تعليق الخبراء

إيران بين أزمة وباء كورونا والعقوبات الأمريكية

مركز الإمارات للسياسات | 11 أغسطس 2020

إيران بين أزمة وباء كورونا والعقوبات الأمريكية

بينما كانت إيران تعاني أشد المعاناة من جراء العقوبات الاقتصادية المتتالية التي فرضتها الولايات المتحدة في إثر انسحابها من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني) في مايو 2018، أصابتها أزمة جديدة ناجمة عن وباء "كوفيد-19"؛ ولم تكن إيران أولى دول الشرق الأوسط التي تفشى فيها الفيروس فحسب، بل إنها تُعد من أكثر دول المنطقة تضرراً من تفشيه. وقد ظهر جلياً تخبط النظام في إدارة أزمة كورونا، الأمر الذي وسَّع الهوّة بين الشعب والنظام. وقد زادت أزمة كورونا مشاكل النظام الإيراني، وعقّدت التحديات التي ينبغي له مواجهتها، الأمر الذي من المتوقع أن يكون له تأثيرات محتملة في سياساته المحلية والخارجية. وكان مركز الإمارات للسياسات قد نظَّم في يونيو الماضي (2020) ندوةً عبر الإنترنت لمناقشة تداعيات العقوبات الأمريكية وأزمة كورونا على إيران، وفيما يلي أهم ما ورد في مداخلات الخبراء الذين شاركوا في تلك الندوة.

أليكس فاتنكا

أليكس فاتنكا

لا يوجد أي شك في أن النظام الإيراني اتخذ في بداية أزمة تفشي وباء كورونا قرارات خاطئة مثل الإصرار على عقد الانتخابات التشريعية في موعدها، كما أنّ النظام غلَّب البعد الأمني أثناء تعامله مع أزمة الوباء، الأمر الذي خلَّف عواقب سلبية على أصعدة شتى. وبات كثير من الإيرانيين يشعرون بشكل متزايد بأن النظام خذلهم، وأنه لو كان صادقاً في معالجة قضية البرنامج النووي وما خلفته من عقوبات اقتصادية قاسية، فإنه سيعمل على تقديم تنازلات تسمح بخلق واقع اقتصادي جيد لشعبه، أما تفكير النظام في الاعتماد على مساعدات روسيا والصين والأمل بتولي الديمقراطيين مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، لتخفيف الضغط عليه والعودة إلى الاتفاق النووي، فإنه مجرد محاولة لتأجيل انفجار الأزمات الداخلية. وبشكل عام، لم يعد هناك قرارات سياسية كبيرة متوقعة من الرئيس روحاني الذي لم يتبق له إلا أشهر معدودة من فترته الرئاسية.

والمؤكد أن أزمة وباء كورونا قد أضرَّت للغاية بالاقتصاد الإيراني، حتى أن أرقام الحكومة الإيرانية عن عوائد النفط بدت مختلفة تماماً عن الأرقام التي أعلنها البنك المركزي الإيراني، لكن النظام في طهران، ورغم أزمتي كورونا واستمرار العقوبات، ما يزال يصر على انتهاج طريقة وكلاء الحرب لتحقيق نفوذه الإقليمي والتي يراها قليلة الكلفة بالنسبة له، ومنذ مقتل سليماني لغاية الآن لم نر أي تغيير حقيقي في طبيعة النظام الإيراني.

 

أليكس فاتنكا، هو زميل أقدم ومدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، وهو متخصص في السياسات المحلية والإقليمية الإيرانية.

جواد صالحي أصفهاني

جواد صالحي أصفهاني

تفاقمت الأزمة الصحية في إيران بسبب التأخر في اتخاذ الحكومة الإجراءات اللازمة لمكافحة تفشِّي وباء كورونا، وقد عَمَد النظام لاحقاً إلى تخفيف إجراءات الحظر بسبب أزمته الاقتصادية المتفاقمة، ولأسباب سياسية أعطى النظام الإيراني الأولوية لإنعاش الاقتصاد على حساب الصحة العامة، لكن نتيجة ذلك انعكست سلباً على الوضع الصحي الآخذ في التردي في عموم أرجاء البلاد، وقد تعيد الأزمة الصحية إنتاج نفسها مجدداً في حال استمر هذا النهج.

