنسبة لإسرائيل، أنظر: آمال شحادة، "قلق إسرائيلي بعد الاتفاق الصيني-الإيراني... طهران تلتف على العقوبات بمساعدة بكين"، مجلة المجلة، 4 أبريل 2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/gmI8f

[14] لمزيد من التفصيل حول هذا المشروع أنظر: Shankar Shinde, “International North South Transport Corridor (INSTC Conference)”, Mumbai, 28th February 2017. Available at: https://www.ldz.lv/sites/default/files/Shankar_Shinde_INTSC.pdf  

[15] لمزيد من التفاصيل أنظر: Richard Chiasy, FEI SU & Lora Saalman, “The 21st Century Maritime Silk Road Security Implications and Ways forward for the European Union”, SIPRI & Friedrich Ebert Stiftung, Stockholm, June 2018, p. 6. Available at: https://www.sipri.org/sites/default/files/2019-10/the-21st-century-maritime-silk-road.pdf; Brewster, D., “Silk Roads and strings of pearls: The strategic geography of China’s new pathways in the Indian Ocean”, Geopolitics, vol. 22, no. 2, 30 Aug. 2016, pp. 271–72.

[16] Simon Watkins, “China Inks Military Deal with Iran under Secretive 25-Year Plan”, Oil Price, July 06, 2020. https://oilprice.com/Energy/Energy-General/China-Inks-Military-Deal-With-Iran-Under-Secretive-25-Year-Plan.html

[17] Amos Yadlin and Ari Heistein, “The Prospects of A China-Iran Axis”, Commentary, War on the Rocks, August 10, 2020. Available at: https://warontherocks.com/2020/08/the-prospects-of-a-china-iran-axis/

 [18] للاطلاع على النسخة المسربة في يوليو 2020، والنسخ المسربة عقب التوقيع الرسمي على الاتفاق، راجع: https://static1.squarespace.com/static/54db7b69e4b00a5e4b11038c/t/5f0a3b017adc097c9945645c/1594506439567/China_Iran_Document.pdfhttps://drive.google.com/file/d/12r9OwyDxChyL64wn8Q0X_TAKrlauk5GO/view

[19] Amos Yadlin and Ari Heistein, “The Prospects of A China-Iran Axis”, op., cit;  Simon Watkins, “China Inks Military Deal with Iran under Secretive 25-Year Plan”, op., cit.

[20] Doron Ella, “Chinese Investments in Israel: Developments and a Look to the Future”, The Institute for National Security Studies, Special Publication, Tel Aviv, February 1, 2021. Available at: https://www.inss.org.il/publication/chinese-investments/

[21] أنظر على سبيل المثال: Sima Shine, Eyal Propper, and Bat Chen Feldman, “Iran and China: On the Way to a Long-Term Strategic Agreement?”, INSS Insight, No. 1352, July 23, 2020. Available at: https://www.inss.org.il/publication/china-iran-agreement/; Tuvia Gering & Dr. Yossi Mansharof, "The China-Iran Agreement is not a Strategic Shift", The Jerusalem Institute for Strategy and Security, 24 August 2020. Available at: https://jiss.org.il/en/gering-mansharof-agreement-between-china-and-iran-is-not-a-strategic-turnaround/

[22] لمزيد من التفصيل أنظر: “Full text of Joint Statement on Comprehensive Strategic Partnership between I.R. Iran, P.R. China”. Available at: http://www.president.ir/EN/91435; Islamic Republic News Agency (IRNA), ”Iran, China sign 17 cooperation agreements”, Jan 23, 2016. Available at: https://en.irna.ir/news/81931797/Iran-China-sign-17-cooperation-agreements; “Iran and China agree closer ties after sanctions ease”, BBC, 23 January 2016. Available at: https://www.bbc.com/news/world-middle-east-35390779

[23] أنظر: Jonathan Fulton, "China Changing Role in the Middle East", Atlantic Council, Rafik Hariri Center for the Middle East, June 2019. Available at: https://www.atlanticcouncil.org/wp-content/uploads/2019/06/Chinas_Changing_Role_in_the_Middle_East.pdf; Mohammad Pervez Bilgrami, "Implications of the Iran-China Deal on India", Opinion, Center for Iranian Studies in Ankara (IRAM), 07.09.2020. https://iramcenter.org/en/implications-of-the-iran-china-deal-on-india/

[24] أنظر تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية رداً على سؤال حول تسريب مسودة الاتفاق من جانب صحيفة "نيويورك تايمز": Ministry of Foreign Affairs of The People’s Republic of China, “Foreign Ministry Spokesperson Hua Chunying's Regular Press Conference on July 13, 2020”. Available at https://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/xwfw_665399/s2510_665401/t1797455.shtml

 

أحدث المواضيع المميزة