تعليق الخبراء

السياسات الأمريكية في ظل إدارة بايدن: أيُّ نظام عالمي ينتظرنا؟

مركز الإمارات للسياسات | 20 ديسمبر 2020

السياسات الأمريكية في ظل إدارة بايدن: أيُّ نظام عالمي ينتظرنا؟

مثَّلت الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة إحدى المحطات الفارقة في العام 2020، وقد أضفى التنافس الشديد بين المرشحين مزيداً من الإثارة على هذا الحدث، وجعل العالم يترقب مآلاته عن كثب. وبإعلان فوز الديمقراطي جو بايدن، أخذت الأنظار تترقب تشكيلة فريقه السياسي، وترنو بحذر إلى طبيعة السياسات التي ستعتمدها الإدارة الأمريكية الجديدة داخلياً وخارجياً. وكان ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السابع، الذي عقد جلساته في الفترة 9-11 نوفمبر الفائت بمشاركة عدد من الخبراء الاستراتيجيين والباحثين المتميزين على المستوى العالمي، قد ناقش في إحدى جلساته، وباستفاضة، الانعكاسات المحتملة لنتائج الانتخابات الأمريكية على النظام الدولي وقواه الصاعدة (لاسيما الصين)، وفيما يلي أهم الخلاصات التي طرحها الخبراء المشاركين في هذا الشأن.

كيشور محبوباني

كيشور محبوباني

يمكن القول بداية إن معظم دول العالم سعيدة بانتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة؛ فالسنوات الأربع لعهد الرئيس ترمب كانت مُنهِكَة لجزءٍ كبيرٍ من دول العالم نتيجة لمحاولتها مواكبة سياسات ترمب التي اتَّسمت بالتقلُّب. وقد جاء انتخاب جو بايدن في وقت تعاني الولايات المتحدة خلاله من أزمة داخلية، ومن إشكالات في النظام السياسي، ولذا ستواجه إدارة بايدن مجموعة من التحديات الداخلية التي ستوليها الأولوية، وفي مقدمتها معالجة التداعيات الصحية والاقتصادية لجائحة كورونا.

وفيما يخص سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه الصين، المنافسة الأبرز للولايات المتحدة على الصعيد العالمي، فإن إدارة العلاقة مع الصين سيكون التحدي الأكبر لإدارة بايدن على صعيد السياسة الخارجية. وهناك عوامل ثلاثة بنيوية تدفع الإدارة الديمقراطية للاستمرار في سياسة التنافس مع الصين، هي: أن القوة الأولى في النظام الدولي تصادم القوة الناشئة تاريخياً، ووجود إجماع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري على أن الصين لن تصبح دولة ديمقراطية على غرار الولايات المتحدة، والعامل الثالث معنوي يتصل بدور الصين في جائحة كورونا. وفي الوقت نفسه هناك أسباب تدفع الإدارة الأمريكية إلى التعاون مع الصين، أهمها اشتراكهما في مواجهة جائحة كورونا، وفي التعامل مع التحديات العالمية الأخرى مثل تغير المناخ.  

ومن المرجح أن تستمر إدارة بايدن في سياسة التنافس مع الصين، وإن كان بحدة أقل من إدارة ترمب، لكن من المهم أن يجد البلدان مسارات للتفاهم والتوافق بحيث لا تخرج المنافسة عن نطاق السيطرة. وفي هذا الإطار، أعتقد أنّ بايدن إذا عاد إلى اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادي التي تضم 15 دولة، فإنّ هذا سيُغير قواعد اللعبة في منطقة جنوب شرقي آسيا، إذ إنه سيُعيد التأثير الأمريكي في المنطقة مقابل النفوذ الصيني، ومن المهم أن تركز الولايات المتحدة على الحضور الاقتصادي وليس العسكري في المنطقة، فهذا أكثر جدوى وفاعلية.

