تعليق الخبراء

جو بايدن والشرق الأوسط: حدود الاستمرارية والتغيير في سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة

مركز الإمارات للسياسات | 30 ديسمبر 2020

جو بايدن والشرق الأوسط: حدود الاستمرارية والتغيير في سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة

بإعلان فوز الديمقراطي جو بايدن، ثارَ جدلٌ واسعٌ في منطقة الشرق الأوسط حول طبيعة السياسات والتوجهات التي ستعتمدها الإدارة الأمريكية الجديدة إزاء قضايا المنطقة وأزماتها الساخنة، واتجاهات علاقتها المستقبلية مع دولٍ مثل إيران وتركيا. وكان ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السابع، الذي عقد جلساته في الفترة 9-11 نوفمبر الفائت بمشاركة عدد من الخبراء الاستراتيجيين والباحثين المتميزين على المستوى العالمي، قد ناقش في إحدى جلساته الانعكاسات المحتملة لفوز جو بايدن على الشرق الأوسط، وفيما يلي أهم الخلاصات التي طرحها الخبراء المشاركين في هذا الشأن.

بول سالم

بول سالم

في اعتقادي أن عملية الانتقال السياسي من إدارة دونالد ترامب إلى إدارة جو بايدن ستأخذ بعض الوقت (ربما ستة أشهر)، ولذا ينبغي التريث حتى نرى المخرجات والنتائج النهائية للانتخابات وانعكاساتها المؤسسية، لاسيما فيما يخص تركيبة مجلس الشيوخ المقبل، ومن سيُهيمن عليه من الحزبين الرئيسين، لأن ذلك مهم في إدراك ما قد يُمثِّله من قيود أو فُرص بالنسبة للسياسة الخارجية لإدارة الرئيس بايدن.

ومهما يكن الأمر، من المُرجَّح ألا يكون الشرق الأوسط في صدارة أولويات الإدارة الجديدة؛ فهي ستُعطي تدبير الشأن الداخلي الأولوية القصوى، إذ تمر البلاد بأسوأ وباء منذ قرن من الزمان، وتشهد أيضاً كساداً اقتصادياً هو الأسوأ منذ عقود.

لكن، وبشكل عام، يمكن القول إن للولايات المتحدة اهتمام مستمر ودائم بالشرق الأوسط، لعدة أسباب أولها اقتصادي يتمثل بشكل أساسي في قطاع الطاقة، وهناك أيضاً تركيز على قضية أسلحة الدمار الشامل وتحدي انتشارها، ومشكلة الإرهاب والتي تمثل التهديد الأول للأمن القومي الأمريكي، وتشكل تهديداً عالمياً كذلك. ولدى أمريكا عدد من العلاقات الرائعة في المنطقة، تمتد من المغرب وحتى عُمان، وهي لن تتخلى عن هذه العلاقات المثمرة. ورغم أن الولايات قد تركِّز بصورة أكبر على تحدي الصعود الصيني، وقضايا من قبيل الأمن السيبراني وأمن الفضاء ومكافحة التغير المناخي، وغيرها، إلا أن الشرق الأوسط سيبقى حاضراً في أجندة اهتمام الإدارة الأمريكية الجديدة. ومع هذا، هناك إدراك متمايز في صفوف السياسيين الأمريكيين ضمن الحزبين الرئيسينِ أنه لم يعد ثمة حماسة للقيام بمغامرات كبرى في هذه المنطقة من العالم، إذ لا توجد إمكانية سهلة للفوز هناك. والفارق الكبير المُحتَمل في توجهات إدارة بايدن بالنسبة للشرق الأوسط سيكون حول إيران، إذ لن تكون توجهاتها تجاه هذا الملف مُطابِقة لسياسة إدارة ترامب.

وبالنسبة للعلاقة الأمريكية مع دول الخليج، أعتقد أنه لن يكون هناك نفس الدفء الذي حكم هذه العلاقة مع الرئيس ترامب وإدارته، لكن فريق بايدن عليه أن يُشكِّل ديناميات هذه العلاقة. وبطبيعة الحال، فإن الشراكات مع أبرز الدول الخليجية، والمرتبطة بالطاقة والاقتصاد والأمن في المنطقة، ستظل موجودة في ظل إدارة بايدن، ولن تتأثر بشكل كبير.

