أكد عددٌ من الخبراء والمتخصصين بالشأن السوري أنه رغم الانتصار العسكري الذي حققه النظام السوري وحلفاؤه في الصراع السوري، إلا أن القضايا والمعطيات التي أدت إلى ثورة الشعب السوري عام 2011 مازالت قائمة، وأن قانون قيصر يمثل لحظة فارقة في الصراع السوري وأنه جاء ليزيد الضغط على النظام وداعميه، وليمنع تحويل النصر العسكري إلى نتائج سياسية.

جاء ذلك خلال ندوة نظمها مركز الإمارات للسياسات عبر الإنترنت مساء أمس (الأربعاء) بعنوان "الصراع في سوريا في ضوء قانون قيصر وتداعيات أزمة كورونا"، وشارك فيها الدكتور حسين إيبش الباحث الأقدم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، والدكتورة بسمة قضماني عضو فريق المفاوضات التابع للمعارضة السورية والمشارك في مباحثات السلام حول سوريا التي تقودها الأمم المتحدة كما أنها عضو في اللجنة الدستورية السورية، وزكي محشي الزميل الأقدم في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "تشاتام هاوس" والباحث في كلية لندن للاقتصاد. وأدارت الندوة عن بُعد الدكتورة ابتسام الكتبي رئيسة مركز الإمارات للسياسات.

وقالت الكتبي، في افتتاح الندوة، إنه بالرغم من مُضي تسعة أعوام على بدء الحرب في سوريا، فإن آفاق إنهاء الصراع والتوصل إلى حل سياسي له ما زالت غامضة؛ فعلى الصعيد الميداني مازالت مناطق شمال سوريا وشرقيها خارجة عن نطاق سيطرة النظام السوري، أما على الصعيد السياسي فلم يتم حتى الآن تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015، الذي ينص على التوصل إلى تسوية سياسية دائمة في سوريا ترتكز على دستور جديد وانتخابات حرة ونزيهة، وحتى اللجنة الدستورية السورية المشكَّلة من النظام والمعارضة والمجتمع المدني تعطلت بعد الجولة الثانية، وإنْ كان من المتوقع أن تُعقد الجولة الثالثة في أغسطس المقبل بحسب تصريح أخير للمبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون.

الكتبي: قانون "قيصر" سيحرم الرئيس السوري من تحويل نصره العسكري إلى نتائج سياسية وتكريس استمراره في السلطة، كما أنه سيحرم حليفَيه روسيا وإيران من قطف ثمار تدخلهما في سوريا

وأضافت الكتبي أن كثيراً من المحللين نظروا إلى قانون حماية المدنيين في سوريا، المعروف اختصاراً باسم "قانون قيصر"، الذي بدأت الإدارة الأمريكية تطبيقه في الشهر الماضي، بوصفه "مُغيِّر لعبة"، باعتبار أنه سيحرم الرئيس السوري من تحويل النصر العسكري إلى نتائج سياسية لتكريس استمراره في السلطة إلى أجل غير مسمى، كما أنه سيحرم حليفَيه روسيا وإيران من قطف ثمار تدخلهما في سوريا. 

وأشار حسين إيبش إلى أن هناك دوافع عدة لإصدار الولايات المتحدة قانون قيصر، أهمها توجيه رسالة إلى حلفاء النظام السوري أنهم لن يحققوا أهدافهم من التدخل في الصراع السوري، وبينما تتفهم الولايات المتحدة المصالح الروسية في سوريا إلا أنه بفرضها قانون قيصر تدفع موسكو إلى عدم ربط مصالحها بالنظام السوري نفسه، وألا تربطها كذلك بإيران، في ظل أن القانون يمثل جزءاً من سياسة الضغط الأقصى لإدارة ترمب ضد إيران.

وأوضح إيبش أن قانون قيصر يتضمن مراحل تصاعدية من العقوبات، وأنه قد يؤدي في المدى القصير إلى تزايد اعتماد النظام السوري على حلفائه لمواجهة التعبات الاقتصادية للقانون، إلا أن الأمل يحدو واشنطن في أن يؤدي القانون على المدى الطويل إلى تراكم الضغط على الأسد وحلفائه بما يُجبرهم على التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية. ومن هنا أكد إيبش ضرورة أن يكون القانون ضمن استراتيجية متكاملة وشاملة تستهدف الضغط على إيران وحزب الله، وأن تستمر هذه الاستراتيجية لسنوات.  

إيبش: من المهم أن يكون قانون "قيصر" ضمن استراتيجية متكاملة وشاملة تستهدف الضغط على إيران وحزب الله، وأن تستمر هذه الاستراتيجية لسنوات

وذكر زكي محشي أنه من الناحية السياسية فإن قانون قيصر يمثل أداةً من أدوات السياسة الخارجية للولايات المتحدة للتأثير في الأزمة السورية ولفرض شروطها فيما يخص مستقبل الحل في سوريا، كما أن القانون يعزز الأوراق التفاوضية للولايات المتحدة في مقابل روسيا وإيران.

