تعليق الخبراء

تركيا بين أزمة كورونا وتَحدِّي الركود الاقتصادي

مركز الإمارات للسياسات | 14 سبتمبر 2020

تركيا بين أزمة كورونا وتَحدِّي الركود الاقتصادي

مثل باقي دول العالم، تَعرَّضت تركيا لأزمة جائحة "كوفيد-19"، وما نتج عنها من تداعيات اجتماعية واقتصادية. وقد أضافت هذه الأزمة هَمّاً جديداً للاقتصاد التركي الذي يعاني أصلاً من تراجع سعر الليرة التركية وتنامي التضخم والبطالة وتراكُم الديون، كما أنها عزَّزت حالةَ الصراع السياسي في البلاد، في ظل السجال حول أداء الرئيس رجب طيب أردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية في إدارة الأزمة، وفي سياق الانخراط التركي في الصراعات الإقليمية، لاسيما في سوريا وليبيا. وكان مركز الإمارات للسياسات قد عقد مؤخراً ندوة افتراضية شارك فيها مجموعة من الخبراء في الشأن التركي، لمناقشة هذه المواضيع وغيرها، وفيما يأتي أهم ما جاء في مداخلاتهم.

أتيلا يشيل أضا

أتيلا يشيل أضا

لم تُظهِر الحكومة التركية شفافية في التعامل مع أزمة وباء كورونا المُستجَد؛ فالأرقام التي ظلت تعلنها ما كانت دقيقة، وتخلو من الإشارة إلى حقيقة الإصابات بين اللاجئين السوريين والأكراد. والمتوقع أن تكون هناك موجة ثانية من تفشي الوباء خلال الربع الأخير من العام الجاري، الأمر الذي سيؤدي ليس إلى صدمة للنظام الصحي في تركيا فقط، بل إلى صدمة نفسية واقتصادية أيضاً.

وعلى مستوى الآثار الاقتصادية، أثبتت الأزمة الحالية هشاشة نموذج النمو الاقتصادي التركي القائم على الاقتراض الخارجي؛ فمجموع الديون التركية يبلغ نحو 437 مليار دولار، وما يستحق منها الدفع خلال هذا العام يبلغ 170 مليار دولار، ما يعني أنه ما من سبيل لتركيا للخروج من الأزمة الاقتصادية إلا باللجوء إلى صندوق النقد الدولي، غير أن الرئيس أردوغان لا يُحبِّذ الاستعانة بصندوق النقد، لأن التوصل إلى اتفاق مع الصندوق يفرض عليه تطبيق إصلاحات سياسية واقتصادية لا يرغب فيها.

وحتى في ظل توقيع تركيا اتفاقات مبادلة العملات المسماة SWAP مع الصين وقطر، فإن مثل هذه الاتفاقيات لن تحل أزمة الاقتصاد التركي، ولا مشكلة الديون الضخمة، ولا تعدو أن تكون مجرد عمليات تجميلية. ومن المؤكد، إجمالاً، أن الرئيس أردوغان لم يَعُد في نظر الأتراك ذلك القائد الذي يجلب الرخاء للشعب التركي.

د. أتيلا يشيل أضا، المؤسس المشارك لمركز بحوث "إسطنبول أناليتكس"، وخبير دولي في الشؤون الاقتصادية والسياسية التركية.

مصطفى مراد قبلاي

مصطفى مراد قبلاي

لقد تأثر الاقتصاد التركي بشكل كبير بأزمة وباء كورونا، لا سيما في قطاعات التجارة والخدمات والنقل والسياحة. فمثلاً، حقق قطاع السياحة التركي في عام 2019 إيرادات تُقدَّر بنحو 30 مليار دولار، إلا أن هذا الرقم سينخفض في هذا العام (2020) إلى 10 مليارات دولار فقط.

وإضافة إلى خروج الاستثمارات من تركيا بسبب أزمة كورونا، هناك مشكلة انخفاض الليرة التركية، حيث فقدت قيمتها منذ يناير الماضي بنحو 15 بالمئة، بالرغم من الأموال الضخمة التي ضخّها البنك المركزي في السوق للحفاظ على سعر الليرة. ووصل الاحتياطي الحقيقي للنقد الأجنبي في البنك المركزي إلى أقل من الصفر (ناقص 2 مليار دولار). وتشير المعطيات الحالية إلى أن البنوك التركية ليس لديها القدرة على تقديم قروض جديدة إلى الشركات التركية التي تعاني من تراكم الديون أصلاً، ما يعني أن كثيراً من الشركات التركية تواجه خطر الإفلاس.

وإذا كان صندوق النقد الدولي قد توقَّع أن ينكمش الاقتصاد التركي في العام الجاري بنسبة 5 بالمئة، فإنه من غير المُرجَّح أن يُسارِع الصندوق أو سواه من مؤسسات التمويل الدولية إلى إنقاذ تركيا من أزمتها الاقتصادية، بسبب عدم الثقة في الرئيس أردوغان وافتقاره إلى المصداقية. وفي ضوء هذا كله، من المتوقع أن تحدث اضطرابات سياسية في تركيا في أواخر العام الجاري أو أوائل العام المقبل نتيجة للأزمة الاقتصادية المستفحلة.

د. مصطفى مراد قبلاي، خبير مالي واقتصادي ومستشار مستقل لعدد من صناديق الثروة والشركات العاملة في تركيا.

عمر طاش بينار

عمر طاش بينار

إن أصعب ما يُواجِه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته في الوقت الراهن هو الركود الاقتصادي، ومن المرجَّح أن هذا الركود سيستمر فترة طويلة، ما يعني أن أردوغان وحزبه الحاكم سيواجهان تحدياً كبيراً في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة في عام 2023.

وفي محاولة من أردوغان لاستباق تطور الأزمة الاقتصادية، وللتقليل من فرص عقد تحالف موحد ضده يضم الأحزاب الجديدة المنشقة من الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة الرئيسة، قد يتجه إلى تنظيم انتخابات مبكرة. إلا أن أزمة كورونا والتداعيات الاقتصادية الناجمة عنها قد يفضيانِ، في نهاية المطاف، إلى حصول تغيير جذري في المشهد السياسي التركي على المدى القريب، كما حصل عام 2001 حين وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بسبب الأزمة الاقتصادية التي ضربت تركيا في ذلك الوقت.

وفي هذه المرحلة، من المتوقَّع أن يبقى الانخراط التركي في صراعات المنطقة، وتحديداً في سوريا وليبيا وشرق المتوسط، على حاله، لكن الرئيس أردوغان من المُمكِن أن يُقدِمَ على اصطناع أزمة خارجية، سواء مع اليونان أو مع قواعد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، من أجل حَرْف الأنظار عن الأزمة الاقتصادية وزيادة التحشيد القومي وراء زعامته، بما يصب في مصلحته الانتخابية في حال أُجريت الانتخابات مبكراً. 

د. عمر طاش بينار، باحث أقدم في معهد بروكنجز وأستاذ استراتيجيات الأمن الوطني في جامعة الدفاع الوطني الأمريكية بواشنطن.