تعليق الخبراء

الطريق إلى نُظُم صحية جديدة في عالَم ما بعد الجائحة

مركز الإمارات للسياسات | 14 فبراير 2021

الطريق إلى نُظُم صحية جديدة في عالَم ما بعد الجائحة

لا يزال وباء "كورونا" المستجد، بموجاته ىالمتلاحقة، يمثل تحدياً عالمياً كبيراً، وقد كشفت أزمة الوباء العديد من الثغرات في النظم الصحية لدول العالم المختلفة، بما فيها كبرى الدول الصناعية المتقدمة. وفي ظل السباق الحالي لإنتاج لقاحات تلبي الحاجة العالمية لوقف انتشار الفيروس، والحد من تهديده، تظل العديد من الأسئلة المرتبطة بالأنظمة والبنى الصحية في ظل الوباء مطروحة؛ من قبيل: كيف أثّرت أزمة كورونا في الحاجة إلى مراجعة النُّظُم الصحية السائدة دولياً؟ وهل يمكن الفصل بين الجوائح وبين عملية التسييس الدولية التي حدثت مع أزمة الوباء؟ وما النظم الصحية التي أثبتت نجاحاً في ظل أزمة الجائحة، ولماذا أخفقت الدول في توقّعها؟ وهل كانت منظمة الصحة العالمية كفؤة في التنسيق لإدارة جهود مواجهة الجائحة؟ وكان ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السابع، الذي عقد جلساته في الفترة 9-11 نوفمبر الفائت بمشاركة عدد من الخبراء والباحثين المتميزين على المستوى العالمي، قد حاول الإجابة على تلك التساؤلات وغيرها، وفيما يلي أهم الخلاصات التي طرحها الخبراء المشاركين في هذا الشأن.

مهشاد عبير

مهشاد عبير

في ظل وباء "كوفيد-19"، شهد نظام الرعاية الصحية على المستوى العالمي الكثير من الفجوات لم تكن واضحة من قبل، وأدركنا محدودية قدرة نظامنا الصحي. وهذا الوباء أرغمنا بطريقة ما على استخدام تكنولوجيات لم تكن مستخدمة من قبل. وبالرغم من أن احتمالات ان يضرب وباءٌ ما العالم كانت قائمة في إطار التنبؤ إلا أن الاستعدادات لم تكن في المستوى المطلوب. ومن بين التأثيرات المهمة لوباء "كوفيد-19" أنه تحتم على الكثير من المستشفيات إلغاء خدمات كان عليها تقديمها لمعالجة الكثير من الأمراض الأخرى، وهذا أثر على المحتاجين للرعاية الصحية وأثَّر على اقتصاد الصحة نفسه.

وأثبت "كوفيد-19" أننا لم نقُم بعمل جيد في مسألة ترجمة العلم إلى سياسات، ولو قمنا بعمل أفضل في مسألة توصيل المعلومات إلى الناس على سبيل المثال، لواجهنا تداعيات وآثار تفشي المعلومات المغلوطة. وعلينا أن نستفيد من هذه المرحلة لإقناع صُنَّاع السياسة بأهمية ترجمة العلم إلى سياسات وخطط مستقبلية. فلا بد أن تكون هناك آليات وسياسات جديدة ومواكبة في مسألة بناء القدرات الصحية، وعلى المستشفيات أن تكون لديها إجراءات وموارد تضمن الحد الأدنى من تقديم الرعاية الصحية، ولا بد من وجود شبكات تنسيق لكي يمكن للمستشفيات أن تخفف على نظيراتها في مناطق انتشار الوباء. ومن المهم أن يكون نظام الرعاية الصحية مبنياً على منهجية قائمة على البيانات لفهم احتياجات السكان والتكيف معها.

ومما تجدر ملاحظته هنا، أن الدول التي تمكنت من إدارة الأزمة بقدر ملحوظ من النجاح هي التي قامت بالكثير من الفحوصات وتتبُّع الحالات وتطبيق أنظمة العزل، ونحو ذلك. والعنصر الأساسي هو أن نفهم الحاجة الملحة لاستمرار عمل أنظمة الرعاية الصحية في ظل الضغط عليها. ولا شك لديّ أن مواجهة الوباء تتطلب المزيد من الجهود الجماعية للتركيز على أنظمة الرعاية الصحية، والتأكيد على الاستثمار فيها باعتبارها مسألة أمن قومي للدول.

