تعليق الخبراء

قضية سد النهضة على مفترق طرق اجتماع واشنطن

مركز الإمارات للسياسات | 05 نوفمبر 2019

قضية سد النهضة على مفترق طرق اجتماع واشنطن

وجهت الولايات المتحدة دعوة إلى وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا للاجتماع في واشنطن في 6 نوفمبر 2019 لمناقشة مسألة سد النهضة الإثيوبي بحضور ممثل عن البنك الدولي في محاولة لكسر طريق مسدود. على الرغم من أن فشل محادثات واشنطن لا يزال ممكناً ، إلا أن البعض يعتقدون أن هذه الجولة من المفاوضات قد تؤدي إلى نوع من التقدم وتأسيس أسس جديدة للحوار بين الأطراف المعنية. إذن ما هي فرص لقاء واشنطن؟ هل يمكنها أن تضع أزمة سد النهضة على طريق الحل؟

أنور إبراهيم أحمد

أنور إبراهيم أحمد

من وجهة نظر أديس أبابا، سيظل مشروع سد النهضة مشروع تكامل اقتصادي من شأنه إفادة المنطقة ككل وليس إثيوبيا وحدها، وعلى الرغم من الخلافات التي أجَّجها المشروع مع مصر إلا أنه قد يُفيد مصر والسودان معاً أيضاً، لاسيما في مجالات توليد الطاقة الكهربائية وتنظيم جريان المياه وتقليل كمية الطمي التي تتسبب في خسارة السودان، على وجه الخصوص، ملايين الدولارات سنوياً.

ويَعتَقِد الجانب الإثيوبي أن الاجتماعات التي دعت لها الولايات المتحدة الأمريكية بين أطراف الملف، ستُسهِم في خلق نوعٍ من التقارب بينها، رغم أن حصاد التفاوض خلال السنوات الثمان الماضية لم يكن إيجابياً وجيداً بصفة عامة، والمُتصوَّر أن الدول الثلاث ستواصل نهج التفاوض والحوار فيما بينها لحل إشكاليات هذا الملف، حتى وإن أعلنت إحداها أن التفاوض قد انتهى إلى طريقٍ مسدود؛ وسيظل التفاوض الخيار الأفضل والضروري والأقل تكلفة من أجل حسم هذا الملف الشائك والوصول لحلٍّ ما من أجل شعوب المنطقة.

وعليه، يمكن للدول الثلاث وبالأخص مصر وإثيوبيا، أن تلعب أدواراً بنَّاءة كبيرة في التوصل لحلول، وأعتقد أن زيادة فترة بناء السدّ هي التي أثارت هواجس مصر مؤخراً، بعد أن كانت هنالك بارقة أمل في إمكانية توصل الدولتين إلى اتفاق واضح بشأن ملف النهضة، وما من شك في أن التطورات المتوالية في إثيوبيا قد أدت إلى زيادة الفترة المتوقعة في أولى المراحل لإقامة السد من خمسة سنوات إلى ثمان سنوات.

وما لم تُحَل قضية السّد ودياً، سواء عبر جولة واشنطن أو غيرها، فلن يُفضي المسار لأي طريقة أخرى لحَسمِها، وأعتقد أن الخطوة المقبلة هي التوصل لاتفاقيات بشأن عمليات التصعيد التي ينتهجها الإعلام بين الحين والآخر، وخير دليل على سوء الإدارة الإعلامية لهذا الملف تناقُل وسائل الإعلام حديث رئيس الوزراء الإثيوبي الأخير بوصفه تهديداً للدول الأخرى، وتأويله بصورة لم تكن المقصودة إلى درجة دفعت دولاً إلى بذل مساعٍ جديدة للتوسُّط بين الأطراف المعنية بملف السدّ.

