نظّم مركز الإمارات للسياسات حلقةً نقاشية عبر الإنترنت يوم أمس (الأربعاء)، الموافق 29 أبريل 2020، حول "التحولات الجيوسياسية المحتملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما بعد كورونا"، وقالت الدكتورة ابتسام الكتبي رئيسة المركز في افتتاح الحلقة، التي بُثَّت مباشرةً على حساب المركز في منصَّات التواصل الاجتماعي المختلفة، إنه بالرغم من أنه من المبكر جداً التنبؤ بالتغيرات الجيوسياسية التي ستُحدِثها أزمة كورونا في العالم، إلا أن من المؤكد أن منطقة الشرق الأوسط ستكون من أكثر المناطق تأثراً بسبب الحروب والصراعات التي تشهدها، فضلاً عن حالة الاضطراب وغياب الاستقرار والتحديات الكثيرة التي تواجه الدولة الوطنية في المنطقة.

وبدوره تساءل الدكتور زيد عيادات رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية، الذي أدار الحلقة، عن ماهيّة النظام الإقليمي الذي سيتشكل ما بعد كورونا، وشكل التنافس بين القوى فيه، ومآلات الحروب والصراعات في المنطقة، وما إذا كنا سنشهد موجةً جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية المحلية نتيجة العواقب الاقتصادية للأزمة.   

أشار الدكتور روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن جائحة كورونا لن تُغير المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط بل إنها ستسرّع الاتجاهات التي كانت قائمة قبل الوباء، وهي غياب التعاون الإقليمي، وسعي الدول إلى تحقيق مصالحها الوطنية. وأضاف ساتلوف أن دول الإقليم بالرغم من تعرضها لتحدي مواجهة الوباء إلا أنها لم تُغير سياساتها الإقليمية، وضرب مثلاً على كلامه بإيران التي برغم أنها تواجه وضعاً عصيباً في احتواء الوباء إلا أنها مازالت تسير في سياسات الهيمنة نفسها، وكذلك تركيا التي لا تزال تتدخل في ليبيا، وأيضاً إسرائيل التي تستمر في النهج الانفرادي فيما يخص النزاع مع الفلسطينيين وتسعى إلى ضم جزء من أراضي الضفة الغربية. وأضاف أيضاً أن نيران الصراعات في المنطقة في ليبيا وسوريا واليمن مازالت مشتعلة، ولم تنطفئ مع وباء كورونا. وبالرغم من تشاؤمه يأمل الدكتور ساتلوف بأن تدفع أزمة كورونا والتحديات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عنها دول المنطقة إلى مقاربة أكثر تعاوناً لحل المشكلات الإقليمية.    

أما ما يخص التداعيات الداخلية لأزمة كورونا على دول الإقليم، فأشار الدكتور بول سالم رئيس معهد الشرق الأوسط بواشنطن إلى أن العالم يواجه أكبر أزمة اقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، ومن الواضح أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو الركود، وسيحتاج إلى سنتين في أفضل التقديرات للتعافي، الأمر الذي سيكون له تداعيات سلبية على اقتصادات المنطقة، ومنها اقتصادات الخليج التي تتأثر بتدني سعر النفط وانخفاض الطلب على الطاقة بسبب تراجع الأنشطة الاقتصادية وحركة وسائل النقل.

إلا أن الخطر الأكبر برأيه يقع على عاتق الدول التي تعاني أوضاعَ اقتصادية صعبة حتى ما قبل كورونا، والتي قد تشهد انفجارات اجتماعية بسبب تزايد معدلات الفقر والمرض والبطالة. وقد تكون الاحتجاجاتُ التي تجددت في لبنان في الأيام الأخيرة بسبب الأوضاع المالية والاقتصادية المزرية مثالاً مصغراً على الاحتجاجات التي قد تندلع في دول عربية أخرى. وهو يحذر من أن الاحتجاجات الاجتماعية الجديدة ستكون أشد حدة من تلك التي عرفها العالم العربي عام 2011، لأن الشباب في هذه المرة سيُحركهم الشعور بالجوع واليأس.  

ومن هنا يعتقد الدكتور سالم أنه يتعين على دو ل المنطقة أن تعدّل في خططها التنموية لتنتقل من التركيز على النمو الاقتصادي إلى التركيز على تعزيز شبكة الأمان الاجتماعية ودعم قطاعات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم إلى جانب الاستثمار في قطاع التكنولوجيا، وإبطاء وتيرة المشاريع الكبرى. ويأمل أن تنبع من الأزمة فرصة في أن تتجه حكومات المنطقة إلى تعزيز الحوكمة، وبناء مجتمعات مزدهرة ومتماسكة وقطاعات اقتصادية قادرة على مجابهة الأزمات غير المتوقعة.

أما عن تأثير التنافس الصيني-الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط ما بعد كورونا، فيرى كلٌّ من روبرت ساتلوف وبول سالم أن تنامي النفوذ الصين في المنطقة ليس هو المهم، بل المهم هو طبيعة سياسات الإدارة الأمريكية، سواء الحالية أو المقبلة، وما إذا كانت ستستمر في استراتيجية التراجع عن الالتزامات العالمية والانكفاء إلى الداخل، أم أنها ستدافع عن دورها القيادي في العالم والمنطقة، بما يُشبه وَثبتها الخارجية ما بعد الحرب العالمية الثانية. وتوقع المتحدثان أن يعزز الرئيس ترمب، في حال فاز في الانتخابات المقررة في نوفمبر المقبل، التركيزَ على الشأن الداخلي لمعالجة التحديات الاقتصادية الناشئة من وباء كورونا، وأنه لن يكون مستعداً للقيام بمغامرة كبرى في المنطقة، ما يعني حصول تراجع أكبر في سياساته تجاه الشرق الأوسط. وحتى لو فاز المرشح الديمقراطي بايدن فإنه سيُعطي الأولوية للشأن المحلي، مع إصلاح بعض السياسات الخارجية لسلفه. ومع ذلك، أكد المتحدثان أن الولايات المتحدة ستبقى المزود الرئيس للأمن في منطقة الخليج.  

أحدث الأخبار