استراتيجية أوروبية جديدة في منطقة الإندوباسيفيك: المُحرِّكات والكوابِح

أحمد دياب | 28 سبتمبر 2020

تدرُس القوى الأوروبية الكبرى كيفية تكثيف وجودها العسكري في إطار استراتيجية جديدة تتبنى مواقف أكثر صرامة ضد تحركات الصين "الأحادية" وتوسعها البحري في منطقة المحيط الهندي وغرب المحيط الهادئ، والتي تمتد بدءاً من شرق أفريقيا، مروراً بشرق وجنوب شرقي آسيا، ثم بحر الصين الجنوبي، وتايوان، واليابان، وإندونيسيا، وأستراليا.

وفي هذا الإطار، قامت بريطانيا بتحركات استراتيجية في السنوات الأخيرة في المحيطين الهندي والهادئ؛ فلديها مصلحة حيوية في هذا الركن من الكرة الأرضية، وهي تعتمد في وجودها على التجارة العالمية، وقد حققت المملكة المتحدة، التي كانت قوة دولية اقتصادية وبحرية وعسكرية، في القرون السابقة، بعض التقدم في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، تعمل فرنسا منذ عدة سنوات على ترسيخ وجودها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتعتبر الدولة الأوروبية الوحيدة التي تملك وجوداً عسكرياً مستداماً في تلك المنطقة. فمن مرور سفن حربية في بحر الصين إلى تدريبات عسكرية في جنوب شرق آسيا، تستخدم فرنسا ورقة الدبلوماسية العسكرية في منطقة الهند والمحيط الهادئ لحماية مصالحها والمساهمة في الحد من الأطماع الإقليمية للصين.

ومؤخراً، أفادت التقارير أن ألمانيا فكرت في إرسال سفن حربية لدعم عمليات حرية الملاحة الأمريكية. ومن خلال تبني عقيدة استراتيجية جديدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، قد تصبح ألمانيا قريباً لاعباً استراتيجياً أكثر نشاطًا في شرق آسيا بما يتجاوز دورها التاريخي.

ملامح الاستراتيجية الأوروبية "الجديدة" في منطقة الإندوباسيفيك

1.  على المستوى السياسي:

  • خلال الأشهر الأخيرة، اتخذت المملكة المتحدة خطوات محورية لتغيير سياستها تجاه الصين، فدعت في البداية حاملي جوازات السفر البريطانية في هونغ كونغ إلى تقديم طلب للحصول على إقامة دائمة، ثم استبعدت شركة "هواوي" من شبكات الجيل الخامس في بريطانيا اعتباراً من عام 2027. وحذت فرنسا حذوها في هاتين الخطوتين، فرفضت المصادقة على معاهدة تسليم المطلوبين مع هونغ كونغ وطلبت من شركات التشغيل المحلية أن توقف تعاملها مع "هواوي" بحلول عام 2028[1].
  • أصدرت ألمانيا في 2 سبتمبر 2020 استراتيجية أوروبية نحو منطقة الإندوباسيفيك، لاسيما بعد فشل سياسة ألمانيا المسماة "التغيير من خلال التجارة" تجاه الصين. وتحمل هذه الاستراتيجية الجديدة شعار "ألمانيا وأوروبا وآسيا وتشكيل نظام القرن الحادي والعشرين معاً"، وتهدف إلى تكريس الدور الألماني في تشكيل نظام جديد مبني على القواعد والأسس السليمة في هذه المنطقة من العالم، وتجنُّب إقامة نظام يعتمد على قانون القوة. كما تهدف تلك السياسة، أيضاً، إلى رفض التبعية الاقتصادية المطلقة للصين من جانب واحد، وتنويع الشراكات الاقتصادية مع رابطة دول جنوب شرق آسيا "الآسيان"[2]. ويشير الإعلان الألماني بشكل لا لبس فيه إلى إعادة تقييم أوروبا المتزايدة لنهجها تجاه الصين. ولن يمر وقت طويل قبل أن تحذو دول أوروبية أخرى حذو ألمانيا وفرنسا في شق طرق جديدة في المحيطين الهندي والهادئ[3].
  • وفي 16 سبتمبر 2020، قدمت المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا أيضاً بياناً إلى الأمم المتحدة في شكل مذكرة شفوية حول التطورات في بحر الصين الجنوبي، بعد أن أثار النشاط المتزايد للصين فيما يتعلق بتايوان، والتدريبات العسكرية في هذه المنطقة، اهتماماً دولياً وأثارت مخاوف جدية فيما يتعلق بمسار التطورات فيها. وتتمتع الدول الثلاث بمصالح تجارية واسعة في هذه المنطقة، ولها علاقات تجارية مع كوريا واليابان وتايوان. لذلك، فإن زيادة التوترات في بحر الصين الجنوبي من شأنها أن تزيد من تكاليف الشحن وتكاليف التأمين، وهذا من شأنه أن يجعل صادراتها باهظة الثمن، وسيؤثر على ديناميات السوق[4].

