أصحاب السعادة، الضيوف الكرام، السَّيدات والسَّادة،

يشرفني الحديث أمام هذا الجمع المتميز، وأتقدم بجزيل الشكر إلى مركز الإمارات للسياسات ورئيسته [الدكتورة] ابتسام الكتبي على استضافتي اليوم.

وأودُّ بالتحديد الإشادة بالمركز على ضوء القدرة اللافتة على التكيُّف التي أبداها هذا العام من خلال تحويل هذا الحدث المهم إلى شكل افتراضي.

وقلت خلال ملتقى العام الماضي أن عام 2020 من وجهة نظري سيكون "حاسماً". ولم أتخيل آنذاك مدى التحديات التي يحملها هذا العام.

وسواءً رضينا أم لا فإن جائحة فيروس كورونا المستجد حددت ملامح هذا العام. لكنْ وبالرغم من التحديات الخطيرة للغاية تُواصِل دولة الإمارات العربية المتحدة إحراز تقدُّم على أجندتها الإيجابية.

ومع اقتراب الذكرى الخمسين لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة نواصل فعل ما فعلناه دوماً على مدى نصف القرن الماضي: الابتكار، وفتح آفاق جديدة، والاستعداد للمستقبل.

ولعل ما لفت نظري أن أهم التطورات التكنولوجية خلال هذا العام، وأهم تطور سياسي في العالم العربي، حدثت كلها في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وشهدنا خلال الأشهر الأربعة الأخيرة الآتي:

  • إطلاق مسبار الأمل الإماراتي في رحلته إلى المريخ،
  • أصبحت دولة الإمارات أول دولة عربية تبدأ بتشغيل محطة للطاقة النووية السلمية،
  • التوصل إلى "اتفاق إبراهيم" مع إسرائيل.

وعلاوة على هذه الإنجازات فإن أكثر الفعاليات الثقافية إثارة في المنطقة سينعقد في دولة الإمارات – أول معرض "إكسبو العالمي" يشهده العالم العربي.

وفي الوقت الذي نتمكن فيه من افتتاح "إكسبو دبي" هذا العام بشكل آمن، غير أن افتتاح المعرض سيتم في 1 أكتوبر 2021.

وسيقوم المعرض الآن بوظيفة أكثر أهمية تتمثل في جمع العالم معاً في أعقاب جائحة كورونا. وسيمثل المعرض فرصة فريدة للتعاون للتوصل إلى حلول مبتكرة للتحديات غير المسبوقة حالياً.

 

السيدات والسادة،

تَعرَّض العالم إلى صدمات عالمية في التاريخ الحديث، غير أنني لا أتذكر صدمة في تاريخ حياتي امتدت لفترة طويلة وأثَّرَت على العديد من جوانب حياتنا [مثل صدمة جائحة "كورونا" المُستجد].

وحاولت دولة الإمارات في إطار استجابتها لجائحة كورونا في الداخل والخارج على حد سواء العمل بطريقة فاعلة وتعاونية وحساسة يحكُمها العلم.

ونقوم هنا في دولة الإمارات بإجراء اختبارات لكل فرد أكثر من أي دولة أخرى فعلياً.

وأدركت قيادتنا بشكل مبكر أن إجراء الاختبارات على نطاق واسع سيشكل الأساس لتتبع الفيروس والسيطرة على انتشاره.

واتخذت الدولة خطوات مناسبة ومنسقة لحماية الصحة العامة، إضافة إلى تطبيق إجراءات للتخفيف من حدة الآثار الاقتصادية السلبية للجائحة.

وتماشياً مع قيمنا أصرَّت دولة الإمارات على توفير العلاج المناسب على قدم المساواة لكل مصاب، ودعم المقيمين والزوار الذين يرغبون بالعودة إلى أوطانهم.

وجاء عمل دولة الإمارات على المستوى الدولي بتوجيه من المبادئ التعاونية والإنسانية.

وعملنا عن كثب مع المنظمات الدولية ومنظمة الصحة العالمية لضمان وصول الإمدادات الطبية الحيوية والمساعدات إلى الأشخاص الأكثر حاجة لها.

وقدَّمنا الإمدادات الطبية إلى 118 دولة، استفاد منها أكثر من 1.5 مليون شخص يعملون في مجال الرعاية الصحية حول العالم.