ومع أن منظمة الصحة العالمية لم تُظهِر كفاءة في قيادة جهود مواجهة الوباء، إلا أن العالم لا بد أن يكون في وضْعٍ يستطيع فيه مشاركة المعلومات والجهود، ومنظمة الصحة العالمية لها دور كبير للغاية، ونَشْر السياسات والإجراءات الفعالة جزءٌ من دورها الذي عليها أن تلعبه، ولا أعتقد أنه قد فات الأوان بالنسبة لهم ليقوموا بمنهجية أكثر قدرة على مواجهة الوباء، وجمع البيات والمعلومات ومشاركتها على نطاق واسع لأخذ الدروس المستفادة.

 

مهشاد عبير، باحث أقدم في مجال السياسات الصحية في مؤسسة راند.

شوبا سوري

شوبا سوري

بالرغم من أنه كانت هناك أزمات صحية في الماضي إلا أن تأثيرها لم يكن بمستوى جائحة وباء "كوفيد-19"، ولم تكن أنظمة الرعاية الصحية مُصمَّمة للتعامل مع التحدي الذي فرضه هذا الوباء. وبينما تم التركيز على سيناريوهات قصيرة الأمد تتعلق بتجهيز مرافق طبية والحجر الصحي وعزل المصابين ونحو ذلك، فإن الموارد المرصودة للمشاكل الصحية الأخرى تأثرت بسبب التركيز على "كوفيد-19". وقد ظهر واضحاً أن تأثيرات الوباء ترتبط بنمط الحياة، والأمراض المزمنة عند كبار السن والفئات الأكثر ضعفاً تزيد من مفاقمة نتائج هذا الوباء.

وكان من أهم تأثيرات الوباء التي ينبغي التعامل معها الإجهاد الشديد الذي طال البنية التحتية لأنظمة الرعاية الصحية، مع ملاحظة أنه سيكون هناك تأثير أطول، وهو ما يتطلب مراجعة الموقف الراهن واتخاذ سياسات تجعلنا مستعدين. لقد كشفت الجائحة نقاط الضعف في أنظمة الرعاية الصحية لدينا، وهناك حاجة مُلِحّة لسد الثغرات هذه، وقد جعل تسييس الوباء الأمر أسوأ، فقد كان هناك استغلال سياسي ملحوظ لهذه الجائحة، وهذا أثَّر وما يزال يؤثر في الناس؛ وتسييس الأمور في ظل تفشي الأوبئة يُفاقمها، ولا يساعد على حلها.

ومن الدروس المهمة التي تعلمناها من هذه الجائحة أنه لا بد من تعزيز مرونة أنظمة الرعاية الصحية، وهناك حاجة شديدة إلى أنظمة بيانات قوية عن المجتمع، تكون قادرة على تمكين المؤسسات من تقدير الموقف بدقة والتعامل معه، ولا بد من وجود تنمية شاملة ومنهجية علمية في التعامل مع الأزمات الصحية، ولا غنى عن وجود سياسات شاملة لملء الفجوات في أنظمة الرعاية الصحية التي كشفها وباء "كوفيد-19". ولا بد أيضاً من وجود استثمار في برامج وخطط إدارة الكوارث والأزمات، ووضع السياسة في منظور مناسب لتكون عند التطبيق عامل مساعد لتخطي الأزمات.

وفي هذا الإطار، من المهم أن نبحث عن الأسباب التي تقف وراء وجود دول أداء أنظمة الرعاية الصحية فيها كان أفضل من غيرها. بمعنى أن هناك دروس مستفادة يجب تعلُّمها من هذا الأمر، ويجب أن ينعكس هذا في بحث مسألة أين أخفقنا، وما الذي ينبغي عمله. فمثلاً، هناك دول تميزت بارتفاع عدد الفحوصات، وهذا يعني أن هناك ما يجب تعلمه من بعض التجارب.

وفي تقديري أنه ينبغي على منظمة الصحة العالمية أن تضطلع بدور فاعل في نشر الإجراءات التي ثبت فعاليتها في مواجهة الوباء، والتأكيد على أفضل الممارسات للقيام بتعميمها وتطبيقها. ولا بد من وجود بنية تحتية ناجحة توضح مدى فاعلية هذه الإجراءات، ويجب أن تضطلع المنظمة بخطة لتجريب أي الإجراءات أفضل وكيف ينبغي تعميمها. فمع أن وجود لقاح فعَّال ونشره بين السكان على مستوى العالم هو المخرج في مواجهة هذه الأزمة، لكن عندما نتكلم عن فعالية اللقاح فلا بد أن يُترجم ذلك عبر بيانات يفهمها الشخص العادي حتى يُمْكن للناس الإقبال عليه وأخذه.

 

شوبا سوري، زميل أقدم في مؤسسة أوبزيرفر للبحوث في نيودلهي.