ومن الواضح أن الرئاسة الإيرانية والمرشد الأعلى متفقان على إعادة فتح الاقتصاد كأولوية؛ فالمخاطر الاقتصادية باتت عالية في البلاد، بسبب وجود جزء كبير من الاقتصاد غير النظامي، كما أن الاقتصاد الإيراني يعتمد على اقتصاد السوق والدولة لا تسيطر عليه بشكل كامل. مع ملاحظة أن الاقتصاد الإيراني لا يعتمد كلياً على النفط بخلاف ما هو شائع، وقد قتلت العقوبات الفرص الإيرانية لتصدير منتجاتها غير النفطية لدول الجوار، أما عوائد النفط فهي الآن أقل من 10 مليارات دولار مقارنة بـ 120 مليار دولار عام 2011، وحالياً يلجأ النظام الإيراني لبيع مكثف للأصول العقارية والمالية بما يعادل ثلاثة أضعاف معدل بيعه لها خلال العام الماضي.

وبشكل عام، فإن إيران اليوم تتصرف بطريقتين في آن واحد؛ فهي تتصرف كنظام ثوري وفي الوقت نفسه كدولة نامية؛ فمثلاً تظهر إيران في الاستحقاقات الانتخابية بوصفها دولة نامية أكثر من كونها نظاماً ثورياً، والعقوبات الاقتصادية الأمريكية الحالية على إيران لا تبدو كافية لدفع إيران للتراجع عن نظامها الثوري هذا. ومع أنه لا يزال من غير من الواضح كيف ستؤثر أزمة كورونا على إعادة توزيع المشهد السياسي الداخلي الإيراني، فإن آثار العقوبات الأمريكية على السياسة والاقتصاد الإيراني يمكن توقُّعها أكثر مما يمكن توقع آثار أزمة كورونا. والظاهر أن إيران قد تعود لطاولة المفاوضات مع القوى الغربية بهدف تخفيف العقوبات في حال فوز الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

 

جواد صالحي أصفهاني، أستاذ الاقتصاد في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا بالولايات المتحدة، وزميل زائر في برنامج الاقتصاد والتنمية العالمي في معهد بروكينجز.

مهدي خلجي

مهدي خلجي

لقد تحوَّلت إيران خلال فترة المرشد الأعلى الحالي علي خامنئي من نظام ثوري إلى دولة أمنية، وفي حال رحيل خامنئي لن يتمتع من يَخلفه بنفس السلطة وستتحول السلطة أكثر بيد الحرس الثوري كمؤسسة، أما إزالة العقوبات الاقتصادية المفروضة أمريكياً على إيران فإنها لن تُغيِّر من طبيعة النظام الإيراني، ولا يجب أن نتوقع قيام مجتمع مدني قوي واقتصاد متين في غياب العقوبات؛ إذ إن النظام الإيراني سيظل نظاماً شمولياً في الداخل، ومُغامِراً على الصعيد الإقليمي.

وبالنسبة للبرنامج النووي الإيراني، وهو أحد أطول برامج تطوير السلاح النووي في التاريخ، فإن هناك احتمالاً قائماً بأن يعود الإيرانيون لطاولة المفاوضات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حال تم إعادة انتخابه لكن ذلك لن يكون سهلاً بكل تأكيد، ومن الممكن أن تلعب روسيا دوراً مهماً في الوساطة بين إيران وإدارة ترامب، بالنظر إلى علاقة بوتين الجيدة مع الرئيس الأمريكي، لكن النتائج النهائية ستظل غير مؤكدة.

 

مهدي خلجي هو زميل أقدم في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وتتركز اهتماماته على السياسة في إيران ودور الجماعات الشيعية في الشرق الأوسط.