تعليق الخبراء

الاتجاهات الاقتصادية الناشئة في عالم ما بعد كورونا

مركز الإمارات للسياسات | 17 فبراير 2021

الاتجاهات الاقتصادية الناشئة في عالم ما بعد كورونا

كشف وباء "كورونا" المستجد، العديد من العيوب في النظام الاقتصادي العالمي، وتوقع الخبراء أنه في ظل عُمْق تأثيرات الجائحة ستحدُث إعادة نظر في العولمة ونظام التجارة العالمي، حيث ستعزز اتجاهات التصنيع المحلي وسيجري تعديل في سلاسل التوريد، ومع ذلك فإن مثل هذه الاتجاهات الجديدة ستستغرق وقتاً، كما أن الأزمة أثبتت أن الدول لا تستطيع مواجهة الأزمات العالمية منفردة، وأنها قد تتجه إلى التكامل الإقليمي في الحد الأدنى. وكان ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السابع، الذي عقد جلساته في الفترة 9-11 نوفمبر الفائت بمشاركة عدد من الخبراء والباحثين المتميزين على المستوى العالمي، قد حاول تسليط الضوء على أبرز الاتجاهات الاقتصادية الناشئة في عالم ما بعد الجائحة، وفيما يلي أهم الخلاصات التي طرحها الخبراء المشاركين في هذا الشأن.

ناصر السعيدي

ناصر السعيدي

لا يزال هناك غياب لليقين في الاقتصاد العالمي، فالإنتاج العالمي انخفض بنسبة 4.5%، ودخل العمالة انخفض بنسبة 11%، والاستثمارات الأجنبية المباشرة تراجعت بنسبة 15%، على الأقل خلال النصف الأول من 2020. وإذْ يبدو التعافي الصيني واضحاً بأخذه شكل حرف (V) ويعني التعافي السريع، فإننا ما نشهد مزيداً من حالة عدم المساواة في الخدمات الرقمية؛ حيث إن 60% من إجمالي السكان في العالم لا يستطيعون الوصول إلى الإنترنت بسهولة. وإلى جانب الانقسام الرقمي هذا، هناك انقسام صحي، فليس الجميع لديه نظام صحي يحمي مواطنيه.

ويعكس التعافي الصيني السريع التحول الحاصل في موازين القوة داخل النظام الاقتصادي العالمي؛ فعلى مدى نصف قرن مضت كانت أمريكا وأوروبا تقودان النمو على مستوى الاقتصاد العالمي، والجديد الآن أن الصين ودولاً آسيوية دخلت على هذا الخط بقوة، والحقيقة أن هذا التحوُّل مفيد لاستقرار الاقتصاد العالمي.

ومن الدروس التي علمتنا إياها الجائحة أن تنويع الاقتصاد يتطلب الاستثمار في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الخضراء، والتراجع التدريجي عن ضخ مليارات الدولارات في الشبكات الوطنية للكهرباء، وهذا مهم للدول الناشئة في آسيا وغيرها. وأنه من المهم الانتقال من النمو الذي يدفعه ويدعمه الاستهلاك إلى النمو الذي يدفعه الاستثمار. وهذا يؤكد أهمية التحول باتجاه الطاقة المتجددة وضخ مزيد من الاستثمارات الرقمية، وإدراك مخاطر البصمة الكربونية التي يتركها الوقود الأحفوري، ومن أدوات ذلك رفع الدعم عن استخدام الوقود الأحفوري، ودراسة تداعيات ذلك اجتماعياً واقتصادياً.

غير أنه ينبغي توخي الحذر فيمن يتحكم بالشبكات والعالم الرقمي؛ لأن هذا سيعني مزيداً من السلطوية لبعض الحكومات والأنظمة وبالتالي مزيداً من التحكم في الشعوب وتراجع الحريات. كما من المهم إدراك أن شركات التكنولوجيا العالمية أيضاً، مثل أمازون وأبل ومايكروسوفت، أصبحت قوى عظمى بحد ذاتها، وما لديها من سلطة ومال أصبح مذهلاً، وهذا قد يعيد إلى الأذهان فكرة "الأخ الأكبر"، إما بنزعة سلطوية أو من خلال التحكم في السكان والناس عبر التكنولوجيا الرقمية التي تقودها الشركات العالمية الكبرى.

وأمام التغيُّر الجاري في نظام التجارة العالمي وتزايد الاتجاه نحو التصنيع المحلي، من المهم أن تعي دول مجلس التعاون الخليجي مكانتها في سلاسل التوريد التي بدأت تظهر دولياً؟ وهل الأجدى لها ولمصالحها بعيدة المدى اتباع منهجية متعددة الأطراف، التي سيكون لها دورها في معالجة التغير المناخي والاستثمار الرقمي القادر على احتواء الانقسام الرقمي الراهن.

 

ناصر السعيدي، رئيس شركة ناصر السعيدي وشركاه.

جياكومو لوتشياني

جياكومو لوتشياني

برغم وطأة أزمة جائحة "كورونا" المستجد على النظام الاقتصادي العالمي، والضغوط الشديدة التي تعرَّضت لها هياكل الاقتصادات الوطنية في العالم كله، إلا أنه في ظل بدء توفر اللقاحات وتوزيعها، فمن المحتمل أن نشهد بحلول الصيف المقبل تحسُّناً في الاقتصادات العالمية والمحلية، هذا لا يلغي بالطبع استمرار حالة عدم المساواة في الدخل والفرص. وفي كل الأحوال، فإن الأمور لن تعود إلى سابق عهدها تماماً، كما كانت قبل تفشي وباء كورونا؛ وذلك للأسباب الآتية:

1. هناك تأثير نفسي للجائحة وآثارها الاقتصادية على الناس؛ فالأسر والمستهلكون أكثر قلقاً من المستقبل، ولا يريدون العودة السريعة إلى نمط الاستهلاك القوي والآمن بسرعة.

2. تم اكتشاف سبل جديدة؛ مثل العمل عن بُعْد، والتعليم عن بُعْد، والتسوُّق عن بُعْد، ولن نعود إلى الموقف السابق قبل تفشي وباء "كورونا" تماماً.

3. سيكون هناك إعادة نظر في العولمة نفسها، والتجارة الدولية وتحديات سلاسل التوريد. من جانب آخر، فإن المراهنة على السياحة كمصدر أساسي للنمو سيتراجع بشكل كبير على المدى المنظور، على الأقل، فالسفر والرحلات لم تعد كما كانت، ولذلك لا بد من إعادة النظر في مثل هذه السياسات بانتهاج مزيد من التنويع الاقتصادي، والانتباه مجدداً إلى أهمية التكامل الإقليم والتعاون الجماعي والاعتماد بشكل أقل على التجارة الدولية ما دام أن الفرص الحالية أقل.

وعلى مدار نصف القرن الماضي، كان النمو تتصدره عملية الاستهلاك المتزايد، وكان هناك تشجيع للأسر على استهلاك المزيد، ونتيجة لذلك وجدنا نمواً عالمياً هائلاً، قادته أمريكا وأوروبا. هذا النموذج بدأ ينحسر؛ فالعالم بدأ يستشعر أهمية الحد من التلوث والإضرار بالطبيعة والبيئة، وبدأ العالم يدرك بشكل كبير أهمية تخفيض البصمة الكربونية في أنشطتنا جميعها.

 

جياكومو لوتشياني، أستاذ ملحق في البرامج متعددة التخصصات في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية في جنيف.