أكد عددٌ من الخبراء والباحثين في الشأن الإيراني أن النظام الإيراني لا يزال يُقدم الثورة على الدولة والمصالح الوطنية، ويُصر على التصرف باعتباره قضية وليس دولة طبيعية، وأنه يريد تصدير "نموذج" فَشَل على أرضه ولا يرغب فيه شعبه. وأضافوا أن النظام الإيراني رغم العقوبات الأمريكية، والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية لأزمة كورونا لم يُغير سياساته الداخلية والخارجية، وأنه ليس لديه القابلية لإصلاح نفسه.

جاء ذلك خلال ندوة نظَّمها مركز الإمارات للسياسات عبر الإنترنت مساء الأربعاء (3 يونيو 2020) بعنوان "إيران ما بعد كورونا: سؤال النموذج والدور"، وشارك فيها د. مهدي خليجي الزميل الأقدم في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وأليكس فاتانكا مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، ود. جواد صالحي أصفهاني أستاذ الاقتصاد في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا بالولايات المتحدة، وأدارت اللقاء عن بُعد الدكتورة ابتسام الكتبي رئيسة مركز الإمارات للسياسات.

وقالت الكتبي، في افتتاح الندوة، إن إيران تُعد من أكثر دول المنطقة تضرراً بوباء "كوفيد-19"، بل إن كثيراً من المراقبين يعتبرون أن النظام الإيراني بإدارته المتخبطة وسياساته الأيديولوجية أسهم في نشر الوباء داخل البلد بعقده الانتخابات التشريعية رغم بدء تفشي الوباء، وخارجياً باستمرار تشغيل رحلات شركة طيران "ماهان" التي كانت تنقل مسافرين مصابين بالمرض دون تطبيق أي شروط صحية.

الكتبي: أزمة كورونا زادت معاناة الشعب الإيراني الذي كان يعاني أصلاً من تبعات العقوبات الاقتصادية الشديدة التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران

وأضافت الكتبي أن أزمة كورونا زادت معاناة الشعب الإيراني الذي كان يعاني أصلاً من تبعات العقوبات الاقتصادية الشديدة التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، وهو ما دفع عدداً من النخبة الإيرانية، مثل الرئيس السابق محمد خاتمي، إلى التحذير من اندلاع أعمال عنف في إيران كردّ فعل على حالة اليأس التي يعيشها الإيرانيون في ظل النظام الحالي.

وأشار صالحي أصفهاني إلى أن إيران عانت من تفشي الوباء بسبب التأخر في الاستجابة، ومقارنةً بتركيا التي تتشابه معها في عدد السكان، فإن معدل الوفيات في إيران كان أعلى بسبب سوء وضع النظام الصحي الإيراني، مؤكداً أن النظام الإيراني أعطى الأولوية للحفاظ على الاقتصاد بدلاً من الحفاظ على حياة الناس، لخشيته من انفجار الاحتجاجات الداخلية بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية.

صالحي أصفهاني: النظام الإيراني أعطى الأولوية للحفاظ على الاقتصاد بدلاً من الحفاظ على حياة الناس، لخشيته من انفجار الاحتجاجات الداخلية بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية

وأوضح الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد الإيراني في حالة تدهور بسبب العقوبات الأمريكية وحتى قبل التهاوي الأخير في أسعار النفط؛ ففي عام 2019 هبطت عائدات النفط الإيرانية إلى أقل من 10 مليارات دولار، في حين أنها بلغت 120 مليار دولار عام 2011.

من جهته، أوضح فاتانكا أنه بالرغم من أن أزمة كورونا، المترافقة مع التداعيات الاقتصادية للعقوبات الأمريكية، فاقمت من سوء الأوضاع الاجتماعية في البلاد، إلا أن النظام الإيراني بقيادة الثنائي الحاكم، القائد الأعلى للثورة والحرس الثوري، بقي مستمراً في نهجه. فالقائد الأعلى خامنئي الذي قارب عمره الواحد والثمانين عاماً يرغب في أن يمهد الطريق لخلافته دون إحداث أي تغيير، والحرس الثوري يمد نفوذه إلى كل قطاعات الدولة والمجتمع، وآخرها القطاع الصحي كما ظهر في أزمة كورونا، في حين أن الرئيس روحاني ليس له سلطة حقيقية وأخفق في أن يحقق فارقاً.

وأكد فاتانكا أن النظام الإيراني لا يزال يقدم القضية أو الثورة على الدولة والمصالح الوطنية، مُشدداً على أن هذا النظام لا توجد لديه أي إمكانية لإصلاح نفسه.

فاتانكا: بالرغم من أزمة كورونا، إلا أن النظام الإيراني بقيادة الثنائي الحاكم، القائد الأعلى للثورة والحرس الثوري، بقي مستمراً في نهجه

وبدوره أشار خلجي إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية شهدت تحولات جذرية في ظل حكم القائد الأعلى علي خامنئي، فهي تحولت من نظام ثوري إلى نظام أمني-عسكري يحكم باسم الدين، موضحاً أن هذا النظام يتحكم بكل مفاصل الدولة ويزداد توغلاً، بدليل نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة واختيار محمد قاليباف، ذي الخلفية العسكرية والأمنية، لرئاسة مجلس الشورى الإسلامي. وتوقع أن هيمنة الحرس الثوري ستتعزز أكثر بعد وفاة خامنئي، لأن المرشد المقبل لن يكون بقوة خامنئي.

وأضاف خلجي أنه صحيح أن العقوبات الأمريكية لن تؤدي إلى تغيير النظام الإيراني، إلا أنها نجحت في الضغط عليه، كما نجحت في تأخير البرنامج النووي وبرامج عسكرية أخرى. وأكد أن النظام الإيراني ما زال يتبع سياسة ترحيل المشكلات، وذلك بالمراهنة على نتائج الانتخابات الأمريكية في نوفمبر المقبل، فهو يأمل بأن يفوز جو بايدن بالرئاسة الأمريكية، ما يعني احتمال عودة الإدارة الديمقراطية الفائزة إلى الاتفاق النووي مجدداً ورفع العقوبات عنه. وحتى في حال التجديد للرئيس ترمب فإن القيادات الإيرانية تأمل بأن تعقد صفقة مع إدارة ترمب الجديدة، وإن كانت تدرك أن هذا الأمر ليس سهلاً وأن عليها تقديم تنازلات كبيرة.

خلجي: مع أن العقوبات الأمريكية لن تؤدي إلى تغيير النظام الإيراني، إلا أنها نجحت في الضغط عليه، كما نجحت في تأخير البرنامج النووي وبرامج عسكرية أخرى

إلا أن خلجي بيّن أنه حتى في حال رفع العقوبات عن إيران، فإن هذا لا يعني أن الوضع داخل إيران سيتحسن، وأن النظام سيتجه إلى الانفتاح، فبرأيه أن النظام سيواصل قمع المجتمع المدني والحريات، وتقييد القطاع الخاص، وسيمارس الحرس الثوري السياسات نفسها، داخلياً وخارجياً، حتى في ظل غياب أي ضغط من الولايات المتحدة والغرب.

أحدث الأخبار