أما بالنسبة لإسرائيل، ستظل العلاقات الاستراتيجية قائمة، رغم أن رغبة نتنياهو الشديدة في فوز ترامب على خصمه الديمقراطي قد تُلقي بظلالها على علاقة حكومته وعلاقته الشخصية مع الرئيس بايدن، وأركان إدارته في واشنطن. والمؤكد أن بايدن سيُرحِّب باتفاقيات التطبيع التي رعتها إدارة ترامب، والتي شكلت إنجازاً لهذا الأخير، لكن مسألة عكس السياسات الخاصة بترامب فيما يتعلق بالتعاون مع الفلسطينيين واستئناف العلاقة مع السلطة الفلسطينية، وتشجيع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني على استئناف المفاوضات، وإعادة فتح مكتب التمثيل الفلسطيني في واشنطن، سيكون مُرجَّحاً وسيُعطي نتائج مختلفة.

وستظل قضية الحرب على الإرهاب مُهمَّة لإدارة بايدين، كما كان الأمر في ظل إدارة ترامب وسلفه أوباما، وستعطيها الإدارة الجديدة تركيزاً مستمراً، وسترغب في أن يكون الوجود العسكري الأمريكي في العراق وسوريا وأفغانستان مُنصبَّاً على هذه القضية دون سواها.

 

بول سالم، رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن.

ستيفن كوك

ستيفن كوك

يبدو أننا سنرى الكثير من الاستمرارية في التوجهات الأمريكية نحو منطقة الشرق الأوسط، فيما يتعلق بالعلاقات والأسلوب المتَّبع مع المنطقة، رغم التأرجح الذي حكم سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة خلال السنوات الماضية تجاه المنطقة وقضاياها، لاسيما إدارة الرئيس ترامب. ففي ما يخص المسألة الإيرانية وملف الاتفاق النووي، ستكون هناك تغييرات مهمة في توجهات الإدارة الجديدة، إذ سننتقل من سياسة الضغوط القصوى إلى إعادة التفاعل مع إيران ومحاولة إعادة الاعتبار للاتفاق النووي أو التفاوض على اتفاق جديد.

وبالنسبة لإسرائيل، أعتقد أن الرئيس بايدن سيُرحِّب بالاتفاق الإبراهيمي للسلام، وسيجد رئيس الوزراء نتنياهو وسيلة للعمل معه. ووفقاً لذلك، لن نرى علاقة فيها تعارُض بين إدارة بايدن وحكومة نتنياهو مثلما كان الوضع عليه في ظل إدارة أوباما.

والدولة الأخرى التي سيكون هناك تغيُّر معها، هي تركيا. فالرئيس بايدن يرغب في إعادة التركيز على ضرورة أن يسود حكم القانون في تركيا، وأنه لابد أن يكون هناك فواصل بين السلطات داخل هذا البلد. وكانت وزارة العدل الأمريكية منذ نهاية عهد أوباما تُحقِّق بشأن أنشطة بنك خلق التركي وتحايله على العقوبات المفروضة على إيران، علاوة على الأنشطة غير القانونية الأخرى المتصلة بنشاط البنك والتي كان وكلاء أترك يقومون بها، بمن فيهم أعضاء في الحكومة التركية ذاتها. وقد فرملت إدارة ترامب مسار هذا التحقيق إلى درجة التجميد، لكن من الواضح أن إدارة بايدن ستمضي قُدُماً في هذا المسار، وقد أخبر بايدن، عندما كان نائب رئيس، الرئيس أردوغان بأنه لن يستطيع التدخل في هذه القضية، وأن التحقيقات بشأنها ستتواصل. والأمر الثاني يتصل بمسألة منظومة إس-400 الصاروخية الدفاعية التي اشترتها تركيا من روسيا؛ فطالما تواصل تركيا نشر هذه المنظومة سيكون هناك إمكانية كبيرة لأن تفرض إدارة الرئيس بايدن عقوبات على الحكومة التركية، رغم أن هذا التوجه قد يُثير جدلاً كبيراً في واشنطن.

ومن شبه المؤكد أن الأتراك متوترون وقلقون إزاء ما سيحدث في ظل إدارة بايدن، لاسيما فيما يخص موضوع استمرار التحقيق في قضية بنك خلق، ومسار علاقات تركيا الجيوسياسية مع كلٍّ من إيران وأمريكا. وإذا كان من مصلحة الولايات المتحدة أن تكون على علاقة جيدة مع تركيا، فإن على الإدارة الجديدة أن تتأقلم وتتكيف مع هذا الأمر. ولكن الواقع يُخبرنا بأن هناك الكثير من القضايا التي لا تتفق فيها واشنطن مع أنقرة، من قبيل سياسات تركيا وتحركاتها في البحر المتوسط، وفي سوريا، وطريقة تفاعلها مع إيران وروسيا، وطريقة مواجهتها شركاء الولايات المتحدة في المنطقة، وحقيقة أن تركيا من أكبر الدول الرجعية في المنطقة، وسِجلّها في مجال حقوق الإنسان ازداد سوءاً في ظل اعتقال الآلاف من المعارضين.

