هل يستطيع الحوثيون إغلاق ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر؟

مركز الإمارات للسياسات | 15 فبراير 2018

هدَّدت جماعة "أنصار الله"/الحوثيين على لسان رئيس ما يُعرف بـالمجلس السياسي الأعلى في صنعاء، صالح الصماد، في 8 يناير الجاري، بإغلاق ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر. وطبقاً لما نقلته قناة "الميادين" الفضائية، فقد أبلغ الصمادُ نائبَ المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن معين شريم أثناء زيارته لصنعاء مؤخراً، أنه "إذا استمر التصعيد العسكري من قبل دول العدوان باتجاه الحديدة، ووصل الحل السياسي إلى طريق مسدود، هناك خيارات سيتم استخدامها في طريق اللاعودة، ومنها خيارات قطع البحر الأحمر والملاحة الدولية".

تتطرق هذه الورقة إلى أسباب إطلاق هذا التهديد، لاسيما في هذا التوقيت، وردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية إزاء هذا التطور اللافت، وتناقش مدى قدرة الحوثيين على تنفيذ هذا التهديد على أرض الواقع.

 

أولاً: دوافع التهديد الحوثي وردود الفعل عليه

  1. الدوافع

من حيث التوقيت، تزامن إطلاق الحوثيين تهديدهم الأخير مع تطورات محلية وإقليمية مهمة:

فعلى المستوى الداخلي، كانت قوات الحكومة الشرعية ودول التحالف قبل أيام من هذه التصريحات حقَّقت بعض المكاسب الميدانية في الساحل الغربي بعد فترة من الجمود في هذا المحور، فقد تمكَّنت وحداتها القتالية من السيطرة على أول مديرية في محافظة الحديدة الساحلية (وهي مديرية "الخوخة" التي تبعد عن مركز المحافظة 115 كم تقريباً)، ثم التقدم تالياً شمالاً باتجاه مديرية "حيس" المجاورة، وفي أعقاب ذلك أعلن الحوثيون عبر وسائل الإعلام الموالية لهم عن ضبط ما قالوا إنها مركبة بحرية "تجسسية" ذاتية التحكم تابعة لدول التحالف في المياه الإقليمية اليمنية المحاذية لساحل الحديدة، وعرضوا صوراً لجسم السفينة في تسجيل فيديو عبر قناة "المسيرة" الفضائية التابعة لهم.

وعلى الصعيد الإقليمي، تزامنت التهديدات الحوثية الأخيرة مع تصاعد حدة التوتر والخلاف بين إيران من جهة والسعودية والولايات المتحدة من جهة أخرى، خاصة بعد إفصاح واشنطن مؤخراً عن نواياها الرامية لتحجيم حضور إيران ونفوذها على مستوى المنطقة، وخروج مظاهرات في عدد من المدن الإيرانية بعد مضي بضعة أشهر على تصريحات كان ولي العهد السعودي قد توعد فيها بنقل المعركة إلى داخل إيران.

ومن هذا المنطلق فإن إطلاق هذه التهديدات، وفي هذا التوقيت، من جانب الحوثيين ربما يهدف إلى تحذير دول التحالف والمجتمع الدولي من العواقب الوخيمة على أمن وسلامة الملاحة الدولية في حال تم مهاجمة مدينة وميناء الحديدة، فيما يرى بعض المراقبين أن هذه التصريحات تمثل رسالة غير مباشرة من طهران بأنها لن تتخلى عن مناطق نفوذها، والإيحاء أيضاً بأن لديها العديد من الأوراق التي بإمكانها المساومة بها وتحريكها في حال تزايدت الضغوط الخارجية عليها.

  1. ردود الفعل

أشار المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف العربي في تعليقه حول الموضوع إلى أن الحوثيين يقومون حالياً بتدريب مسلحيهم على كيفية استهداف السفن والبوارج الحربية وحاملة الطائرات. ومن جانبه أوضح وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية الدكتور أنور قرقاش، أن تصريح الحوثيين باستهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر وتهديدهم لها توثيقٌ جديد للطبيعة "الإرهابية للمليشيا الحوثية".

أما الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً فقد نددت على لسان المتحدث الرسمي باسمها بتهديدات الحوثيين، واعتبرتها تحدياً للأمم المتحدة والمجتمع الدولي، ودليلاً على تصاعد الخطر الذي تشكله الجماعة ومن خلفها إيران على اليمن، وطالبت المجتمع الدولي بأخذ تهديد الحوثيون على محمل الجد.

والجدير بالملاحظة هنا أن تهديدات الحوثيين بإغلاق ممرات الملاحة في البحر الأحمر لم تلق صدًى كبيراً أو بارزاً على الصعيد الدولي، وربما يعود ذلك إما إلى إدراك الأطراف الدولية بعدم جديتهم في تنفيذ هذه التهديدات أو للاعتقاد بانعدام قدرتهم على القيام بهذه الخطوة، أو الأمرين معاً.