ومع أن الصين تتطلع إلى لعب دور عالمي، لكنها في تصوِّري لا ترغب في أن تحل محل الولايات المتحدة، كما أنها لا تسعى إلى تغيير النظام الدولي في الفترة الحالية، وعلى الأقل حتى العقدين المقبلين. والمفارقة أن الصين تعتقد أنَّه كلما انخرطت الولايات المتحدة أكثر في شؤون العالم، وفي منطقة الشرق الأوسط تحديداً، فإن هذا سيُمثّل هدية للصين.

 

كيشور محبوباني، زميل بحث متميز في معهد آسيا للبحوث التابع لجامعة سنغافورة الوطنية.

كليف كويتشان

كليف كويتشان

في البداية لا يمكن إغفال أن الولايات المتحدة مُنقسمة على نفسها، وتُعاني أزمة داخلية، والتعامل مع هذه الأزمة ينطوي على تحدٍّ لإدارة بايدن، والسؤال المطروح هو: هل يستطيع بايدن التغلُّب على حالة الانقسام الداخلي، فضلاً عن مواجهة أزمة كورونا وتجديد القوة الأمريكية؟

من وجهة نظري، لا أعتقد أن وصول بايدن إلى سدة البيت الأبيض سيُغير قواعد اللعبة الدولية، وباعتقادي أن بايدن سيكون رئيساً ضعيفاً، وستكون يداه مكبلتين في حال فاز الجمهوريون بالأغلبية في مجلس الشيوخ، فضلاً عن أنه سيكون رئيساً لولاية واحدة بسبب كبر سنه. والمسألة المثيرة للقلق التي برزت في عهد ترمب، والتي قد تستمر مستقبلاً، هي مصداقية الولايات المتحدة؛ فترمب انقلب على الالتزامات والاتفاقات الدولية التي عقدها سلفه أوباما، والسؤال هو: ماذا سيحدث للاتفاقات التي سيعقدها بايدن من بعده؛ فأكثر من 71 مليون أمريكي صوتوا لترمب ما يعني أن الحالة الترمبية مازالت قائمة في الولايات المتحدة.   

ومع أن الرئيس بايدن سيتبع نهجاً خارجياً مختلفاً عن نهج ترمب، وسيكون أكثر انخراطاً في الشأن العالمي وأكثر تعاوناً مع الحلفاء، وسيعمل على بناء الجسور مع القوى الأخرى في العالم، لكن يجب أن نعرف أيضاً أن بايدن ليس مثالياً فهو مِنْ أتباع السياسة الواقعية. وصحيحٌ أن الولايات المتحدة هي القوة الأولى عالمياً في مجال القدرات العسكرية والاقتصادية والقوة الناعمة، لكن العالم الآن متعدد القطبية، وتوجد منافسة شرسة بين الولايات المتحدة والصين، سيما في المجال الاقتصادي، ولا شك في أن الصين تنفَّست الصُّعداء بانتخاب بايدن، وبإمكانها التوصل إلى تفاهمات مع البيت الأبيض رغم حالة التنافس بين القوتين الكبريين.

وفيما يخص سياسة إدارة بايدن تجاه روسيا، فإن العلاقات الأمريكية-الروسية في الفترة الماضية لم تكن جيدة على الإطلاق، وخاصة في ظل الخلافات حول ملف أوكرانيا والتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية لعام 2016 ومحاولات النظام الروسي قتل مُعارضيه. ومن الواضح أن إدارة بايدن ستستمر في مواجهة روسيا، وسيشوب العلاقة بينهما التوتر، وقد تتجه إدارة بايدن إلى فرض المزيد من العقوبات على قادة روسيا، وبخاصة أن طاقم إدارة بايدن له موقف صلب تجاه موسكو، لكن ذلك لا يعني الوصول إلى حالة القطيعة بين البلدين بالضرورة.

 

كليف كويتشان، رئيس مجلس إدارة مجموعة "أوراسيا".