أما إيران، فإن التغيُّر الحاصل في الإدارة يمثل أمراً جيداً بالنسبة لها، إذ سيُقدِّم لها بعض الإعفاءات من العقوبات، وستجلب إدارة بايدن الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات، والدفع من ثمَّ بسياسات جديدة في المنطقة. غير أن الصفقة الجديدة التي ستعقدها إدارة بايدن مع طهران قد تُفضي إلى نتائج مُزعزِعة للمنطقة، كما هو حال سياسة إدارة ترامب.

 

ستيفن كوك، زميل بحث أقدم في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن.

وليام ويتشسلر

وليام ويتشسلر

سوف تتعامل إدارة بايدن مع شرق أوسط مُتغير، يختلف عن ذلك الذي تعاملت معه إدارتا أوباما وترامب، ومن الناحية الاستراتيجية يظل أقوى العوامل المؤثرة على مسار الأحداث في هذه المنطقة هو مفهوم الانسحاب الأمريكي منها، ببعده الأشمل والأكبر. وهذا المفهوم لم تؤكده إدارة ترامب بشكل رسمي لكنه كان مفهوماً كلما تحدَّث عن المنطقة، ويُمثِّل فوز بايدن أمراً جيداً للشرق الأوسط، باعتبار أن استمرار ترامب لولاية ثانية كان سيُصعِّد الموقف في المنطقة. فبايدن شخص مؤسسي، على الطراز القديم، وينتمي إلى جيل أكبر سناً يرغب في أن تبقى مصالح أمريكا في الشرق الأوسط باقية كما هي.

ومن المتغيرات التي تستحق أن نُركِّز عليها في مسار علاقات الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط، مسألة "التغيُّر في السوق"، والتي تسارعت تطوراتها في السنوات الخمسة عشر الأخيرة، إذ أصبحت بعض دول المنطقة تعزز تعاملاتها مع الولايات المتحدة، وأدركت هذه الدول أنها بحكم اعتمادها على علاقات جيدة مع أمريكا فإنه من الأفضل لها أن تكون هذه العلاقة مبنيَّة على أساس متين من المصالح والأهداف والقيم والمخاطر المشتركة. وأعتقد أن إدارة بايدن ستُراعي هذا الأمر في توجهاتها المقبلة تجاه الشرق الأوسط.

وفي رأيي، أنه لا تزال ثمة فرص للدبلوماسية مع إيران في ظل إدارة بايدن، وهناك نوافذ مفتوحة يمكن استغلالها، لكن من غير المتوقع أن تتم العودة للاتفاق النووي السابق، لأن الظروف الجيوسياسية قد تغيرت منذ ذلك الحين. وفي هذا الإطار، تجد إدارة بايدن نفسها أمام فرصتين، أولهما إمكانية العمل على خفْض التصعيد والصراعات في المنطقة، والثانية توثيق التحالف مع الأصدقاء الخليجيين. لكن إذا حاولت إيران أن تمارس أعمالاً انتقامية تستهدف شخصيات محسوبة على إدارة ترامب خلال فترة إدارة جو بايدن، فإن الأخيرة ستردّ بقوة على إيران.

وبالنسبة لملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أعتقد أن حلَّ الدولتين هو الحل الوحيد لهذا الصراع، وربما تُمثِّل اتفاقية السلام الإبراهيمية تقييماً جديداً لإمكانيات السلام في المنطقة؛ فهي تُلغي فكرة الضم والذي لو حصل فإن تأثيراته ستكون كارثية. كما أن هذه الاتفاقية ستكون مفيدة بمرور الوقت، وستكون مهمة ومُلهِمة للأجيال المقبلة، وعلى قادة الخليج أن يكونوا أكثر انخراطاً وتفاعلاً مع قضية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية، بعكس ما كان حاصلاً في الماضي. ومع أن نتنياهو لن يكون بمقدوره الاعتراف بأن مسألة ضم الأراضي الفلسطينية قد خرجت من طاولة المفاوضات، لاسيما في حال استمرت فاعلية الاتفاق الإبراهيمي للسلام، إلا أن هذا عملياً هو ما تحقَّق بفعل الاتفاقات الأخيرة.

 

وليام ويتشسلر، مدير مركز رفيق الحريري وبرامج الشرق الأوسط في مجلس الأطلسي بواشنطن.