 

ثانياً: مدى قدرة الحوثيين على إغلاق البحر الأحمر

  1. تجدر الإشارة بدايةً إلى أهم الهجمات التي نفذتها الجماعة على عدد من السفن العسكرية والمدنية في البحر الأحمر خلال الفترة الماضية، لأنها تعطي بطريقة أو بأخرى بعض المؤشرات على ماهية قدرات وإمكانات قواتهم البحرية ونوعية عتادها وتسليحها:
  • في مطلع أكتوبر 2016 هاجم الحوثيون بواسطة صاروخ بحري من طراز"C-208"مُوجَّه بالرادار، وقذائف صاروخية، سفينةَ الدعم والإمداد الإماراتية "سويفت" قبالة سواحل مدينة المخا اليمنية في البحر الأحمر؛ ممَّا أدَّى إلى إصابة جسم السفينة بأضرار بالغة وخروجها عن الجاهزية.
  • في منتصف الشهر نفسه، قالت وزارة الدفاع الامريكية إن ثلاثاً من سفنها الحربية تعرضت لإطلاق صواريخ قبالة السواحل اليمنية التي يسيطر عليها الحوثيون في البحر الأحمر دون أن يُصاب أيٌّ منها.
  • في 30 يناير 2017 هاجم الحوثيون فرقاطة سعودية قبالة ميناء الحديدة بزورق بحري سريع مُحَمَّل بالمتفجرات ويتم التحكم به عن بعد؛ ممَّا أدَّى إلى مقتل اثنين من أفراد الطاقم وإصابة ثلاثة آخرين.
  • في منتصف يونيو 2017 هاجم الحوثيون بصاروخ محمول على ظهر زورق سفينةً إماراتية لدى خروجها من ميناء المخا في البحر الأحمر، بحسب رواية دول التحالف، فيما قال الحوثيون إن الهجوم على السفينة تم أثناء رسوها في الميناء، ممَّا أدَّى إلى إلْحاق بعض الأضرار في جسم السفينة.
  • في 11 يناير من العام الجاري (2018) أعلنت قيادة قوات التحالف أنها أحبطت يوم 6 من نفس الشهر هجوماً للحوثيين بقارب مُحَمَّل بالمتفجرات على ناقلة نفط سعودية قرب ميناء الحديدة، لكن الحوثيين لم يُعَلِّقوا من جانبهم على الحادث. 
  1. من مجمل الوقائع الآنفة يَتَّضِح الآتي:
  • جميع الهجمات التي نفَّذَها الحوثيون على السفن في البحر الأحمر أو معظمها وقعت في أماكن قريبة من السواحل اليمنية، وبحسب رواية الحوثيين أثناء وجودها في المياه الإقليمية اليمنية، وواحدة منها استُهدِفَت فيها سفينة أثناء رسوها في ميناء المخا، وهذا يعني عدم قدرتهم على تحريك قواتهم لتنفيذ هجمات في عمق البحر الأحمر وعلى مسافات بعيدة من السواحل اليمنية، أو أنهم يتحاشون ذلك خشيةَ استعداء المجتمع الدولي ضدهم في حال وسَّعوا هجماتهم إلى خارج المياه الإقليمية اليمنية.
  • تُظهِر الوقائع المشار إليها أن الأسلحة المتوفرة لدى قوات الحوثيين البحرية تتمثل في القوارب والزوارق البحرية السريعة التي يتم التحكم بها عن بعد، والصواريخ البحرية الموجَّهة بواسطة الرادار والتي يتراوح مداها ما بين 40-140 كم، والألغام البحرية ذات الأحجام المختلفة، وقذائف الـ "آر. بي. جي"، والصواريخ المحمولة على الكتف، ويشير بعض المصادر إلى امتلاكهم عدداً من الرادارات الخاصة بكشف حركة السفن. هذه النوعية من الأسلحة، وبصرف النظر عن حجمها وكميتها، تسمح لهم بشن هجمات مباغتة على السفن، لكنها لا تتيح لهم الفرصة لخوض معارك أو معركة بحرية كبيرة أو متوسطة لإغلاق حركة الملاحة في البحر الأحمر بالقوة؛ لأن تنفيذ سيناريو كهذا يتطلب وجود عشرات السفن والبوارج الحربية ومئات الزوارق البحرية ذات الأحجام والمهام المختلفة، وخاصة أن العنصر المادي يعتبر العامل الحاسم في تقرير مصير أي معركة بحرية.
  • يُلاحَظ أن إجمالي عدد الهجمات التي نفَّذتها قوات الحوثيين البحرية على مدى السنوات الثلاث الماضية من عمر الحرب 5 عمليات فقط، كما أن الفواصل الزمنية فيما بينها متباعدة، وهو ما يشير إلى أن قدرتهم على توسيع نطاق هذه الهجمات وتكثيفها تبدو محدودة أو مقيدة.
  • كانت الخسائر الناجمة عن بعض الهجمات ضد السفن محدودة وبعضها الآخر لم تُحَقِّق أهدافها، وهو ما يعكس ضعف فاعلية الوسائل المستخدمة في تنفيذها أو عدم قدرة قوات الحوثيين على حسن استغلالها والاستفادة منها، أو أن خططهم تستدعي الاقتصاد في استخدامها.
