أكّد خبراء وباحثون دوليون، في ندوةٍ نظَّمها مركز الإمارات للسياسات، الأربعاء 22 يوليو الجاري، حول "الصراع على ليبيا"، أنه على الرغم ممَّا جرى مؤخراً من متغيرات على الأرض لصالح قوات حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، فإنه ليس بوسع أيٍّ من الطرفين المتحاربين في ليبيا أن يسيطر على البلد ويفرض عليها سلطته بشكل كامل، وأنه لا بديل عن حل سياسي يضمن صيغة من تشارك السلطة برعاية دولية.

وفي الندوة التي خُصِّصت لمناقشة واقع التنافس بين القوى الخارجية على المصالح الجيوسياسية والاقتصادية في ليبيا، واستشراف آفاق الصراع الإقليمي الجاري على الأرض الليبية، أشارت رئيسة مركز الإمارات للسياسات الدكتورة ابتسام الكتبي إلى أن الفترة الماضية شهدت بروز تفاعلات الصراع الجيوسياسي على الأرض الليبية بين القوى الداعمة لكل طرف من طرفَي الصراع، وتحديداً بين تركيا وكلٍّ من مصر وفرنسا وروسيا، إضافة إلى التفاعلات غير المباشرة لقوى دولية وإقليمية أخرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والجزائر وتونس.

الكتبي: قرار السلم والحرب في ليبيا أصبح بيد القوى الخارجية أكثر منه بيد الليبيين أنفسهم

وقالت الدكتورة الكتبي إنه بدا من التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة في الصراع الليبي ثلاثة معطيات: الأول، أن هذا الصراع يتطور من حرب ليبية-ليبية إلى حرب إقليمية؛ والثاني، أن "المقاربة الصفرية" لا تحكم الفرقاء الليبيين فقط بل تنطبق أيضاً على الفرقاء الخارجيين؛ والمعطى الثالث أن قرار السلم والحرب أصبح - فيما يبدو - بيد القوى الخارجية أكثر منه بيد الليبيين أنفسهم.

ومن جهته، أوضح مايكل أوهانلون، مدير الأبحاث والباحث الأقدم في الشؤون الأمنية والاستراتيجية في معهد بروكنجز بواشنطن، بأن الاعتقاد بوجود تغيُّر حاسم لصالح طرف في الصراع الليبي على حساب الآخر فيه مبالغة كبيرة، قائلاً إنه من الخطأ أن يتملَّك هذا الاعتقاد حكومة السراج وتركيا من ورائها وأن يتصرفا بالتالي بثقةٍ مبالغٍ فيها تمنعهما من الخيار الأسلم المتمثِّل في الانخراط في الحوار وبحث سبل وقف الحرب ومشاركة السلطة.

أوهانلون: الاعتقاد بوجود تغيُّر حاسم لصالح طرف في الصراع الليبي على حساب الآخر فيه مبالغة كبيرة

وبينما استبعد أوهانلون أن تشهد الأشهر المقبلة تركيزاً من قبل الإدارة الأمريكية في واشنطن على الوضع في ليبيا، قائلاً إنه لا توجد لدى الولايات المتحدة استراتيجية تجاه هذا البلد، فقد عبَّر عن اعتقاده بإمكانية أن تُمثِّل ليبيا فرصة للتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا، وذلك بالرغم من أن زعيمي البلدين، دونالد ترمب وفلاديمير بوتين، قد أهدرا على مدار الأعوام الماضية الكثير من الفرص التي كانت سانحة للتعاون في العديد من الملفات، بحسب تعبيره.

وفي مداخلته في الندوة، أرْجع بيتر ميليت، السفير البريطاني السابق لدى ليبيا، فشَل اتفاقيات إنهاء الحرب في ليبيا، وخصوصاً اتفاق الصخيرات، إلى عدم تمثيلها مختلف الأطراف والقوى والمكونات السياسية والاجتماعية، وافتقارها إلى ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية واسعة النطاق، وعدم اتساق مواقف بعض القوى الإقليمية والدولية مع متطلبات ما تُعلِنه من التزام بدعم حل الأزمة الليبية بالطرق السلمية.

