نظّم مركز الإمارات للسياسات ندوة عبر الإنترنت يوم أمس (الأربعاء) حول "تركيا ما بعد كورونا: تحديات السياسة واضطراب السياسة"، وقالت الدكتورة ابتسام الكتبي رئيسة المركز في افتتاح الندوة، التي بُثَّت مباشرةً على حساب المركز في منصَّات التواصل الاجتماعي المختلفة، إن تركيا تحتل المرتبة التاسعة على مستوى العالم من حيث عدد الإصابات بوباء "كوفيد-19"، وأن حكومة حزب العدالة والتنمية تعرضت لانتقادات كثيرة بسبب طريقة إدارة أزمة كورونا، وتحوُّل الأزمة إلى عامل صراع سياسي جديد بين الحكومة والمعارضة، كما تجلت في السجال الذي أثير على هامش تقديم وزارة الداخلية التركي استقالته.

ابتسام الكتبي: "كل التوقعات تشير إلى أن الاقتصاد التركي سيتعرض لركود طويل الأمد"

وأضافت الدكتورة ابتسام أن أزمة كورونا حلّت والاقتصاد التركي يُعاني أصلاً من مشكلةً كبيرة تتمثل بتراجع سعر الليرة التركية وتراكم الديون، الأمر الذي يُتوقع معه أن يتعرض الاقتصاد التركي لركود طويل الأمد. وذكرت الكتبي أنه بينما استثمرت تركيا فيما يسمى "دبلوماسية الكارثة"، من خلال تقديم المساعدات الطبية إلى عدد من الدول، فإن الانخراط التركي في الصراعات الإقليمية، سيما في سوريا وليبيا وشرق المتوسط، مازال يُواجَه بتحديات، نابعة من البيئة السياسية الداخلية ومن البيئتين الإقليمية والدولية أيضاً.

وأشار الدكتور عمر طاش بينار، الباحث الأقدم في معهد بروكينجز وأستاذ استراتيجيات الأمن الوطني في جامعة الدفاع الوطني الأمريكية بواشنطن، إلى أن أصعب ما يواجه الرئيس رجب طيب أردوغان وحكومته في الوقت الراهن هو الركود الاقتصادي، مُضيفاً أن هذا الركود سيستمر فترة طويلة، ما يعني أن أردوغان وحزبه الحاكم سيواجه تحدياً كبيراً في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة في عام 2023.

طاش بينار: "أزمتا كورونا والاقتصاد ستؤديان إلى تغيير المشهد السياسي التركي مثلما حصل عام 2001"

وأضاف طاش بينار، أن الرئيس أردوغان يتحكم في الإعلام في تركيا، وهذا الإعلام يصور إدارته لأزمة كورونا على أنها قصة نجاح، في حين أن حكومته عانت من نقاط ضعف في مواجهة الوباء تمثلت بالظهور في صورة المتردد تجاه اتخاذ قرارات قوية وحازمة في الوقت المناسب، وعدم القدرة على تنفيذ وعود الدعم الاقتصادي ومنع انكماش الاقتصاد التركي.

وفي محاولة من الرئيس أردوغان لاستباق تطور الأزمة الاقتصادية وللتقليل من فرص عقد تحالف موحد ضده يضم الأحزاب الجديدة المنشقة من الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة الرئيسة، فإن الخبير التركي يرى أن الرئيس أردوغان قد يتجه إلى عقد انتخابات مبكرة. إلا أنه رجّح في كل الأحوال أن أزمة كورونا والتداعيات الاقتصادية ستؤديان إلى تغيير المشهد السياسي التركي، كما حصل عام 2001 حين وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بسبب الأزمة الاقتصادية التي ضربت تركيا في ذلك الوقت.

وحول مدى تأثير أزمتي كورونا والاقتصاد في السياسة الإقليمية التركية، رأى الباحث التركي أن الانخراط التركي في صراعات المنطقة، في سوريا وليبيا وشرق المتوسط، سيبقى على حاله، لكنه حذر من احتمال إقدام أردوغان على اصطناع أزمة خارجية، مع اليونان أو قواعد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، من أجل حرف الأنظار عن الأزمة الاقتصادية والتحشيد القومي، بما يصب في مصلحته الانتخابية لو أجرى الانتخابات مبكراً.  