وكانت قيادتنا على اتصال دائم مع نظرائها حول العالم، وعرض المساعدة عليهم حيث أمكن.

والأهم من ذلك أن قيادتنا أصرت على ضرورة عدم أخذ الاعتبارات السياسية الأوسع بعين الاعتبار عند تقديم المساعدات الإنسانية.

ولهذا لم تتردد دولة الإمارات في تقديم المساعدة لإيران عند حاجتها لهذه المساعدة، لأن إنسانيتنا المشتركة تأتي في المقدمة.

ولا بد لنا عندما يبدأ العالم بالخروج من الجائحة إعادة تركيز انتباهنا نحو تحدياتنا القديمة، والتي أدت هذه الأزمة إلى تفاقم بعضها.

وفي غضون ذلك ستعمل دولة الإمارات بتوجيه من التزامها الثابت تجاه العمل المتعدد الأطراف، ومحاربة التشدد، واحترام السيادة الوطنية للدول، والحل السلمي للنزاع، والحوكمة الرشيدة، والتنمية المستدامة.

ويتعيَّن علينا على المستوى العالمي إعادة تركيز انتباهنا نحو إدارة التطور باتجاه نظام عالمي جديد.

وبالرغم من أننا نشهد عودة إلى سياسة القوى العظمى، غير أن دولة الإمارات ستعمل بشكل دؤوب لتعزيز العمل المتعدد الأطراف والنظام الذي تحكمه القوانين.

وسَلَّطت الجائحة الضوء على أننا مجتمع دولي واحد، وعلينا العمل معاً للتعامل مع التحديات المشتركة.

ولعل هذه هي الطريقة الوحيدة الفاعلة للتعامل مع التحديات مثل الأزمات الاقتصادية والصحية، والتغير المناخي، والإرهاب، والفقر، والصراعات المسلحة المتكررة.

ولعل من الواضح أن المقاربة المتعددة الأطراف تصب في مصلحة الدول الصغيرة، غير أنها في نهاية المطاف تصب أيضاً في مصلحة القوى الكبرى: ومما لا شك فيه أن الولايات المتحدة والصين على حد سواء شهدتا ازدهاراً في ظل النظام الدولي على مدى السنوات الخمس والسبعين الماضية.

وتخطط دولة الإمارات بصفتها مرشحة لشغل العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي خلال الفترة 2022-2023 لاستغلال هذه الفرصة للمساهمة في تعزيز الثقة في النظام المتعدد الأطراف، واستخدام مقاربة منضبطة متجذرة في ميثاق الأمم المتحدة.

وتتمتع دولة الإمارات بالواقعية، وستدافع عن مصالحها، لكنها ملتزمة بفعل هذا بطريقة تتماشى مع الأعراف الدولية، وسنسعى قدر الإمكان إلى تحقيق نتائج مفيدة متبادلة، وبِنَاء التعاون بين الدول.

ويتعيَّن علينا على المستوى الإقليمي إحياء الجهود لإقامة نموذج جديد من التعاون والصداقة باتجاه تحقيق مستقبل مزدهر للمنطقة.

لقد آن الأوان لأن تتبنَّى دول المنطقة مقاربة تعمل على تعزيز التعاون بدلاً من المواجهة، والتسامح بدلاً من التشدد، والبراغماتية البناءة بدلاً من الأيديولوجيا.

وستخرج كافة دول المنطقة مُنْهَكَة إلى حدٍّ ما بعد الجائحة، وأقل ثراء من ذي قبل. وهذا يمنحنا سبباً آخر من أجل التخفيف من حدة الصراع والتوتر وتركيز الجهود على تحقيق طموحات شعوبنا.

وهذا يتطلب تجديد التركيز على الحوكمة الرشيدة والتنمية المستدامة.

وأوضحت الجائحة بشكل صارخ شيئاً نعرفه أصلاً: أن أكثر التحديات إلحاحاً يَتَمَثَّلُ في بناء دول عربية مسؤولة أمام شعوبها، وتمتلك القدرة على تلبية احتياجاتهم بشكل فاعل.