2. على المستوى العسكري:

تُشجِّع استراتيجية الأمن البحري للاتحاد الأوروبي صراحةً الدول الأعضاء على "لعب دور استراتيجي في توفير الوصول العالمي والمرونة والوصول" للاتحاد الأوروبي، واستخدام قواتها المسلحة "لدعم حرية الملاحة والمساهمة في الحوكمة العالمية من خلال ردع الأنشطة غير المشروعة ومنعها ومكافحتها". وتشارك دولتان من الدول الأعضاء التي لها قدرات بحرية في المياه الزرقاء حالياً بنشاط في الدفاع عن عمليات حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، وهما فرنسا وبريطانيا.

1. فرنسا: كان الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند بعد توليه منصبه عام 2012، قد وضع استراتيجية "التوجه إلى آسيا"، وأوضح أن فرنسا هي أيضاً من بلدان المحيط الهادئ، ولها مصالح استراتيجية، ويتمثل هدفها الاستراتيجي في تعزيز وجودها في المنطقة. وتعد فرنسا دولة مشاطئة مع 1.5 مليون نسمة من مواطنيها في جميع أنحاء المحيطين الهندي والهادئ ضمن خمس مناطق تابعة لها، بالإضافة إلى 200 ألف مواطن فرنسي آخرين موجودين في مختلف بلدان المنطقة. كما تحتفظ باريس بمنطقة اقتصادية خالصة تبلغ مساحتها نحو 9 ملايين كيلومتر في نفس المنطقة، ما يجعلها ثاني أكبر المناطق الاقتصادية الأوروبية الخالصة في العالم.

وفي عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، تبنَّت فرنسا موقفاً استراتيجياً استباقياً في المنطقة مع التركيز على الصين، وكثفت فرنسا من ارتباطاتها الاستراتيجية في جميع أنحاء المنطقة، ووسعت العلاقات الدفاعية والاقتصادية مع قوى ديمقراطية متشابهة التفكير في أستراليا واليابان والهند وجنوب شرق آسيا. وخلال زيارته إلى أستراليا في أواخر أبريل 2018، دعا ماكرون إلى بناء محور فرنسي-أسترالي-هندي، مُعتبراً أن محوراً كهذا "سيُمكِّن من التعاطي مع الصين من موقع "الشراكة المتكافئة"، من أجل "فرض حرية الملاحة وحركة الطيران"، وهذا المحور ليس في مواجهة الصين، لكن تجنُّباً للهيمنة"[5].

وفي أغسطس 2018، قامت فرنسا بمهمة جوية غير مسبوقة في جنوب شرق آسيا أطلقت عليها تسمية "بيجاس"، تشمل ثلاث مقاتلات من طراز رافال، وطائرة نقل عسكرية من طراز أي 400 أم، وطائرة أي 310 وطائرة للتزود بالوقود انطلقت في رحلة من أستراليا إلى الهند مع توقف متعدد في دول شريكة بهدف المساهمة في تعزيز وجود فرنسا في هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية[6].

وفي عام 2019، أصدرت فرنسا ورقة استراتيجية إقليمية تعهَّدت فيها "بتعزيز موقفها كقوة إقليمية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ"، وعقدت فرنسا اجتماعاً ثلاثياً رفيع المستوى مع أستراليا والهند في 9 سبتمبر 2020، ووقعت اتفاقية لوجستية مع كلا البلدين تسمح لقواتها بالوصول إلى منشآت على أراضي بعض جزرهما، والعكس صحيح.

