تحول التقدير الاستراتيجي الأمريكي للشرق الأوسط وانعكاساته على أمن الخليج

مركز الإمارات للسياسات | 16 مايو 2016
  • عودة

نبذة عامة

ورشة نقاش حول

«تحول التقدير الاستراتيجي الأمريكي للشرق الأوسط وانعكاساته على أمن الخليج»

الإثنين 16 مايو 2016

قاعة مزون بفندق جميرا في أبراج الاتحاد، أبوظبي

 

الملخص التنفيذي

عقد "مركز الإمارات للسياسات" في 16 مايو 2016 ورشة عمل حول «تحول التقدير الاستراتيجي الأمريكي للشرق الأوسط وانعكاساته على أمن الخليج»، بمشاركة نخبة من المتخصصين والسياسيين الخليجيين والعرب، وكذلك خبراء ومسؤولين أمريكيين سابقين؛ بهدف البحث في التحولات الجديدة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وتأثيرات هذه التحولات في أمن المنطقة واستقرارها، وفي مستقبل العلاقات الأمريكية-الخليجية.

تناولت الورشة أربعة محاور رئيسية، ففي المحور الأول ناقشت «أسباب وسياقات التحول في التقدير الاستراتيجي الأمريكي للشرق الأوسط، وانعكاسات ذلك على توزيع القوة في الشرق الأوسط»، وفي المحور الثاني تناولت «العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في تغيير أو تعديل التقدير الاستراتيجي الأمريكي الحالي للشرق الأوسط»، في حين أنها في المحور الثالث حاولت استشراف «مستقبل أمن منطقة الخليج في ضوء التحول في التقدير الاستراتيجي الأمريكي»، أما في المحور الرابع والأخير فسعت الورشة إلى رسم «السيناريوهات المتوقعة للتقدير الاستراتيجي الأمريكي للمنطقة في العقدين المقبلين».

وتستخلص هذه الورقة أهمَّ الاستنتاجات والسيناريوهات والتوصيات من جلسات الورشة والمناقشات التي أثيرت على هوامشها. 

الخلاصات والاستنتاجات

أولاً: لا يوجد اتفاق بين الخبراء والمحللين، الأمريكيين وغير الأمريكيين على حد سواء، على توصيف "التحول الجديد" في الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط؛ فبينما يرى البعض أنه "انكفاء" أو "انسحاب" من المنطقة، يعتقد آخرون أنه ابتعاد عن حلفاء تقليديين (دول الخليج مثلاً) والاقتراب نحو حلفاء جدد (إيران)، في حين ترى أطراف ثالثة أنه مجرد إعادة الولايات المتحدة توجيه قوتها وحساباتها وأدواتها لتحقيق الأهداف والمصالح الأمريكية بدليل أنها لم تسحب أصولها العسكرية من المنطقة أو حتى تعيد نشرها.

ثانياً: حينما جاءت إدارة الرئيس باراك أوباما إلى السلطة في يناير 2009، كانت لها أربع أولويات: منع حدوث ركود اقتصادي بسبب الأزمة المالية، وإنهاء حربي العراق وأفغانستان والانسحاب منهما، وحل أزمة برنامج إيران النووي. وهي في إطار تلك الأولويات كانت مصممة على "إعادة التوازن" للاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط والعالم.

ثالثاً: قامت إدارة أوباما بإعادة تقييم الاستراتيجية الخارجية، فأعلنت في يناير 2012 عن سياسة "الاستدارة نحو آسيا"، حيث جاء ذلك التحوّل نتيجة الاعتقاد الراسخ لدى مسؤولي تلك الإدارة بأن أكبر تحدٍّ استراتيجي طويل الأجل - والذي يمثّل فرصة أيضاً - للولايات المتحدة يتمركز في آسيا، حيث يرتبط ذلك بالصعود المتنامي للصين وبقية دول آسيا كمركز حيوي للاقتصاد العالمي، إلا أن التوجه الأمريكي نحو آسيا لم يكن مُهيكلاً بطريقة ناجعة ولم يتحول إلى سياسات عملية وتدابير تنفيذية، وبقي في إطار الطرح النظري فحسب.

رابعاً: يقوم النهج الذي اتبعته إدارة أوباما في السياسة الخارجية على مبادئ تشمل: عدم التدخل إلا إذا كانت مصالح الولايات المتحدة وأمنها في خطر، وتقييد استخدام القوة العسكرية، والميل إلى تقاسم الأعباء، والاعتماد على فاعلين محليين لحل المشاكل الإقليمية.