ومن الناحية الاقتصادية، أوضح الخبير الاقتصادي السوري أن قانون قيصر يمثل عاملاً إضافياً لتدهور الاقتصاد السوري، فالاقتصادي السوري منهار أصلاً بسبب تسع سنوات من الحرب، إذ قُدرت الخسائر السورية منذ بدء الحرب بنحو نصف تريليون دولار أمريكي، وهذا الرقم يمثل تسعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري لعام 2009. وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة يعيش نحو 80 بالمئة من الشعب السوري تحت خط الفقر.

وأضاف أن القانون ستكون له آثار جانبية، فأولاً سيؤدي إلى تعزيز الانقسام القائم في سوريا، لأنه يُعفي مناطق الإدارة الذاتية في شرق سوريا من العقوبات، وثانياً سيدفع القانون النظام السوري إلى الاعتماد على الشبكات الاقتصادية غير الشرعية من أجل الالتفاف على العقوبات، ما يعني تعزيز دور أمراء الحرب ورجال الأعمال الفاسدين، وثالثاً سيكون للقانون تأثيرات في الشعب السوري نفسه، وهو ما يتطلب من المجتمع الدولي البحث عن آليات لدعم الشعب السوري دون شرعنة للنظام.

وبيّن زكي محشي أن القانون سيقوض قدرة النظام على الاستفادة من لبنان كرئة يتنفس منها مالياً واقتصادياً، فعدا عن أن القانون سيعاقب كل الأطراف اللبنانية التي ستتعامل اقتصادياً مع النظام، وفي مقدمتها حزب الله، فإن لبنان نفسه يعيش أزمة مالية واقتصادية حادة. فأزمة المصارف في لبنان تؤثر على النظام والشعب السوري أيضاً، إذ إن المصارف اللبنانية كانت الوجهة المفضلة للسوريين لحفظ مدخراتهم بالدولار، ولم يعد السوريون قادرين على سحب أموالهم تلك.

محشي: سيؤدي قانون "قيصر" إلى تعزيز الانقسام القائم في سوريا، لأنه يُعفي مناطق الإدارة الذاتية في شرق سوريا من العقوبات

كما أن الاقتصاد السوري تأثر بتراجع تحويلات السوريين المقيمين في الخارج بسبب الركود الاقتصادي الناجم عن أزمة كورونا، علماً أن أكثر من 60 بالمئة من العوائل المقيمة في مناطق النظام تعتمد في معيشتها على الحوالات الخارجية، ووفق الإحصاءات كانت تبلغ التحويلات قبل جائحة كورونا خمسة ملايين دولار يومياً، لكنها تراجعت إلى مليونين يومياً فقط بعد الجائحة.     

وبينما أكد زكي محشي أن قانون قيصر سيُضعف النظام السوري اقتصادياً، فإنه أوضح أن حلفاء النظام سيحرصون على المحافظة على مصالحهم وسيطرتهم على الموارد السورية من نفط وغاز وقمح وموانئ. وشدد أخيراً على أنه من الأهمية بمكان أن يكون "قيصر" ضمن استراتيجية شاملة وواضحة لتفكيك الأسس السلطوية لنظام الأسد.     

وبدورها قالت بسمة قضماني إن سوريا وصلت إلى حد الفوضى والانهيار بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وغياب الخدمات الأساسية وانهيار الليرة السورية، وهذه الأوضاع المزرية دفعت الناس في المناطق التي يسيطر عليها النظام إلى الخروج بمظاهرات سلمية تطالب بالتغيير، كما حصل أخيراً في درعا والسويداء. وأضافت أن فشل مجلس الأمن الدولي في تمديد آلية المساعدات العابرة للحدود لمدة سنة بسبب "الفيتو" الروسي والصيني، سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في سوريا، وقد يؤدي إلى حدوث مجاعة في سوريا.

قضماني: فشل مجلس الأمن الدولي في تمديد آلية المساعدات العابرة للحدود لمدة سنة بسبب "الفيتو" الروسي والصيني، سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في سوريا

وأوضحت قضماني أنه صحيح أن قانون قيصر يمثل تحدياً لكل السوريين، إلا أنه مع ذلك بمنزلة الحاجز الوحيد أمام النظام للعودة إلى الوضع السابق، وأنه يمثل إشارة إلى النظام وحلفائه بضرورة الدخول في عملية سياسية جادة تؤدي إلى تغيير تدريجي في سوريا. وأكدت الناشطة السورية أنه في ظل رفض النظام للتغيير، فإن ضغط المجتمع الدولي عليه وعلى داعميه يُعد السبيل الوحيد للوصول إلى مستقبل آمن ومزدهر لسوريا.

أحدث الأخبار