2. بريطانيا: تُفكِّر بريطانيا في حقبة ما بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، في خطوات مماثلة، ودعا عضو البرلمان البريطاني أندرو بوي حكومة جونسون إلى "فتح أعينها على التهديدات الواضحة بشكل صارخ" التي تُشكِّلها الصين، و"تصعيد الموقف" من خلال نشر حاملة الطائرات "الملكة إليزابيث" في غرب المحيط الهادئ. وقامت بريطانيا منذ عام 2018 بنشر سفنها الحربية في المنطقة لأول مرة من بعد غياب دام لعدة سنوات، بل إن هذه السفن شاركت في عمليات بالقرب من جزيرة باراكال المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، وهو ما أثار حفيظة الصينيين آنذاك وجعل بكين تعترض وتهدد، وتعتبر العمل البريطاني خرقاً فاضحاً لقواعد القانون الدولي[7].

وتتمتع بريطانيا حالياً بحضور عسكري وأمني واستخباراتي ولوجستي لافت وكاف، حيث تحتفظ بقوات من "الغوركا" في سلطنة بروناي، وتملك قاعدة لوجستية في سنغافورة، وتشترك مع كلٍّ من تحالف "العيون الخمس"، وهو تحالف استخباراتي يضم إلى جانبها أستراليا وكندا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، ويرمي هذا التحالف إلى الاستثمار بشكل مشترك وواسع النطاق في المجالات التي تهيمن عليها الصين، مثل التكنولوجيا والبحوث[8].

وانضمت المملكة المتحدة، التي تعد أيضاً موطناً للمياه الإقليمية وجزءاً من الترتيب الدفاعي الخماسي، إلى الوجود الغربي في بحر الصين الجنوبي مؤخراً، مع نشر ثلاث سفن في أغسطس 2018 لإرسال "أقوى الإشارات" حول أهمية حرية الملاحة. ويمثل الحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد أمراً حيوياً لبقاء بريطانيا في عالم ما بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. ومن خلال تعزيز استراتيجيتها المسماة "بريطانيا العالمية"، فإنها تحتاج أيضاً إلى تعزيز التعاون الدفاعي مع شركاء المحيطين الهندي والهادئ لطمأنتهم بالتزامها الدائم بالأمن الإقليمي والقيم المشتركة.

وفي حين أن دوافع وشكل أنشطة حرية الملاحة الفرنسية والبريطانية تختلف اختلافاً طفيفاً، إلا أنها ترسل الرسالة نفسها، والتي تخدم مصالح جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وفي ضوء التوترات المتصاعدة منذ بداية عام 2019، بدأت البلدان ذات التفكير المماثل في تشكيل جبهة موحدة للدفاع عن حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي والتطبيق العالمي للقانون الدولي. وعلى الرغم من أن بروكسل وواشنطن قد تختلفان في مواقفهما الحالية بشأن الصين ومعاملتها، إلا أن كليهما يشترك في مصلحة الحفاظ على مجال بحري عالمي حر قائم على القواعد[9].

مُحرِّكات الاستراتيجية الأوروبية الجديدة في المحيطين الهندي والهادئ

1. المحركات الجيوسياسية (احتواء الصين)

