السيداتُ والسادةُ،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

يَسرني -في البداية- أن أرحب بكم جميعاً في فعاليات ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السابع الذي ينعقد هذا العام افتراضياً، التزاماً بالشروط الناجمة عن جائحة "كوفيد-19". وأود أن أعبر عن عظيم الشكر إلى المتحدثات والمتحدثين في الجلسات لقبولهم الدعوة للمشاركة في جلسات الملتقى، كما أعبر عن خالص التقدير والامتنان للسيدات والسادة الذين سوف يُتابعون جلسات الملتقى طوال الأيام الثلاثة. 

السيدات والسادة،

لقد كشف عام 2020 النقابَ عن خطوط صدع وصدامات جديدة، وفي الوقت نفسه أماط اللثام عن إمكانات عالمية وإقليمية جديدة. فقد أدت جائحة "كوفيد-19"، وانتخابات الرئاسة الأمريكية، والتوقيع على معاهدة السلام الإماراتية-الإسرائيلية إلى خلق ديناميات جديدة سيكون لها الدور الحاسم في تحديد ملامح مستقبل النظامين العالمي والإقليمي؛ لذا تشكل هذه العوامل-المحركات جوهر ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السابع.

إن العالم يوشك على الدخول في مرحلة من الغموض، حيث أثبتت أحداث السنة الحالية أن آليات التفاعل السياسية تقف على أرض رخوة، ما يعني أهمية التكيف مع هذه الظروف المعقدة.

فعلى الجانب الجيوسياسي أدى تراجع النظام العالمي أحادي القطبية إلى عودة التنافس بين القوى الكبرى ضمن سياقات ومعطيات فريدة. وبالرغم من الحاجة إلى العمل الاستباقي في هذه البيئة بشكل إبداعي وثابت، فقد عانت المؤسسات العالمية من التردد في اتخاذ القرار، وانعدام الرؤية للصورة الكبرى.

وبالنظر إلى خطوط الصدع التي تكشّفت نتيجة جائحة كورونا، فقد أصبح من الواضح بشكل مُتزايد أن الاقتصاد السياسي لم يعد الأساس أو حتى الأداة لتشكيل المُجتمع. ولم تعد أُسس الحياة المنظّمة هيكليةً بحيث يُمكن من خلالها تفسير وشرح الظواهر الأخرى بسهولة؛ فنحن نعيش في عالم "الواقع المتفلت" الذي يتميّز بالمحاكاة، بحيث أصبحت الصور والرؤى وتفسير المؤشرات تحل مكان مفاهيم الإنتاج. ويشكل المجال المعلوماتي وعالم البيانات مصادر القوة الجديدة.

ومن ناحية أخرى، شكَّلت اتفاقيات إبراهيم ومعاهدة السلام الإماراتية-الإسرائيلية، أدلةً حاسمة على أن المرونة والحيوية عنصران مهمان للاستجابة للتحديات. ويتطلب التغلب على هذه التحديات/الأزمات وإيجاد حلول للصراعات المستحكمة في دول الشرق الأوسط وبين مجتمعاته رؤيةً إبداعية وشجاعةً سياسية وأخلاقية تعمل على بناء السلام والاستقرار والازدهار والأمل لشعوب المنطقة. فما زال الشرق الأوسط يشكل المجال الأمثل لهذا "الواقع المتفلت"، حيث تفاعلات التاريخ والجغرافيا وصراع الهويات والتصورات، وحيث تأثيرات الأوبئة والهجرة واللجوء والحرمان، وحيث تباين الرؤى لمستقبل المنطقة وسبل استقرارها.

 لقد أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة أن عليها أن تتخذ قراراً شجاعاً مبنياً على عقلانية سياسية لتجاوز الجمود الذي تمر به كل صراعات المنطقة المزمنة؛ وعليه قررت تقديم نموذج جديد لإمكانية بناء جسور بين قوى المنطقة بمنظور جديد؛ فكانت هذه المعاهدة.