خامساً: ظهر التحول في التقدير الاستراتيجي الأمريكي إلى منطقة الشرق الأوسط بشكل واضح في موضوعين أساسيين:

  1. إيران؛ من خلال التوصل إلى صفقة معها ترتكز على منع تطوير القدرات العسكرية للبرنامج النووي الإيراني مرحلياً، في مقابل التقارب معها والانفتاح عليها اقتصادياً لخفض التهديد الذي تمثله، والتعامل معها كقوة إقليمية، واتخاذ موقف محايد بينها وبين الحلفاء الخليجيين.
  2. سوريا؛ من خلال رفض التورط في مستنقع الأزمة السورية، وعدم التحرك لمنع روسيا من أن تكون لاعباً رئيسياً في الأزمة.

سادساً: مع أن تراجع الدور الأمريكي في المنطقة ارتكز على اعتبارات عدة، أهمها: تضاؤل الاعتماد الأمريكي على النفط الخليجي، وتحقق أمن إسرائيل النسبي، وإدراك أن الإرهاب لا يمثل تهديداً وجودياً، وعدم وجود دول مارقة في الشرق الأوسط؛ إلا أنه في المقابل، هناك عوامل لا تزال تدفع باستمرار الوجود الأمريكي في المنطقة، أبرزها: الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، وبقاء الأصول والقواعد العسكرية، وحاجة اقتصاد العالم إلى النفط الشرق أوسطي، وتنامي الإرهاب واقترابه من أوروبا، وحماية الاستثمارات الأمريكية في المنطقة.

سابعاً: مثلما حصل في السنوات القليلة الفائتة تغيرٌ في الرؤية الأمريكية إلى المنطقة، فإن دول المنطقة نفسها أعادت تقييم الدور الأمريكي في المنطقة، وهذا ما ظهر في تصريحات السياسيين وصانعي القرار في المنطقة، بل أيضاً في السياسات والتدابير التي اتخذتها بعض دول المنطقة تجاه الأزمات فيها، كما حصل في مصر وليبيا واليمن وسورية.

ثامناً: ينبغي لدول المنطقة عدم الاكتفاء بالتعامل مع السياسات الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية، والقوى الدولية الأخرى، من خلال ردة الفعل أو النكاية، بل عليها أن تبادر إلى صوغ رؤيتها الذاتية لعلاقاتها مع تلك القوى بما يتوافق مع مصالحها الوطنية وأمنها القومي.

تاسعاً: إن توجّه الولايات المتحدة للتخفّف من دورها في المنطقة فتحَ المجال لعدد من اللاعبين الدوليين لمزيد من الحضور والتأثير في المنطقة، مثل روسيا والصين والهند فضلاً عن بريطانيا وفرنسا، لذلك اتجهت دول الخليج إلى التواصل مع هذه القوى وتنويع شراكاتها الاستراتيجية حماية لمصالحها الوطنية وأمنها القومي ولبناء قوتها الذاتية، إلا أن هذا الأمر يجب ألا يتعارض مع فكرة أن أمريكا حتى الآن هي أهم شريك استراتيجي لدول الخليج على الساحة الدولية؛ وأي إضعاف للعلاقة الأمريكية-الخليجية يصب في مصلحة إيران.

عاشراً: لا شك في أن مدى تشارك المسؤولية وتقاسم العبء في إدارة ملفات المنطقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج سيحدد مستقبل العلاقة الأمريكية-الخليجية.

الحادي عشر: هناك ثلاث نقاط يمكن أن تسهم في توثيق العلاقات بين الطرفين الخليجي والأمريكي:

  1. التركيز على المتابعة والوفاء بالالتزامات من جانب الطرفين.
  2. أهمية التكامل بين دول مجلس التعاون نفسها على جميع المستويات، السياسية والعسكرية والاقتصادية.
  3. تنويع محفظة المصالح بين الطرفين، بحيث تشمل الأمن والدفاع والاقتصاد والابتكار والتكنولوجيا.

الثاني عشر: مع أنه ينبغي استثمار الطرفين الأمريكي والخليجي في الجهد الدفاعي لردع إيران ومنعها من فرض هيمتنها على المنطقة، إلا أن هذا لا يمنع من الحاجة إلى النظر في صيغة للتعاون في المنطقة تشمل إيران ودول الخليج؛ للتفاهم حول قضايا الأمن الإقليمي.

الثالث عشر: يمكن الاتفاق المبدئي على خريطة طريق تضع محاربة "داعش" ووقف التدخل الإيراني في شؤون المنطقة كمداخل أساسية لبناء هيكل أمن إقليمي جديد بين دول الخليج وإيران، وهذا من شأنه أنْ يعيد الاستقرار للمنطقة ويُوقف الصراعات المشتعلة، ويتناغم مع رؤية أمريكا في "تقاسم العبء" في تأمين الأمن والاستقرار في الإقليم.

التوقعات والسيناريوهات

أولاً: مع أن الاستراتيجية الأمريكية في الغالب طويلة الأمد، ولا ترتبط برئيس أو إدارة واحدة، إلا أنه لا يوجد اتفاق بين المراقبين والمحللين على ما إذا ستبقى توجهات الرئيس أوباما نهجاً خاصاً بإدارته أم أنها سوف تستمر لتمثل استراتيجية الإدارة المقبلة.