  • يتحرك مركز الجاذبية الجيوسياسية في العالم بثبات نحو الشرق منذ عقود. واليوم، تفوق منطقة آسيا والمحيط الهادئ بفارق كبير حصة أوروبا في إجمالي الناتج العالمي والإنفاق العسكري. ورغم خطورة التنافس القائم بين روسيا والغرب، يبقى الصراع عبر المحيط الهادئ بين الصين وأمريكا على درجة كبرى من الأهمية التاريخية[10]. ويشكل المحيط الهندي أهمية كبيرة فيما يتعلق بالتجارة الدولية. فهناك ما لا يقل عن 63 ميناء موزعة عبر مختلف المواضع في هذا المحيط الكبير، والتي يمكن الوصول إليها من خلال ثلاثة مضايق بحرية مهمة هي مضيق هرمز، ومضيق ملقا ومضيق باب المندب. ويشكل المحيط الهندي وحده ما يقارب 80% من عبور ناقلات النفط العالمية. ويضم قوى نووية بدءاً من الهند وباكستان.
  • ومن ناحية ثانية، تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعبئة الاتحاد الأوروبي ضد الصين، وضغطت على الدول الأعضاء بالاتحاد كي لا تدخل في شراكات مع شركات صينية بمجال شبكات الجيل الخامس. وفي يونيو الماضي، حض وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أوروبا بشكل علني على رفع نبرتها تجاه الصين، وأن تختار بوضوح "الحرية" بدلاً من "الطغيان"، و"مناقشة موضوع التهديد الذي تمثله الصين على الغرب وقيمنا الديمقراطية المشتركة". وتتجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى بدء حوار يرمي إلى تجاوز خلافاتهما حول الصين، وتأمل واشنطن أن يكون "حافزاً" لاتخاذ تدابير ضد "التهديد" الصيني.
  • ومن ناحية ثالثة، أثارت أزمة مرض فيروس "كورونا" المستجد (كوفيد 19) نقاشاً جديداً داخل أوروبا حول الحاجة إلى قدر أكبر من "تنويع" سلاسل الإمداد، وبالتالي ضرورة فك الارتباط بشكل منهجي وموجه عن الصين. ومنذ اندلاع الأزمة، أظهر الاتحاد الأوروبي رغبة أكبر في مقاومة حملات التضليل الصينية، كما تبنَّى تدابير لحماية الشركات الأوروبية المتعثرة من استحواذ مستثمرين صينيين عليها[11]. وفي تقرير نُـشِـر في يونيو 2020، يزعم أندرو سمول من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن مشاركة الاتحاد الأوروبي مع الصين سيكون لها من الآن فصاعداً غرض جديد: تنظيم العلاقات الصينية الأوروبية على النحو الذي يُقلل من اعتماد أوروبا على التجارة والاستثمار الصينيين[12].

2. المحركات الجيواقتصادية

تعتبر منطقة المحيطين الهادئ والهندي موطناً طبيعياً لأكثر بلدان العالم اكتظاظاً بالسكان، والكم الهائل من الموارد الطبيعية، ومراكز الصناعة والإنتاج في آسيا. فهذه المنطقة يوجد فيها 60% من سكان العالم، وتضم أكثر المطارات التجارية ازدحاماً في العالم، وتعد التجارة العابرة لهذه المنطقة من أهم أسباب تعزيز الاهتمام في منطقة المحيطين من قبل الدول الأوروبية المختلفة. فأكثر من 70% من التجارة الأوروبية تمر عبر منطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما أن المنطقة تعتبر من أبرز الوجهات العالمية لمبيعات الأسلحة الأوروبية، ويمر نحو 40% من تجارة الاتحاد الأوروبي عبر بحر الصين الجنوبي، وما يزيد على 35% من جميع الصادرات الأوروبية تذهب إلى آسيا، وأربعة من أكبر 10 شركاء تجاريين هم الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند. ومن ناحية ثانية، تُعدُّ ستة بلدان في الاتحاد الأوروبي من بين أكبر عشر دول تصديراً للأسلحة في العالم[13].

وتمثل تجارة الاتحاد الأوروبي مع اليابان وحدها 25% من إجمالي الناتج المحلي العالمي. يعتبر الاتحاد الأوروبي أيضاً ثاني أكبر شريك تجاري للآسيان، بينما تعد الآسيان ثالث أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي. وبالإضافة إلى المصالح الاقتصادية، فإن بروكسل لديها أيضاً التزامات قانونية وسياسية بالاستقرار الإقليمي، تنبُع من شراكاتها الاستراتيجية، والعضوية في منتدى الآسيان الإقليمي (ARF) والانضمام إلى معاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا (TAC). أخيراً، والأهم من ذلك كله، هناك الخلافات في بحر الصين الجنوبي.

3. المحركات الأمنية والعسكرية

يطل المحيط الهندي على أغلب مناطق الصراعات في العالم، لاسيما في منطقة الشرق الأوسط، واليمن، والعراق، وأفغانستان. وبالتالي، فإن الموقف الاستراتيجي للمحيط الهندي يلعب دوراً حاسماً ومحورياً في مستقبل أمن التجارة العالمية (بما فيها الطاقة).