وبدورها، أكدت الانتخابات الأمريكية الأخيرة أن السياسة الدولية ما زالت محكومة بالقوة وتحولاتها وتوزعها واتجاهاتها أمريكياً ودولياً؛ لأنها تنعكس على السياسة الخارجية والتفاعلات الاستراتيجية للولايات المتحدة. وإن كشفت الانتخابات الأخيرة عن حالة الاستقطاب الحاد والانقسامات الأيديولوجية والإثنية في المجتمع الأمريكي، إلا أنها أبانت في الوقت نفسه عن مدى حيوية هذا المجتمع وقدرته على إجراء انعطافات في خياراته، وتمسُّكه أيضاً بالنموذج الذي يستوعب الجميع ويُدمجهم، ويَبقى التحدي في قدرة القيادة والمجتمع في تجديد "القوة" الأمريكية.

لقد ظلت دولة الإمارات العربية المتحدة شريكاً جيواستراتيجياً للولايات المتحدة يمكن الاعتماد عليه حتى في أسوأ الأوقات، مثل صدمة "الحادي عشر من سبتمبر"، وقد مثَّل الإعلانُ عن الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ودولة الإمارات في الشهر الماضي، نقلةً نوعية في تأطير ومَأْسسة العلاقة بين الطرفين. وإن جُلَّ ما يهم دولة الإمارات هو أن تتعاطى الإدارة الأمريكية الجديدة مع الأمن الإقليمي وكل أزمات المنطقة المزمنة برؤية تستوعب إشكالات الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط خلال آخر عقدين.

السيدات والسادة،

منذ إنشائه، مثّل مركز الإمارات للسياسات مؤسسةً لإنتاج أحدث التحليلات والرؤى الاستراتيجية، ويلتزم المركز بصفته مؤسسة البحث والتفكير الرائدة في الإمارات والمنطقة، بالتعاون مع أفضل العقول والخبرات لمساعدة الفاعلين الرئيسين وصنّاع القرار والجمهور لفهم وإدراك الاتجاهات العالمية والإقليمية التي ستُشكّل مُستقبلنا.

ويجمع الملتقى في نسخة هذا العام نخبةً من الخبراء الاستراتيجيين والباحثين المتخصصين وصانعي السياسات من أنحاء مختلفة من العالم، لبلورة أجندة لاستراتيجية عالمية قادرة على التعامل مع التحديات والتغييرات الجديدة.

ومن خلال عقد هذا المنتدى الكبير، يحتلّ مركز الإمارات للسياسات موقعه الحيوي في الخريطة العالمية لمراكز البحث والتفكير؛ إذ يُعد ملتقى أبوظبي الاستراتيجي أهمَّ منصة للحوار الاستراتيجي في الإمارات والمنطقة، وقد حصل الملتقى على المرتبة العاشرة في قائمة أفضل المؤتمرات الاستراتيجية على مستوى العالم لعام 2018 في التصنيف العالمي السنوي الصادر عن جامعة بنسلفانيا الأمريكية.

أكرر ترحيبي بكل المتحدثات والمتحدثين في الملتقى، إضافة إلى كل الحاضرات والحاضرين لجلسات الملتقى، وأتمنى أن ينطوي الملتقى على تجربة معرفية غنية وجديدة لكم جميعاً.

ختاماً، إنه لَمن دواعي سرورنا أن نستضيفَ كلَّ عام معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة، وفي هذا العام سيتكرم معاليه بإلقاء الكلمة الرئيسة أيضاً، فنوجه له جزيل الشكر لمشاركتنا أفكارَه حول قضايا المنطقة وتطوراتها، والأزمات المتفاعلة فيها والمهددات لأمنها واستقرارها، ولتوضيح رؤية الإمارات للسياسات الدولية والإقليمية.

أحدث الأخبار