عقد مركز الإمارات للسياسات في مقره في أبوظبي يوم السادس والعشرين من شهر فبراير 2019 طاولةً مستديرة حول "المشهد الجيوسياسي في آسيا"، كان المتحدث الرئيس فيها السيد جيمس كرابتري، الأستاذ المساعد في كلية لي كوان يو في سنغافورة، والزميل الأقدم في مركز بحوث آسيا والعولمة في الكلية نفسها.

وعالج السيد كرابتري الموضوع في ثلاثة محاور: المحور الأول هو التوازن الجيوسياسي في آسيا، وفيه أشار إلى أن منطقة آسيا تشهد تدافعاً تدافعاً جيوسياسياً بين الصين والولايات المتحدة، مبيناً أن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة تشهد تغيراً متسارعاً، وأن هذا بدوره يؤدي إلى تغيير في التوازن الإقليمي. ولفت المتحدث النظر إلى مفارقة مهمة وهي أنه رغم التنافس الأمريكي مع الصين في آسيا إلا أن الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس ترمب أقل انخراطاً في النظام الإقليمي الآسيوي.

وفي المحور الثاني، تم تناول تحديات تحول الصين إلى قوة عظمى؛ إذ أشار السيد كرابتري إلى أن الصين شهدت نمواً اقتصادياً بمعدلات عالية والذي تواصل لسنوات طويلة، إلا أن كل التوقعات الاقتصادية تشير إلى أنها لن تستطيع الحفاظ على مستويات النمو نفسها في الحقبة المقبلة. وأكد المحاضر أنه ليس من مصلحة الصين التصعيد مع الولايات المتحدة في الحرب التجارية، بل ستحرص على التوصل إلى اتفاق تجاري معها.

وفي سياق المحور نفسه، ناقش المحاضر مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وأشار إلى أن المبادرة مشروع طموح، وأنها لا تعد أحد أهم عناصر السياسة الخارجية الصينية فحسب، بل هي إحدى أدوات صعود الصين كقوة عظمى في المستقبل. وأوضح الباحث أنه من الصعب وضع تحديدات نهائية للمبادرة؛ لأنها تضم عدداً هائلاً من الدول يصل إلى 55 دولة، فضلاً عن أنها تشمل مشاريع بنية تحتية ضخمة، برية وبحرية. وتطرق المحاضر إلى الاعتراضات التي تثيرها المبادرة، فهي لا تماثل مشروع مارشال الأمريكي عقب الحرب العالمية الثانية، وبحسب الدعاوى الغربية تُغرق المبادرة الدول الداخلة فيها بالديون، في حين أن هناك مجتمعات محلية عبّرت عن احتجاجات ضد مشروعات المبادرة، كما حصل في باكستان وسريلانكا وماليزيا، ومع ذلك يجب عدم تضخيم أثر هذه الاعتراضات. وذكر المحاضر أن المبادرة أطلقت منافسة إقليمية، فاليابان مثلاً أخذت تطلق شراكات في البنية التحتية بالمنطقة، إلا أن نجاح المبادرة يتطلب –برأي الباحث- أن تكون أكثر شفافية كما يتطلب إشراك المؤسسات الدولية.

أما المحور الثالث، فخُصص لمستقبل النظام الإقليمي في آسيا، وفيه ذكر المحاضر أن جميع أمم آسيا استجابت للصعود الصيني، ولفت النظر إلى نقطة مهمة وهي أن سياسة الحرب التجارية التي أطلقتها إدارة ترامب ضد الصين أساساً، وغيرها من الدول، وسياسة الانكفاء الأمريكية جعلتا دول آسيا تنظر إلى الولايات المتحدة كطرف غير موثوق به، لذا شعرت بالحاجة إلى التقرب من الصين وبناء علاقات عقلانية معها. في حين ترغب الدول المنافسة للصين في الحد من هيمنتها الإقليمية، وتم مثلاً إطلاق الحوار الأمني الرباعي، الذي يضم الهند واليابان وأستراليا والولايات المتحدة، لمواجهة الصين في منطقة الهندي-الهادي.

وأكد المحاضر أن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة تمثل تهديداً للمنطقة، وأن المؤسسات المتعددة الأطراف في المنطقة لا تعمل بشكل فاعل، وبخاصة فيما يتصل بالعلاقات الصينية الأمريكية. كما أكد أنه في الوقت الذي يظهر فيه أن الولايات المتحدة يتراجع دورها القيادي في العالم، فإنه لا توجد مؤشرات على أن الصين تريد أن تضطلع بمثل هذا الدور.

وخلُص المحاضر أخيراً إلى أنه يمكن للقوى في داخل الإقليم وخارجه أن تستفيد من الفضاء السياسي القائم في منطقة آسيا لتوسيع نفوذها في المنطقة، كما تفعل الهند التي أصبحت تنظر إلى نفسها كدولة قائدة أكثر منها قوة توازن إقليمية. 

أحدث الأخبار