ورغم أن الولايات المتحدة تلعب دوراً رئيساً في ردع الصين في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، لكن من غير الهيِّن أن تتخذ قوى مثل بريطانيا وفرنسا، العضوان الدائمان في مجلس الأمن، مواقف قوية على صعيد المبادئ وخطوات ملموسة؛ فهذا يسمح بنزع الشرعية والمزيد من التهميش للمواقف الصينية، لا سيما أن الدولتين تعتبران شريكين استراتيجيين وثيقي الصلة باليابان، وأستراليا، والهند، ومن أبرز محركات التفاعل الأوروبي في قضايا الأمن الإقليمي هناك، الأمر الذي يعني اعتماد الاتحاد الأوروبي لسياسات خارجية أكثر صرامة حيال الصين[14].

وخوفاً من أن تكون بكين عازمة على فرض إرادتها على دول جنوب شرق آسيا الأصغر، فقد اتبعت أوروبا الولايات المتحدة من خلال التركيز على النزاعات الإقليمية. وعلى الرغم من المعارضة الصينية الشديدة، أجرت فرنسا عمليات حرية الملاحة (FONOPs) في مضيق تايوان، والتزمت المملكة المتحدة بنشر حاملة الطائرات HMS Queen Elizabeth المبنية حديثاً في بحر الصين الجنوبي بحلول العام المقبل، وتُفكِّر ألمانيا في حاملة طائراتها الخاصة وضمان الانتشار البحري في المنطقة[15].

كوابح وقيود الاستراتيجية الأوروبية الجديدة تجاه منطقة الإندوباسيفيك

يُعدُّ الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ويصل ناتجه المحلي الإجمالي إلى 15.3 تريليون يورو. كما أن ثلاثاً من الدول الأعضاء فيه من بين أكبر عشر قوى تنفق على الدفاع على مستوى العالم؛ وتنفق دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة 200 مليار يورو على الدفاع. ومثل تلك الحقائق تكشف أن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يساعد في الحفاظ على توازن القوى في منطقة جنوب شرق آسيا، لكنه لا يبدو أنه يقوم بذلك بالفعل، وذلك لعدة أسباب:

1. تبايُن المواقف داخل الاتحاد الأوروبي

على الرغم من التكامل المتزايد في الشؤون الأمنية والدفاعية منذ عام 2016، لا يزال الاتحاد الأوروبي بعيداً عن تحقيق حلمه التاريخي المتمثل في تشكيل "جيش أوروبي". وباستثناء المهام المخصصة لسياسة الأمن والدفاع المشتركة (CSDP) (كالتي تعمل حالياً في البحر المتوسط وقبالة سواحل الصومال)، لا يقوم الاتحاد الأوروبي بتشغيل أي أصول بحرية دائمة. وعلى مستوى آخر، فإن آسيا لا تُعدُّ أكبر أولوية استراتيجية بالنسبة للاتحاد الأوروبي؛ فعلى رأس أجندته الاستراتيجية تتربع مناطق تشمل روسيا، والبحر الأبيض المتوسط، ومنطقة الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا[16].

وفي حين أصبح بعض القوى الكبرى في أوروبا، وتحديداً ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، أكثر تشككاً تجاه السياسات الصينية، فإن كثيراً من الدول الأعضاء الأصغر والأكثر فقراً، خاصة في الجنوب والجنوب الشرقي، بدأت تنظر إلى بكين باعتبارها مصدراً للتجارة ورؤوس الأموال التي تحتاجها هذه الدول بشدة. ولدى الصين احتياطات دولارية تُقدَّر بأكثر من ثلاثة تريليونات دولار يمكنها استغلال جزء منها لشراء ديون بعض الدول مثل إيطاليا واليونان والبرتغال. كما أن صعود التوجهات السياسية غير الليبرالية في دول مثل المجر وبولندا خلق تصدُّعاً في الوحدة الديمقراطية للقارة[17].

2. الشراكة الاقتصادية القوية بين الاتحاد الأوروبي (لاسيما ألمانيا) والصين

منذ بداية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الاتحاد الأوروبي والصين في عام 2003، أصبح الاتحاد الأوروبي والصين متداخلين بدرجة كبيرة. إذ بلغت قيمة الصادرات الصينية لأوروبا الموحدة في عام 2019 حوالي 420.7 مليار يورو، بينما بلغت واردات الصين منها نحو 225.2 مليار يورو، ووفقاً لهذه الأرقام تعد الصين أكبر مصدر للاتحاد الأوروبي في الوقت الذي يعد فيه السوق الصيني ثاني أهم سوق لأوروبا الموحدة بعد الولايات المتحدة الأمريكية[18].