وتُعَدُّ الدول التي تمكنت من تقديم الرعاية بشكل ناجح لسكانها خلال الجائحة هي الدول التي تمتلك مؤسسات دولة فاعلة.

ويعد تحقيق الحوكمة الفاعلة أمراً ضرورياً اليوم أكثر من أي وقت مضى. كما أن وجود دول أكثر تقدماً وكفاءةً هو أيضاً شرط أساسي لتجديد القيّم التي نعتز بها، مثل التسامح وتمكين المرأة وحماية حقوق الإنسان. ولكي تتمكّن الدول من العمل بفاعلية، يجب علينا أيضاً أن نُعيد التأكيد على مطالبة الدول باحترام السيادة الوطنية للآخرين. وثمة ميل متزايد لدى إيران وتركيا في المنطقة لاستخدام التدخّل كأداة لتعزيز أجندتهما التوسّعية. وتستمر الأسلحة الإيرانية في التدفّق إلى اليمن بينما تواصل الميليشيات المدعومة من إيران تقويض أمن مُختلف الدول العربية.

وفي ليبيا، عزّزت تركيا القوى الإسلامية في البلاد، وزادت من خطر استغلال المُرتزقة والميليشيات المُتطرّفة للفراغ الأمني ​​على الأرض. ولا يُمكننا القبول بسياساتهم ذات الطبيعة المُزعزعة للاستقرار، لكننا لا نسعى إلى المواجهة. وتعمل الإمارات العربية المتحدة دائماً مع الأصدقاء والحلفاء، وتُشجّع الحوار البنّاء والانخراط الدبلوماسي الإيجابي. كما أنَّ إنهاء هذا التدخّل سيجعل من السهل تحقيق الحل السلمي للنزاعات في المنطقة.

تظل دولة الإمارات العربية المتحدة مُلتزمة بالعمل من أجل إيجاد حلول سياسية للنزاعات في المنطقة؛ ففي اليمن، سنواصل دعمنا للتحالف العربي في سعيه لتحقيق وقف إطلاق النار الشامل الذي يُمهّد الطريق نحو إيجاد حل سياسي دائم. كما ندعم بقوة الجهود التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا، ونرحّب بالاتفاق الأخير لتحقيق وقف دائم لإطلاق النار، وكذلك إطلاق مُنتدى الحوار السياسي الليبي. لقد دعمت الإمارات العربية المتحدة باستمرار العملية التي تقودها الأمم المتحدة لتحقيق حل للصراع الليبي من خلال الحوار السلمي. وفي الوقت نفسه، يجب ألا نسمح للمُتطرفين بتعطيل التقدّم نحو السلام وتقويض الدول في سعيها لتحقيق نتائج أفضل لشعوبها.

إننا ننظر بقلق عميق حيال أعمال العنف الفظيعة التي وقعت مؤخراً في المدن الأوروبية؛ فنحن نؤمن بصدق أنه يجب على المرء أن يُميّز بين استخدام الإسلام كأداة سياسية والإسلام كدين عالمي، ويجب ألا يُلوَّث الإسلام بالتطرّف والعنف في أي مكان في العالم. فهذه الحركات الإيديولوجية المُتطرّفة العابرة للحدود لا تُمثّل الإسلام بأي شكل من الأشكال. فهي تؤجّج استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية وتُشكّل تهديداً لجميع المُجتمعات المُنفتحة والمُتسامحة.

كل ذلك يقودني إلى الإنجاز التاريخي لاتفاقات إبراهيم. فقد كان الدافع وراء قرار إقامة العلاقات الدبلوماسية مع دولة إسرائيل الالتزام بتشكيل مُستقبل جديد وأفضل للمنطقة. لقد كان قراراً وطنياً سيادياً ولم يكن يستهدف أي دولة أخرى. وعلى العكس من ذلك تماماً، فقد نشأ القرار عن التسامح والانفتاح والرغبة في تخفيف الاستقطاب في المنطقة. لقد جاء القرار وليداً للرغبة في إحداث تحوّل استراتيجي نحن في أمس الحاجة إليه ونتيجة رؤية براغماتية جديدة. وكان القرار يتطلّب شجاعة حقيقية من قيادتنا؛ فمن الواضح أن الحفاظ على الوضع الراهن كان الخيار الأسهل، لكنه لم يكن ليُقدِّم آفاقاً أفضل لأي طرف. لقد تم اتخاذ هذه الخطوة الجريئة لجلب الأمل إلى منطقة كانت سياستها في كثير من الأحيان مدفوعة بالجمود والسلبية واليأس.