ريتشارد فونتين

ريتشارد فونتين

أثبتت الانتخابات الأخيرة أن هناك قسماً كبيراً من الشعب الأمريكي (الذين صوتوا لترمب وهُم نحو 47%) غير راضٍ عن سياسات الولايات المتحدة وأدائها الاقتصادي، وسيكون بايدن أمام تحدي صياغة سياسات تجذب نصف الشعب نحوه، ومع أنه صرّح بأنه سيجمع كل الأمريكيين إلا أنه سيكون من الصعب عليه إعادة التناغم في سياسات خلافية مثل التجارة والهجرة والضرائب وغيرها. وهنا، أتفق مع الرأي الذي يقول بأن أولى أولويات إدارة بايدن ستكون التعامل مع جائحة كورونا، وستعمل إدارة بايدن على تبنّي مقاربة مختلفة للأزمة.

وتجدُر الإشارة هنا إلى أن رغم كون معظم الفريق العامل مع بايدن قد عمل في إدارة أوباما، لكن لا يُتوقع أن تكون توجهات إدارة بايدن مُطابِقَة لتوجهات إدارة أوباما، إذ تُدرك إدارة بايدن أن العالم تغيَّر في السنوات الأربع الماضية وكذلك مواقف الدول؛ لذا سنشهد اختلافات في إدارة بايدن عن إدارة أوباما.

على صعيد السياسة الخارجية، من الواضح لنا جميعاً أن إدارة بايدن ستتبنى نهجاً مختلفاً عن إدارة ترمب، إذ ستعود الإدارة الأمريكية إلى النهج المتعدد الأطراف، وإلى الالتزامات العالمية، سواء من خلال الرجوع إلى اتفاق باريس لتغير المناخ، وإعادة المساهمة المالية لمنظمة الصحة العالمية، كما أنها ستُصلِح ما أفسده ترمب مع الحلفاء في الناتو، وفي أوروبا. وقد ينفّذ بايدن ما دعا له من إقامة مؤتمر للزعماء الديمقراطيين في العالم لبحث سبل مواجهة التحديات العالمية.

غير أن الأولوية للسياسة الخارجية في إدارة بايدن ستتركز في الصين، وفي هذا السياق من المهم ملاحظة أن فريق بايدن مُنقسِم حول مقاربة العلاقة مع الصين: هل تكون تنافسية تعاونية أم تنافسية بحت؟ ومع أن إدارة بايدن قد تتراجع عن القرارات الحادة لإدارة ترمب تجاه الصين، وبخاصة في مجالات التجارة والرسوم الجمركية، إلا أن حالة التنافس ستطغى على العلاقة بين الطرفين، وبخاصة أن هناك اختلافات كبيرة بين واشنطن وبيجين حول كثير من القضايا، ومنها قضية التكنولوجيا على سبيل المثال.

وفي تصوّري أن الصين تؤيد الاستقرار وترغب في الحفاظ على جوانب من النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تواصل مساعيها لفرض نفوذها في جنوب شرقي آسيا؛ ففي الآونة الأخيرة رأيناها تبرز عضلاتها على الدول المعارضة لها، كما حصل في المناوشات الحدودية مع الهند، أو النزاع الحدودي مع اليابان، أو التوتر مع أستراليا، أو حتى فَرْض القبضة الأمنية على هونغ كونغ.

ومع أني أتفق مع الرأي القائل بأن تعددية الأطراف فكرة جذابة، ورغم أن إدارة بايدن ستدعم هذا التوجه، لكنها لا تمثل الحل الوحيد لمشاكل النظام الدولي، وللتحديات التي يواجهها العالم. إذ إن تبنّي النهج المتعدد الأطراف لا يعني أن إدارة بايدن ستذهب إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن لحل الأزمات وقضايا الخلاف مع القوى الأخرى، ولنتذكر هنا أن مجلس الأمن لم يستطِع حتى الآن إصدار بيان واحد حول أزمة وباء كورونا بسبب التنافس الأمريكي-الصيني.

 

ريتشارد فونتين، الرئيس التنفيذي لمركز الأمن الأمريكي الجديد في واشنطن.