ومن ناحية ثانية، بلغت التجارة الثنائية بين الصين وألمانيا أكثر من 200 مليار يورو في عام 2018. وكانت الصين محور اهتمام برلين الدبلوماسي في آسيا، حيث تزور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل البلاد سنوياً تقريباً. وتمثل الصين أيضاً 50% من تجارة ألمانيا مع منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ووفقاً لأحد التقارير الصادرة في فبراير 2020، تمتلك الصين أربع سيارات من بين كل 10 سيارات "فولكس فاجن" تُبَاع في جميع أنحاء العالم، وحوالي ثلاث من كل 10 سيارات تم بيعها بواسطة شركتي BMW وMercedes-Benz. وسترغب برلين في الحفاظ على هذه العلاقة التجارية المهمة. علاوة على ذلك، فإن جزءاً مهماً من مقاربتها للمنطقة سيكون "تعزيز هياكل التعاون الدولي"، وهو بالضبط نوع الآليات المتعددة الأطراف التي تستهين بها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب. 

3. ضعف القدرات العسكرية الألمانية

رغم أن ألمانيا تعد القوة الاقتصادية الرائدة في أوروبا، إلا أنها تراجعت بلا ريب عن وزنها الجغرافي الاستراتيجي في العقود الأخيرة. فمن ثالث أكبر جيش في العالم في الثمانينيات، مع مئات الآلاف من القوات المستعدة للتعبئة الكاملة، شهدت ألمانيا انخفاضاً كبيراً في قدراتها العسكرية بعد نهاية الحرب الباردة والتوحيد مع ألمانيا الشرقية. وكانت النتيجة هي قدرة ألمانيا المحدودة نسبياً على عرض قوتها في الخارج، على الرغم من دورها المركزي داخل الاتحاد الأوروبي والموارد الاقتصادية الهائلة. وعندما تُعرِب ألمانيا عن اهتمامها المتزايد بالشؤون الأمنية، فإنها تركز عادة على التهديد الذي تمثله روسيا، وليس الصين[19]

4. أزمات أوروبا الاقتصادية بسبب جائحة كورونا

 من غير المحتمل أن يشرع الاتحاد الأوروبي في زيادة نفقاته وتوسيع التزاماته العسكرية في مناطق بعيدة عن أمنه المباشر، في وقت تعاني معظم دوله من أزمات مالية حادة. ففي منتصف أبريل 2020، قدَّر صندوق النقد أن جائحة فيروس "كوفيد 19" وتداعياتها المالية رفعت ديون منطقة اليورو إلى نسبة 100% من إجمالي ناتجها المحلي. وستحتاج أوروبا 500 مليار يورو أخرى على الأقل من مؤسسات الاتحاد الأوروبي لتمويل تعافيها الاقتصادي بعد جائحة فيروس كورونا، إضافة إلى حزمة متفق عليها حجمها نصف تريليون يورو.

خلاصة واستنتاجات

أخذاً في الاعتبار القيود والمخاطر المشار إليها أعلاه، لا يعد الاتحاد الأوروبي لاعباً أمنياً تقليدياً، ولا عامل تغيير استراتيجي للعبة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولطالما سعى الاتحاد الأوروبي إلى لعب دور أكبر في آسيا، ولكن في مناطق مثل النزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، ألقى التنافس الجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة للهيمنة في المنطقة، من بين قضايا أخرى، بظلالهِ على طموحات بروكسل. كما أن شكوك الآسيان السابقة بشأن الاتحاد الأوروبي كلاعب محتمل في المنطقة، أعاقت تلك الطموحات. 

ومع ذلك، فإن تفكير أوروبا الإبداعي في القضايا غير التقليدية، مثل نهجها الشامل لإدارة الأزمات (كما هو واضح في مهمتها لمكافحة القرصنة، والمعروفة باسم أتالانتا)، والمساعدة الإنسانية والإغاثة في حالات الكوارث، والتنمية المشتركة، يمكن أن تقدم مساهمة قيمة ودائمة في الأمن البحري الإقليمي؛ في بحر الصين الجنوبي وما وراءه.