ميليت: في الوقت الذي تحتاج أوروبا إلى ليبيا آمنة ومستقرة إلا أنها لا تلعب دوراً في هذا الاتجاه

وانتقد السفير البريطاني بشدة الموقف الأوروبي من الأزمة الليبية، مشيراً إلى أنه بينما لعبت ألمانيا دوراً جيداً من موقع محايد واستطاعت جمع الأفرقاء في مؤتمر برلين، فإن دولة كالمملكة المتحدة لم تدعم هذا الموقف، فيما تقف فرنسا وإيطاليا على طرفي نقيض. وخلص السفير إلى أنه في الوقت الذي أوروبا فيه بحاجة إلى ليبيا آمنة ومستقرة إلا أنها لا تلعب دوراً في هذا الاتجاه.

وبدوره أشار الدكتور أندريه كورتونوف، مدير عام مجلس الشؤون الدولية الروسي والخبير الأبرز في شؤون السياسة الخارجية الروسية والعلاقات الدولية المعاصرة، إلى خطأ المقارنة بين الدور الروسي في سوريا الذي يحمل طابعاً جيوسياسياً والدور الروسي في ليبيا الذي له أبعاد اقتصادية، موضحاً أن سوريا أكثر أهمية بالنسبة لموسكو من ليبيا.

كورتونوف: الدور الروسي في ليبيا يظل محدوداً مقارنةً بدورها في سوريا التي تحظى بأهمية أكبر لدى موسكو

وعبَّر الدكتور كورتونوف عن اعتقاده بأن هناك إمكانية بالنسبة للأطراف الإقليمية والدولية التي تدعم طرفي الصراع في ليبيا لتهدئة الموقف، ومع تأكيده على أن الدور الروسي في ليبيا يظل محدوداً مقارنةً بدورها في سوريا، وأن موسكو لا تستطيع أن تتجاهل موقفي روما وباريس في ليبيا، إلا أن روسيا بحسب اعتقاده ما زالت مترددة بدرجةٍ ما فيما يتعلق بتوضيح حقيقة موقفها في ليبيا، قائلاً إنه ربما عقب الانتخابات الأمريكية المقبلة سيصبح لدى موسكو موقف أكثر وضوحاً.

وفي تحليله للموقف التركي في ليبيا، قال الدكتور عمر طاش بينار، الباحث الأقدم في معهد بروكنجز وأستاذ استراتيجيات الأمن الوطني في جامعة الدفاع الوطني الأمريكية بواشنطن، إنه على الرغم من أن عدة عوامل تقف وراء الاندفاعة التركية في ليبيا، بعضها يتعلق بالنفوذ الجيوسياسي والأبعاد الاقتصادية والبعض الآخر له أبعاد أيديولوجية، إلا أن البعد الداخلي المتعلق برغبة الرئيس أردوغان في تعزيز وضعه في تركيا وتشتيت الأنظار عن المشكلات الداخلية المحدقة به يلعب دوراً مهماً.

طاش بينار: تعتقد تركيا أنه من خلال سيطرتها في ليبيا يُمكن أن تضع روسيا في موقفٍ يَسهُل إدارته في سوريا

وأوضح الدكتور طاش بينار أن تركيا تعتقد أنه من خلال سيطرتها في ليبيا يمكن أن تضع روسيا في موقفٍ يسهل إدارته في سوريا، وأنها في الوقت نفسه تريد أن تكون ليبيا ورقة ضغط على الاتحاد الأوروبي، قائلاً إن حدوث مواجهة بين مصر وتركيا في ليبيا هو ما سيلفت نظر واشنطن ويضطرها للتدخل هناك.

أحدث الأخبار