أما الدكتور أتيلا يشيل أضا، المؤسِّس المشارك لمركز بحوث "إسطنبول أناليتكس" والخبير الدولي في الشؤون الاقتصادية والسياسية التركية، فأوضح أن الحكومة التركية لا تُبدي شفافية في التعامل مع وباء كورونا، مؤكداً أن الأرقام التي تعلنها غير دقيقة، وأنها تخلو من الإشارة إلى حقيقة الإصابات بين اللاجئين السوريين والأكراد. وتوقع أتيلا أن تكون هناك موجة ثانية من تفشي الوباء خلال شهرين، الأمر الذي سيؤدي برأيه ليس إلى صدمة للنظام الصحي فقط، بل إلى صدمة نفسية واقتصادية أيضاً.

أتيلا: "لم يعد أردوغان في نظر الأتراك هو القائد الذي يأتي بالرخاء للأتراك"

وعلى مستوى الآثار لاقتصادية، أوضح الخبير الاقتصادي التركي أن الأزمة الحالية أثبتت هشاشة نموذج النمو الاقتصادي التركي القائم على الاقتراض الخارجي، مُبيِّناً أن مجموع الديون التركية يبلغ نحو 437 مليار دولار، وما يستحق منها الدفع خلال هذا العام يبلغ 170 مليار دولار، ما يعني أنه ما من سبيل لتركيا للخروج من الأزمة الاقتصادية إلا باللجوء إلى صندوق النقد الدولي، إلا أن الرئيس أردوغان لا يحبذ الاستعانة بصندوق النقد الدولي، لأن التوصل إلى اتفاق مع الصندوق يفرض عليه تطبيق إصلاحات سياسية واقتصادية لا يرغب فيها.

وتعليقاً على توقيع تركيا اتفاقات مبادلة العملات المسماة SWAP مع الصين وقطر، أوضح الاقتصادي التركي أن هذه الاتفاقيات لن تحل أزمة الاقتصاد التركي ولا مشكلة الديون الضخمة، واصفاً إياها بأنها مجرد عمليات تجميلية. وأكد أخيراً أن الرئيس أردوغان لم يعد في نظر الأتراك القائد الذي يجلب الرخاء للشعب التركي.

وبدوره أوضح الدكتور مصطفى مراد قبلاي، الخبير المالي والاقتصادي في تركيا، أن الاقتصاد التركي تأثر بشكل كبير بأزمة كورونا، سيما في قطاعات التجارة والخدمات والنقل والسياحة، وضرب مثالاً على السياحة التي حققت 30 مليار دولار في عام 2019، في حين أن هذا الرقم سينخفض في هذا العام إلى 10 مليارات دولار فقط.

وإضافة إلى خروج الاستثمارات من تركيا بسبب أزمة كورونا، أشار الاقتصادي التركي إلى مشكلة انخفاض الليرة التركية، حيث فقدت قيمتها منذ يناير الماضي بنحو 15 بالمئة، بالرغم من الأموال الضخمة التي ضخّها البنك المركزي في السوق للحفاظ على سعر الليرة، موضحاً أن الاحتياطي الحقيقي للنقد الأجنبي في البنك المركزي وصل إلى أقل من الصفر (ناقص 2 مليار دولار). وبيّن الدكتور قبلاي أن البنوك التركية ليس لديها القدرة على تقديم قروض جديدة إلى لشركات التركية التي تعاني من تراكم الديون أصلاً، ما يعني أن كثيراً من الشركات التركية تواجه خطر الإفلاس.

قبلاي: "الاحتياطي النقدي الأجنبي الحقيقي لدى البنك المركزي التركي أقل من الصفر"

وذكر قبلاي أن صندوق النقد الدولي توقع أن ينكمش الاقتصاد التركي في العام الجاري بنسبة 5 بالمئة، مضيفاً أنه لا يتوقع أن يُسارع الصندوق إلى إنقاذ تركيا من أزمتها الاقتصادية، بسبب عدم الثقة في الرئيس أروغان وافتقاره إلى المصداقية. كما توقع أن تحدث اضطرابات سياسية في تركيا في أواخر العام الجاري أو أوائل العام المقبل نتيجة للأزمة الاقتصادية المستفحلة.

وأخيراً أجمع المشاركون في الندوة أنه لا يمكن لتركيا تجاوز أزمتها الاقتصادية دون القيام بإصلاحات سياسية، سواء بالعودة إلى النظام النيابي، أو بتحسين أوضاع حقوق الإنسان والحريات وتعزيز سيادة القانون، والأهم تراجع الرئيس أردوغان عن السياسات الشعبوية والاستبداد في الحكم.

أحدث الأخبار