  • يمتد مسرح العمليات في مياه البحر الأحمر المحاذية للسواحل اليمنية التي يسيطر عليها الحوثيون على مساحة واسعة، كما أن ممر حركة السفن يبعد عن تلك السواحل بحوالي 40 كم، وبحكم فارق التسليح والإمكانات ما بين طرفي المواجهة فإن قدرة الحوثيين على فرض سيطرتهم على مساحة بهذا الاتساع قد تكون مسألة صعبة، خاصةً أن الجزر اليمنية الكبرى الواقعة بالقرب من خط الملاحة الدولي، مثل جزر حنيش الكبرى والصغرى وجبل زقر، أصبحت خارج سيطرتهم؛ الأمر الذي يجعل المساحة الفاصلة ما بين مراكز إمدادهم في البر الساحلي ومسرح العمليات في عمق البحر تمتد على مسافة طويلة ممَّا يعرضها للتهديد المستمر من قبل قوات الخصم.   
  1. تشير جملة النقاط السابقة إلى صعوبة نجاح الحوثيين في إغلاق الملاحة الدولية في البحر الأحمر بشكل كامل، حتى وإن كانوا جادّين في تنفيذ تهديداتهم، لكنّ قدرتهم على تهديد حركتها بشكل أكثر خطورة مما هو عليه الحال في الوقت الراهن أمرٌ وارد وغير مستبعد للأسباب والعوامل الآتية:
  • بالرغم من فقدان الحوثيين السيطرة على البر الساحلي الممتد من مضيق باب المندب وحتى مدينة المخا، إلا أن قواتهم ما زالت تتمركز في المرتفعات الجبلية المطلة على المضيق والقريبة منه، وبالتحديد في جبال كهبوب شمال غرب محافظة لحج، ومديرية الوازعية التابعة لمحافظة تعز، وهو ما قد يسمح لها باستخدام هذه المرتفعات قواعد لإطلاق الصواريخ على السفن أثناء عبورها الممر المائي بمضيق باب المندب، خاصةً أن حركتها في هذا الممر وفي المسطحات المائية الواقعة إلى شماله تكون بطيئة وفي أدنى سرعة، بسبب كثرة الجزر والشعب المرجانية المنتشرة فيها. 
  • بالمثل، فإن توافر الصواريخ البحرية المضادة للسفن الموجهة رادارياً من نوع "C-208" التي يصل مداها إلى نحو 140 كم لدى قوات الحوثيين، ومعها عدد من الرادارات الخاصة برصد حركة السفن، يُمَكِّنها من استهداف السفن وهي على مسافة بعيدة من البر الساحلي، كما حصل مع السفينة الإماراتية "سويفت"، وستكون الفرص لتحقيق ذلك مواتية إذا كان لدى الجماعة مخزونٌ وافر من هذه الصواريخ. 
  • كثرة الجزر اليمنية المتناثرة في البحر الأحمر وغير المأهولة بالسكان تسمح لقوات الحوثيين بالوجود فيها واستخدامها مراكز لتخزين الأسلحة والمؤن وقواعد لانطلاق الهجمات الانتحارية ضد السفن بواسطة الزوارق السريعة، أو منصات ثابتة لإطلاق قذائف الصواريخ والصواريخ المحمولة على الكتف. 
  • رغم الحصار الذي تفرضه دول التحالف على اليمن، إلا أن منافذ تهريب الأسلحة إلى الحوثيين من غير الممكن أن تُغلَق تماماً، بسبب الامتداد الواسع للسواحل اليمنية في البحر الأحمر، والنشاط القوي لشبكات تجارة وتهريب الأسلحة في المنطقة، الأمر الذي يسمح للحوثيين بالحصول على بعض الأسلحة البحرية التي يحتاجون إليها لتعظيم القدرات الهجومية لقواتهم البحرية.

 

ثالثاً: الاستنتاجات

إن قيام الحوثيين بإغلاق حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر بشكل كامل أمر من الصعوبة بمكان لأسبابٍ عدة، منها: ضعف قدرات قواتهم البحرية، وبالأخص في الجانب المادي، واتساع مسرح المعركة، وممانعة ورفض القوى الدولية لسيناريو كهذا. ومع ذلك، يمكن القول إن الحوثيين يمتلكون قدرة وإمكانات تُمكِّنهم من تهديد الممرات الدولية المحاذية للسواحل اليمنية الغربية في البحر الأحمر ومضاعفة درجة خطورتها في حال أرادوا، وذلك بحكم وجودهم وتمركزهم في المرتفعات الجبلية المطلة على مضيق باب المندب وعلى امتداد المناطق التي يسيطرون عليها قرب السواحل الغربية للبلاد، ونوعية الأسلحة المتوفرة لديهم، وطبيعة مسرح العمليات في البحر والذي يساعد على المناورة بالقوارب الصغيرة، وتنفيذ الهجمات البحرية المباغتة. 

أحدث الإصدارات