ثانياً: فيما يتعلق بتوجهات الإدارة الأمريكية المقبلة تجاه المنطقة، فمن الخبرة التاريخية يمكن توقع أن هيلاري كلينتون – في حال فوزها بالرئاسة - ستلعب دوراً أكثر نشاطاً في المنطقة من أوباما، وستكون شريكاً قوياً لدول الخليج.

ثالثاً: يتسم الموقف الأمريكي من إيران بالشكوك، وستكون هناك مرحلة من التذبذب في العلاقة مع إيران لمعرفة ما إذا كانت إيران ستغير سياساتها أم لا. وفي كل الأحوال ليس بمستطاع إيران أن تتحول إلى حليف استراتيجي للولايات المتحدة، كما لا يرجح أن تقبل الولايات المتحدة بهيمنة عاصمة غير صديقة على منطقة الخليج؛ ما يعني استمرار سياسة توازن القوى في المنطقة.

رابعاً: في محاولة التنبؤ بسيناريوهات مستقبل منطقة الخليج، فإن من خلال تحليل واقع السياسات العربية، والخليجية بشكل خاص، وليس بالاعتماد على السياسة الأمريكية، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة:

  1. السيناريو الأول هو المتفائل ببناء منظومة خليجية بالاعتماد على الذات أولاً والتحالفات ثانياً، مترافقاً مع حل المشاكل الإقليمية وإعادة تأهيل إيران.
  2. السيناريو الثاني المتشائم الذي قد يشتمل على حل إشكالات إقليمية دون بناء إطار أمن إقليمي جديد، وتوقع تدخل القوى الأخرى من أجل حماية أمن الخليج، بما في ذلك إسرائيل وروسيا والصين والهند. وهذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً.
  3. السيناريو الثالث الأكثر تشاؤماً هو الإخفاق في بناء منظومة أمن جديد، وكذلك الإخفاق في حل المشكلات الإقليمية، وفشل سياسات التحول الوطني، وتعاظم مشكلة التطرف والإرهاب، وتزايد مشاكل الفقر والبطالة.

التوصيات

أولاً: ينبغي على دول الخليج إعادة تقييم الأسباب والدواعي التي دفعت الرئيس أوباما إلى تبني التوجهات الجديدة تجاه المنطقة، والاستفادة من هذا التقييم في صوغ مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.

ثانياً: من المهم العمل على إزالة سوء الفهم في العلاقات الأمريكية-الخليجية، الذي أوجد فجوات في العلاقة بين الطرفين، وبخاصة في المدركات وتحديد مصادر التهديد، وفي هذا الصدد ينبغي تعزيز منتدى التعاون الاستراتيجي الخليجي الأمريكي وتطويره إلى شبكة من التفاهمات والالتزامات والمؤسسات.

ثالثاً: ينبغي عدم إضعاف العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتركيز على تنمية العلاقات بالمؤسسة العسكرية الأمريكية، وفي الوقت نفسه الاستمرار في الانفتاح على شراكات استراتيجية، مع القوى الكبرى في أوروبا وآسيا.

رابعاً: لا بد من تنويع محفظة المصالح بين أمريكا والخليج، لتشمل عدا الاستثمار في التعاون الأمني الدفاعي بين الطرفين، التكنولوجيا والابتكار والاقتصاد والتجارة، وإن من شأن توسيع هذه المحفظة تعزيز شبكة المصالح مع الولايات المتحدة وزيادة التفاعل الأمريكي مع ملفات المنطقة.

خامساً: ينبغي لدول الخليج في إطار إعادة تعريف العلاقة الأمريكية-الخليجية أنْ تنطلق من نهج "تقليل الاعتماد" على أمريكا وليس "تحقيق الاكتفاء الذاتي"؛ إذ إن افتقار دول الخليج إلى التكامل العملياتي والمواءمة بين أنظمتها التسلحية يجعلها أقل اعتماداً على جهودها الذاتية لاحتواء إيران.

سادساً: توثيق التعاون مع الولايات المتحدة في مجال تكامل النظام الدفاعي الصاروخي، والاستفادة من الإمكانات الأمريكية لتطوير القوات الخاصة، والقوات البحرية، وقدرات الحرب السيبرانية.

سابعاً: يتعين على دول الخليج أن تضغط على الإدارة الأمريكية المقبلة للعمل معها بشكل وثيق لحل الأزمة في سوريا، وبخاصة أن الموقف من هذه الأزمة سيمثل "الباروميتر" لسياسة الإدارة الأمريكية تجاه المنطقة. 

مكان الفعالية

قاعة ميزون، جميرا في أبراج الاتحاد، أبوظبي.