الهوامش

[1] فيليب لوكور وجون فيرغيسون، "الترويكا الأوروبية تغيّر سياساتها تجاه الصين"، الجريدة، نقلا عن ذي دبلومات، 25 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://www.aljarida.com/articles/1598286786101576300

[2] ساتوشي إيكوتشي، "ألمانيا .. والمحيط الهادئ-الهندي"، الرؤية، 5 سبتمبر 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3lgz4tS

[3] Sebastian Strangio, "Germany Joins the ‘Indo-Pacific’ Club," The Diplomat, September 03, 2020, available at: https://thediplomat.com/2020/09/germany-joins-the-indo-pacific-club

[4] Pankaj Jha, "France, Germany and the UK note verbale to the UN on the SCS issue," Modern Diplomacy, September 23, 2020, available at https://moderndiplomacy.eu/2020/09/23/france-germany-and-the-uk-note-verbale-to-the-un-on-the-scs-issue/

[5] Eva Pejsova, "Between Principles and Pragmatism: The EU and the South China Sea," Global Asia, The East Asia Foundation, June 2019 (Vol.14 No.2), available at: https://www.globalasia.org/v14no2/focus/between-principles-and-pragmatism-the-eu-and-the-south-china-sea_eva-pejsova

[6] "فرنسا تحرك ورقة الدبلوماسية العسكرية في بحر الصين"، العرب، 10 يونيو 2018، على الرابط: https://rawabetcenter.com/archives/68096

[7] RICHARD JAVAD HEYDARIAN, "European powers weigh wading into South China Sea," Asia Times, September 16, 2020, available at: https://asiatimes.com/2020/09/european-powers-weigh-wading-into-south-china-sea

[8] عبد الله المدني، "السياسات الخارجية البريطانية بعد بريكست"، البيان، 11 فبراير 2020، على الرابط: https://www.albayan.ae/opinions/articles/2020-02-11-1.3775427

[9] Eva Pejsova, "Between Principles and Pragmatism: The EU and the South China Sea," op. cit.

[10] هال براندز، "موقع أوروبا في التنافس الأميركي-الصيني"، الشرق الأوسط، 08 أكتوبر 2019، على الرابط: https://bit.ly/30ghfTD

[11] مارك ليونارد، "مستقبل العلاقات الأوروبية-الصينية"، البيان، 15 يونيو 2020، على الرابط: https://www.albayan.ae/knowledge/2020-06-15-1.3884521

[12] Ragul Palanisami, "China-Europe Relations During COVID-19 – Analysis," Eurasia Review, September 16, 2020, available at: https://www.eurasiareview.com/16092020-china-europe-relations-during-covid-19-analysis/

[13] Anita Inder Singh, "Why the EU is not a Major Security Player in Southeast Asia," IPP Review, Jan. 11, 2019, available at: https://www.ippreview.com/index.php/Blog/single/id/873.html

[14] براكيتي غوبتا، "أوروبا تجدد اهتمامها بعسكرة المحيطين الهندي والهادئ"، الشرق الأوسط، 26 يناير 2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/3kRRe51 

[15] RICHARD JAVAD HEYDARIAN, "US-led coalition encircling China’s sea ambitions," Asia Times, September 21, 2020, available at: https://asiatimes.com/2020/09/us-led-coalition-encircling-chinas-sea-ambitions

[16] Anita Inder Singh, "Why the EU is not a Major Security Player in Southeast Asia," op. cit.

[17] هال براندز، "موقع أوروبا في التنافس الأميركي-الصيني"، مرجع سبق ذكره.

[18] مجدي صبحي، "الصين وأوروبا الموحدة .. التفاوض بديلا عن المواجهة"، العين الإخبارية، 19 سبتمبر 2020، على الرابط: https://al-ain.com/article/china-and-a-united-europe-negotiation-as-an-alternative-to-confrontation

[19] RICHARD JAVAD HEYDARIAN, "Germany wades into the Indo-Pacific fray," Asia Times, September 5, 2020, available at: https://asiatimes.com/2020/09/germany-wades-into-the-indo-pacific-fray/  

 

أحدث المواضيع المميزة