نظّم مركز الإمارات للسياسات ندوة عبر الإنترنت يوم أمس (الإثنين)، 11 مايو 2020، حول "التحولات الجيواقتصادية المحتملة ما بعد كورونا"، وقالت الدكتورة ابتسام الكتبي رئيسة المركز في افتتاح الندوة، التي بُثَّت مُباشرةً على حساب المركز في منصَّات التواصل الاجتماعي المختلفة، إن تداعيات جائحة "كوفيد-19" لم تقتصر على أنظمة الصحة العامة لدول العالم، ولا على الخسائر البشرية، بل امتدت أيضاً إلى اقتصادات العالم، لتشهد مختلف الدول خسارةً في الناتج المحلي الإجمالي، وتراجُعاً في النمو الاقتصادي، وتضرُّراً لمختلف القطاعات، وإفلاساً لآلاف الشركات والمشروعات، وتسريحاً لملايين الموظفين والعمال، واتساعاً في دائرة الفقر. مُضيفةً أنه بالرغم من تفاوت التوقعات لمستقبل الاقتصاد العالمي إثر أزمة كورونا، ما بين سيناريو الكساد العظيم وسيناريو الانطلاقة القوية، فلا شك في أن الأزمة ستكون لها تأثيراتها العميقة في الوضع الجيواقتصادي على المستويين العالمي والإقليمي، وقد ينشأ عنها نظام اقتصادي عالمي مختلف عن ذلك السائد حالياً منذ عقود.

ومن جهته، أشار الدكتور جياكومو لوشياني، الأستاذ في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية في جنيف والخبير المعروف في اقتصاديات الشرق الأوسط والطاقة الدولية، إلى أن التبعات الاقتصادية لأزمة كورونا ستستمر على المدى الطويل حتى لو اتجه الاقتصاد العالمي إلى التعافي في أعقاب اكتشاف لقاح أو علاج فعال لفيروس كورونا المستجد، ومن ذلك مثلاً أن قطاع الطاقة الذي شهد انخفاضاً هائلاً في الطلب لن يعود إلى مستويات الطلب السابقة بسرعة، كما أنه سيُعاني من تراجع الاستثمارات فيه، ما سيؤثر فيه على الأمد البعيد.

وبدوره رجّح الدكتور إبراهيم سيف، المدير التنفيذي لمنتدى الاستراتيجيات الأردني، أن يتجه الاقتصاد العالمي نحو السيناريو الذي يُرمز له بحرف "إل" اللاتيني (L)، الذي يعني أن الركود الاقتصادي سيستمر طويلاً. لكنه، أوضح أنه بينما تضررت قطاعات كثيرة في الأزمة، وخاصة قطاع الطاقة والنقل والتجزئة والسياحة والضيافة وحتى القطاع المالي، إلا أن قطاعات أخرى استفادت منها، سيما القطاع الصحي وقطاع التكنولوجيا. مُضيفاً أن الأزمة ستنطوي على فرص، إذ ستُحدث تغييراً في سلوكيات الأفراد وممارسات الدول، فعلى سبيل المثال بينما كان الناس يميلون إلى التعليم التقليدي فإن الأزمة كشفت عن إمكانات هائلة للتعليم من بُعد، إلى جانب إمكانات العلاج من بُعد، والتي رأينا تطبيقات جيدة لها في دولة الإمارات خلال الأزمة.

أما الدكتور هاني فندقلي، نائب رئيس مجموعة كلينتون بنيويورك والخبير الدولي في الاستثمار والتنمية، فأكَّد أنه لا توجد دولة فائزة في هذه الأزمة، فحتى الصين شهدت انكماشاً اقتصادياً وصل إلى نحو 6 بالمئة في الربع الأول من العام الحالي، وهو أمر غير مسبوق طوال أربعين عاماً. وأضاف أن مئة دولة في العالم قدمت طلبات إلى صندوق النقد الدولي للحصول على دعم مالي لمواجهة تبعات أزمة كورونا.

وفيما يتعلق باستجابات الدول المستقبلية للأزمة، أكد المتحدثون الثلاثة أن العولمة الاقتصادية ستخضع للتعديل، وكردة فعل ستتجه معظم الدول، ومنها دول كبرى، إلى العودة إلى التصنيع المحلي وتعديل سلاسل التوريد وتعزيز الاستثمارات في الأمن الغذائي والصحي، ومع ذلك أوضح المتحدثون أن مثل هذه الاتجاهات الجديدة ستستغرق وقتاً، مُشدِّدين في الوقت نفسه على أن العزلة والانكفاء على الذات ليس خياراً لأي دولة، فقد أثبتت الأزمة أن الدول لا تستطيع مواجهة الأزمات العالمية منفردة، وأنها تحتاج إلى التعاون الإقليمي في الحد الأدنى. 

وفيما يتعلق باحتمال اشتداد حدة الصراع بين الولايات المتحدة والصين مستقبلاً، طرح الدكتور فندقلي أن مثل هذا الصراع سيؤثر سلبياً في كلا الدولتين، كما أنه سيقوض التجارة العالمية، التي ستتعرض مستوياتها إلى التراجع أصلاً بسبب انخفاض الاستهلاك نتيجة كورونا. ومن جهة ثانية، يرى الباحث نفسه أن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية ستتأثر بأزمة كورونا نتيجة لانخفاض الصادرات الصينية العالمية، وقد تدفع الأزمة الصين إلى التركيز على الدول المحيطة بها المرتبطة باقتصادها بشكل قوي، بحيث تعمل على سرعة تعافي هذه الاقتصادات.

وفيما يخص تأثير كورونا في اقتصادات الشرق الأوسط وفي الوضع الجيواقتصادي لها، أشار الدكتور لوشياني إلى أن الأزمة أدت إلى هبوط كبير في أسعار النفط والغاز، وهما الموردان اللذان تعتمد عليهما اقتصادات كثير من دول المنطقة، ونظراً إلى أن أسعار الطاقة لن تعود في المدى القريب إلى سابق عهدها فستظل هذه الاقتصادات تتعرض لضغوط تتمظهر في تراجع الناتج المحلي الإجمالي والعجوزات في الموازنات المالية. وذكر الخبير الدولي في اقتصاديات الشرق الأوسط أن الأزمة ستتكشف عن ديناميات اقتصادية جديدة، مثل إجراء إصلاحات في النظام الاقتصادي وإعادة هيكلة قطاعات فيه، ومن ذلك مثلاً إعادة هيكلة سوق العمل، وتعزيز سياسات التنويع الاقتصادي.

وأكد أخيراً أن دول المنطقة برمتها مدعوة إلى الاستفادة من أزمة كورونا، من خلال القيام بأمرين مهمين: صُنْع السلام والتعاون على حل الصراعات في الإقليم، واستثمار كل دولة في مواردها المحلية.

أحدث الأخبار