تعليق الخبراء

قانون قيصر وعواقبه المحتملة في سوريا

مركز الإمارات للسياسات | 17 أغسطس 2020

قانون قيصر وعواقبه المحتملة في سوريا

نظر كثيرٌ من المحللين إلى قانون حماية المدنيين في سوريا، المعروف اختصاراً باسم "قانون قيصر"، الذي بدأت الإدارة الأمريكية تطبيقه في شهر يونيو الماضي، بوصفه "مُغيِّر لعبة" في رقعة الشطرنج السورية، باعتبار أنه سيَحرِم الرئيس السوري من تحويل النصر العسكري إلى نتائج سياسية لتكريس استمراره في السلطة إلى أجل غير مسمى، كما أنه سيحرم حليفَيه روسيا وإيران من قطف ثمار تدخلهما في سوريا. وكان مركز الإمارات للسياسات قد عقد ندوة افتراضية في 8 يوليو 2020 شارك فيها مجموعة من الخبراء في الشأن السوري، بهدف مناقشة القانون وتداعياته المحتملة داخلياً وخارجياً، وفيما يلي أهم ما جاء في مداخلاتهم بهذا الخصوص.

حسين إيبش

حسين إيبش

هناك دوافع عدة لإصدار الولايات المتحدة "قانون قيصر"، أهمها توجيه رسالة إلى حلفاء النظام السوري أنهم لن يحققوا أهدافهم من التدخل في الصراع السوري؛ وبينما تتفهم الولايات المتحدة المصالح الروسية في سوريا إلا أنه بفرضها قانون قيصر تدفع موسكو إلى عدم ربط مصالحها بالنظام السوري نفسه، وألا تربطها كذلك بإيران، في ظل أن القانون يمثل جزءاً من سياسة الضغط الأقصى لإدارة ترمب ضد إيران.

ويتضمن قانون قيصر مراحل تصاعدية من العقوبات، وقد يؤدي في المدى القصير إلى تزايد اعتماد النظام السوري على حلفائه لمواجهة التبعات الاقتصادية للقانون، إلا أن الأمل يحدو واشنطن في أن يؤدي القانون على المدى الطويل إلى تراكم الضغط على الأسد وحلفائه بما يُجبرهم على التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية. ومن المهم أيضاً، في هذا الإطار، أن يكون القانون ضمن استراتيجية متكاملة وشاملة تستهدف الضغط على إيران وحزب الله، وأن تستمر هذه الاستراتيجية لسنوات.  

حسين إيبش، باحث أقدم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن.

زكي محشي

زكي محشي

يُمثِّل قانون قيصر، من الناحية السياسية، أداةً من أدوات السياسة الخارجية للولايات المتحدة للتأثير في الأزمة السورية ولفرض شروطها فيما يخص مستقبل الحل في سوريا، كما أن القانون يعزز الأوراق التفاوضية للولايات المتحدة في مقابل روسيا وإيران. أما من الناحية الاقتصادية، فيمثِّل القانون عاملاً إضافياً لتدهور الاقتصاد السوري المنهار أصلاً بسبب تسع سنوات من الحرب، إذ قُدرت الخسائر السورية منذ بدء الحرب بنحو نصف تريليون دولار أمريكي، وهذا الرقم يمثل تسعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري لعام 2009. وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة يعيش نحو 80 بالمئة من الشعب السوري تحت خط الفقر.

وستكون لقانون قيصر آثار جانبية مهمة، فأولاً سيؤدي إلى تعزيز الانقسام القائم في سوريا، لأنه يُعفي مناطق الإدارة الذاتية في شرق سوريا من العقوبات، وثانياً سيدفع القانون النظام السوري إلى الاعتماد على الشبكات الاقتصادية غير الشرعية من أجل الالتفاف على العقوبات، ما يعني تعزيز دور أمراء الحرب ورجال الأعمال الفاسدين، وثالثاً سيكون للقانون تأثيرات في الشعب السوري نفسه، وهو ما يتطلب من المجتمع الدولي البحث عن آليات لدعم الشعب السوري دون شرعنة للنظام. ويُرجَّح أن يُقوِّض القانون قدرة النظام على الاستفادة من لبنان كرئة يتنفَّس منها مالياً واقتصادياً؛ فعدا عن أن القانون سيعاقب كل الأطراف اللبنانية التي ستتعامل اقتصادياً مع النظام، وفي مقدمتها حزب الله، فإن لبنان نفسه يعيش أزمة مالية واقتصادية حادة. وأزمة المصارف في لبنان تؤثر على النظام والشعب السوري أيضاً، إذ إن المصارف اللبنانية كانت الوجهة المفضلة للسوريين لحفظ مدخراتهم بالدولار، ولم يعد السوريون قادرين على سحب أموالهم تلك. كما أن الاقتصاد السوري تأثَّر بتراجع تحويلات السوريين المقيمين في الخارج بسبب الركود الاقتصادي الناجم عن أزمة وباء كورونا، علماً أن أكثر من 60 بالمائة من العوائل المقيمة في مناطق النظام تعتمد في معيشتها على الحوالات الخارجية، ووفق الإحصاءات كانت تبلغ التحويلات قبل جائحة كورونا خمسة ملايين دولار يومياً، لكنها تراجعت إلى مليونين يومياً فقط بعد الجائحة.     

ورغم أن قانون قيصر سيُضعف النظام السوري اقتصادياً، إلا أن حلفاء النظام سيحرصون على المحافظة على مصالحهم وسيطرتهم على الموارد السورية من نفط وغاز وقمح وموانئ. ولذا يتعيَّن أن يكون قانون "قيصر" ضمن استراتيجية شاملة وواضحة لتفكيك الأسس السلطوية لنظام الأسد.     

زكي محشي، خبير اقتصادي، وزميل أقدم في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "تشاتام هاوس".

بسمة قضماني

بسمة قضماني

لقد وصلت سوريا حتى قبل إقرار قانون قيصر إلى حد الفوضى والانهيار بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وغياب الخدمات الأساسية وانهيار الليرة السورية، وهذه الأوضاع المزرية دفعت الناس في المناطق التي يسيطر عليها النظام إلى الخروج بمظاهرات سلمية تطالب بالتغيير، كما حصل أخيراً في درعا والسويداء. وما من شك في أن فشل مجلس الأمن الدولي في تمديد آلية المساعدات العابرة للحدود لمدة سنة بسبب "الفيتو" الروسي والصيني، سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية وقد يؤدي إلى حدوث مجاعة في سوريا.

صحيحٌ أن قانون قيصر بدخوله حيِّز التطبيق سيمثل تحدياً لكل السوريين، إلا أنه مع ذلك بمنزلة الحاجز الوحيد أمام النظام للعودة إلى الوضع السابق، ويُمثِّل إشارة تحذير واضحة إلى نظام بشار الأسد وحلفائه بضرورة الدخول في عملية سياسية جادة تؤدي إلى تغيير تدريجي في سوريا. وفي ظل رفض النظام للتغيير، فإن ضغط المجتمع الدولي عليه، وعلى داعميه، يُعد السبيل الوحيد المتاح حالياً للوصول إلى مستقبل آمن ومزدهر لسوريا.

بسمة قضماني، أستاذة جامعية في فرنسا، ومؤسِّسة ومديرة تنفيذية سابقة لمبادرة الإصلاح العربي.