وسيظل ملف التفاوض حول مشروع السدّ مُهِمَّاً حتى تنتهي إثيوبيا من بناء هذا الصَّرح التنموي العملاق، وتَقتَنع مصر أنه كغيرهِ من المشاريع المائية التي تهدف لتوليد الطاقة الكهربائية، مع ملاحظة أن هنالك مشاريع شُيِّدت على النِّيل لم تُثِر حساسية الأطراف وقلقها بعكس مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي اتخذ مَنحى مُثيراً للتباينات والهواجس غدا معها الأكثر إثارةً للجدل والخلاف.

أنور إبراهيم أحمد، كاتب وصحفي إثيوبي.

ماهر أبو جوخ

ماهر أبو جوخ

في تقديري أن سيناريو المواجهة الحربية المباشرة بين مصر وإثيوبيا في حال فشل المباحثات السودانية المصرية الإثيوبية بالعاصمة الأمريكية واشنطن في الأسبوع الأول من نوفمبر حول سد النهضة يُعدّ ضعيفاً نظراً لعدم وجود حدود مشتركة بين أديس أبابا والقاهرة وحياد السودان تجاه الطرفين مع استصحاب التكلفة الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية على البلد المُبادِر بالحرب. ولجوء أيٍّ من الدولتين (مصر أو إثيوبيا) لخيار إثارة القلاقل الداخلية في البلد الآخر لن يخلو من الكلفة الأمنية والاقتصادية وحتى الدبلوماسية العالية، مع استصحاب مناهضة الأطراف الدولية والإقليمية لأي صراع قد تترتب عليه إنتاج بؤر توتر إضافية في منطقة مُلتهِبة في الأساس، أو تأثير هذا التوتر على أمن وسلامة الملاحة البحرية في مياه البحر الأحمر والخليج العربي.

إن فشل مباحثات واشنطن قد يُشجِّع روسيا والصين لعرض وساطة بديلة بهدف تعزيز تأثير ووجود أي منهما بالمنطقة بتوظيف علاقاتهما وصلتهما بالأطراف الثلاثة. وتجدر الإشارة إلى أن القمة الروسية الإفريقية في أكتوبر الماضي شهدت انعقاد أول لقاء مباشر بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عقب الموجة التصعيدية الإعلامية الأخيرة بين البلدين.

قد تختار إثيوبيا الاستمرار في سياسة فرض الأمر الواقع التي سبق أن اتبعتها خلال مراحل تشييد السد في السنوات الماضية، لكن تطبيقها هذه المرة يختلف عن مرحلة التشييد لكون إجراءات التخزين يترتب على تطبيقها تأثيرات مباشرة على دولتي السودان ومصر، ومن بين نتائج انتهاج سياسة الأمر الواقع بمعزل عن الاتفاق إحداث تقارب بين الخرطوم والقاهرة وهو ما سيترتب عليه توسعة الحملة الدبلوماسية المضادة لهذه الخطوة عبر تكامل شبكة علاقات البلدين، مع ضرورة عدم إغفال تزايد التأثير السوداني إقليمياً ودولياً بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير وتشكيل الحكومة المدنية برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك على عكس ما كان سائداً خلال العقود الثلاثة الماضية.

لا يوجد خيار على المستوى الاستراتيجي لمعالجة هذا الخلاف إلا بالتوصل لاتفاق بين الدول الثلاث بشكل مباشر بينهم أو بتسهيلٍ إقليمي أو دولي ودعم عودة الأطراف للمقترح السوداني الذي سبق أن وافقت عليه الدول الثلاث قبل تَفجُّر الخلافات الأخيرة، والذي يُلزِم إثيوبيا بتمرير 35 مليار متر مكعب سنوياً من إجمالي إيرادات مياه النيل الأزرق المقدرة بـ 50 مليار متر مكعب.

من المهم تطوير المقترح السوداني ليُصبح إطاراً نهائياً لخلافات الدول الثلاث بوضعه لمعالجات وفرضيات استثنائية تجعله قادراً على التعامل مع أي ظروف مناخية مستقبلية قد يترتب عليها انخفاض في حجم مناسيب النيل الأزرق، وهو ما سيُفضي إلى جعل سد النهضة مشروعاً تنموياً مُشتركاً يتأسس على المصالح المتبادلة وحق الانتفاع للدول الثلاثة وضمان عدم إحداث أي إِضرار بأيٍّ منها.