في حين أن 65% من سكان العالم العربي تقل أعمارهم عن 35 عاماً، فإن هذا الجيل الصاعد يطمح إلى النظر إلى ما وراء الصراعات الحالية ومظالم وأحزان الماضي. وهذا لا يُقلّل بأي حال من الأحوال من قلقنا بشأن محنة الشعب الفلسطيني. فلا تزال الإمارات العربية المتحدة ترى أنه من الضروري التوصّل إلى سلام عادل وشامل. لكن في نهاية المطاف، سيكون الفلسطينيون والإسرائيليون هم الذين سينبغي عليهم تحديد شكل ذلك السلام. والإمارات العربية المتحدة على استعداد لدعم ذلك الهدف بأي طريقة مُمكنة. وفي الواقع، قد نكون في وضع أفضل للقيام بذلك الآن بعد أن أقمنا علاقات رسمية مع إسرائيل.

تُعتبر الاتفاقات الإبراهيمية أيضاً تذكيراً وتأكيداً وفي الوقت المناسب بأنه لا بديل عن انخراط الولايات المتحدة الأمريكية وقيادتها في الشرق الأوسط. كما أن هذه الاتفاقات يُجمِع عليها الحزبان الرئيسان في الولايات المتحدة. وتم تسهيل إبرام الاتفاقات من قبل إدارة الرئيس ترمب وبدعم من الرئيس المنتخب، جو بايدن. وأشاد زعماء الحزب الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس بهذا الاختراق الدبلوماسي؛ لذا اسمحوا لي أن أغتنم هذه الفرصة لأنقل التهاني الحارة لقيادة الإمارات العربية المتحدة للرئيس المُنتخب ونائب الرئيس المنتخب كامالا هاريس.

فنحن هنا في الإمارات العربية المتحدة، نعرف الرئيس المنتخب جيداً ونتطلّع إلى العمل مع الإدارة الجديدة في سعينا لتعميق العلاقات الإماراتية-الأمريكية؛ فهي علاقة مبنية على المصالح والقيّم المُشتركة والشراكة الوثيقة. وهي علاقات تمتد عبر الأحزاب والإدارات الأمريكية المُختلفة؛ لذا، بينما نتطلّع في علاقاتنا الثنائية إلى الأمام، فإنني على ثقة كبيرة جداً من أن الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة ستستمران في رؤية الفرص والتحدّيات الإقليمية من منظور مُتقارب جداً.

 

السيدات والسادة،

لقد كان هذا العام بلا شك صعباً على الجميع؛ فإننا نشعر بالأسف إزاء من فقدناهم بسبب المرض. ومن الواضح أنه لا يزال أمامنا بعض الوقت قبل أن نرى نهاية لهذا الوباء. ولكن من خلال تعزيز التعاون مُتعدّد الأطراف، وتقديم المساعدة الإنسانية، والعمل معاً للحفاظ على حركة اقتصاداتنا، يمكننا وضع أساس متين لانتعاش اقتصادي قوي. ولم يكن من قبيل المُصادفة أن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة قادرة على الاستجابة بكفاءة وتعاطف مع جائحة كورونا. كما أنه ليس من قبيل الصُدفة أننا تمكنّا من الاستمرار في تحقيق إنجازات بارزة طوال هذه الأزمة.

لقد حدث كل ذلك لأن قيادتنا استثمرت بصبر ولكن بإصرار في البنية التحتية والابتكار والتخطيط طويل الأجل الذي جعل ذلك الأمر ممكناً، ولأننا شعبٌ ظلّ ملتزماً ببناء مُستقبل أفضل لمنطقتنا. هذا هو النهج الذي سيستمر في توجيه أفعالنا في خضم تعافينا من هذا الوباء، والذي سيسمح لنا بالتطلّع بتفاؤل وترقّب إلى الخمسين عاماً المقبلة من نشوء دولة الإمارات العربية المتحدة.

شكراً جزيلاً.

 

أحدث الأخبار