ماهر أبو جوخ، صحفي وباحث سياسي سوداني.

هاني رسلان

هاني رسلان

دعوة واشنطن إلى اجتماع للأطراف الثلاثة لأزمة سدّ النهضة في 6 نوفمبر الجاري (2019) جاءت لتنعش الآمال في الوصول إلى تفاهم بعد الطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات، وخاصة أن قمة سوتشى في روسيا، بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، لم تُسفِر عن أي جديد، سوى العودة للمفاوضات المباشرة، ومِنْ ثمَّ تكرار نفس المواقف، مع ملاحظة أن تصريحات آبي أحمد في سوتشي كانت قد شددت على أن إثيوبيا مُلتزمة بموقفها من أنه يمكن الوصول إلى حل عبر التفاوض المباشر بين الأطراف، وهو ما يعنى ضمناً رفض أي وساطة. وقد سبقتها تصريحاته المثيرة للجدل عن الحرب وحشد الملايين، الأمر الذي أعطى إشارة واضحة إلى تشدد إثيوبيا وتمسُّكها بمواقفها.

الوساطة الأمريكية هي صاحبة الحظ الأوفر للنجاح في تحريك أزمة السد، إذ إن الولايات المتحدة تعد أحد الرعاة الرئيسين لإثيوبيا ومحاولة تقديمها كنموذج للتنمية والاستقرار وبناء السلام، وبالتالي فهي الأقدر على التأثير فيها باتجاه تليين مواقفها المُتعنِّتة وإصرارها على الانفراد بتقرير عدد سنوات الملء وسياسة التشغيل، إلا أن هذا الأمر بدوره يعتمد على المدى الذى يمكن أن يصل إليه الموقف الأمريكي في الضغط على إثيوبيا التي تتصلب بدعوى أن المقترحات المصرية تعد اعتداءً على سيادتها على السد، مُتجاهِلةً كل الأعراف والقوانين الدولية فيما يتعلق بقضايا المياه وأحواض الأنهار.

ويعتمد نجاح اجتماع واشنطن إلى حد كبير على المرونة التي يمكن أن تُبديها إثيوبيا، إلا أن الشواهد حتى الآن لا تبدو مبشرةً؛ فإثيوبيا قبلت الحضور على مضض، وقد أفاد بعض التقارير أنها تشترط أن يكون الاجتماع تشاورياً وليس رسمياً، وألا تتم مناقشة أي تفاصيل فنية، وأن هذه الأخيرة يجب أن تكون قاصرةً على الأطراف الثلاثة، والمؤكد أن الإصرار على هذا الموقف سيجعل من حضور البنك الدولي هذه الاجتماعات أمراً غير ذي جدوى، وقد يثير التساؤل أيضاً بشأن دور المُضِيف الأمريكي الذي ربما يجد نوعاً من الحرج في ذلك.

أما الموقف المصري فهو مُرحِّبٌ بطبيعة الحال بالوساطة الأمريكية، وهو الذي نَادى بها في الأساس، ويُبدي من ثمَّ حِرصاً على أن تصل إلى غاياتها من خلال إبرام اتفاق مُلزِم بين الدول الثلاث طبقاً لتصريحات وزير الخارجية المصري سامح شكري. وفى النهاية، يتبقى الموقف السوداني الذي لا يمكن اعتباره، من وجهة النظر المصرية، موقفاً مستقلاً تماماً، إذ إنه مُتحالِف وتابع للموقف الإثيوبي ويسير في نفس فلك السياسات التي كانت قائمةً في عهد نظام الرئيس السابق عمر البشير.

هاني رسلان، باحث مصري، رئيس وحدة دراسات حوض النيل في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.