تحولات المشهد السياسي في إيران على ضوء الاتفاق النووي والانتخابات التشريعية

مركز الإمارات للسياسات | 06 مارس 2016
  • عودة

نبذة عامة

الملخص التنفيذي

عقد مركز الإمارات للسياسات في السادس من مارس 2016 «طاولة مستديرة حول تحولات المشهد السياسي في إيران على ضوء الاتفاق النووي والانتخابات التشريعية»، بمشاركة نخبة من المتخصصين والسياسيين الخليجيين والعرب بهدف تناول المشهد السياسي الداخلي في إيران في إثر التطورين المهمين اللذين شهدتهما الجمهورية الإسلامية الإيرانية أخيراً، وهما: توقيع الاتفاق النووي مع الدول الست الكبرى في أواسط شهر يوليو من العام الفائت وما أفضى إليه من البدء في عملية رفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران في شهر يناير من العام الجاري؛ والتطور الثاني هو إجراء انتخابات مجلس خبراء القيادة الخامس ومجلس الشورى العاشر في 26 من شهر فبراير الماضي.

وفيما يلي أهمَّ الخُلاصات والاستنتاجات والسيناريوهات التي خرجت بها الورشة. 

أولاً: الخلاصات والاستنتاجات

  1. قامت الجمهورية الإسلامية على التأسيس دستورياً لثنائية الثورة والدولة، وإنتاج مؤسسات لكل عنصر، وقد منح الدستور حق النقض لمؤسسات الثورة ضد مؤسسات الدولة.
  2. بالرغم من أن الدستور الإيراني ينص على أن إيران جمهورية، فقد حرم الدستور البرلمان ورئيس الجمهورية من رسم السياسات وأصبح دور كل منهما تنفيذ السياسات التي يرسمها الولي الفقيه/القائد الأعلى للثورة.
  3. يمكن القول إن الثورة الإيرانية ثورة نكوصية، فهي أعادت إيران إلى فكرة الإمامة التي تنتمي إلى التاريخ الإسلامي، كما أن فكرة تصدير الثورة خيالية أو أسطورية لأنه ليس لدى إيران نموذج جاذب يمكن تصديره، وبدلاً من ذلك تقوم إيران في الواقع بتصدير ونشر الطائفية.
  4. منذ تقلُّد خامنئي منصب الولي الفقيه عام 1989 قام تحالف بينه وبين مؤسسة الحرس الثوري، وهذا التحالف هو الذي يحكم إيران حالياً.
  5. يتم في الأدبيات العربية تصوير أن القائد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي يحكم البلاد وحده وبصورة مركزية، وهذا قول غير دقيق؛ فخامنئي يحكم من خلال مؤسسة "بيت رهبري" (أي بيت القائد)، وهي مؤسسة ضخمة تضم خبراء وسياسيين يسهمون في صنع القرار.
  6. بعد أن قام التحالف الحاكم "بيت القائد-الحرس الثوري" باستئصال مشروع الإصلاح ببُعديه الثقافي والسياسي وإقصاء أحزابه وقياداته التيار الإصلاحي، سعى إلى إنتاج تيار أحمدي نجاد، ولكن بعد أن أخذ هذا التيار بتحدي سلطة الولي الفقيه سياسياً ودينياً قام التحالف الحاكم بتقويض هذا التيار، وتبنى استراتيجية جديدة تقوم على عدم السماح بتشكل أي تيار قوي، سواء كان ذا توجه إصلاحي أو أصولي أو محافظ معتدل.  
  7. يعاني النظام السياسي الإيراني من أزمة داخلية بسبب احتكار تحالف "بيد القائد-الحرس الثوري" للحكم، وأزمة خارجية نتيجة لإخفاقه في تحقيق الزعامة الإقليمية بسبب سياساته الطائفية والتدخلية.
  8. كان المشهد السياسي في إيران قبل عام 2013 يعاني انسداداً سياسياً وتدهوراً اجتماعياً واقتصادياً، لذا قام التحالف الحاكم بتصعيد حسن روحاني إلى منصب رئيس الجمهورية بوصفه يمثل الحد الأدنى من الطموحات السياسية داخلياً ويلتزم قواعد اللعبة.
  9. اعتبر النظام الحاكم أن أولوية روحاني هي التوصل إلى تسوية للملف النووي لإخراج إيران من عزلتها الدولية ورفع العقوبات التي استنزفت الاقتصاد الإيراني. وقاد روحاني دبلوماسية الاعتدال التي حققت نجاحاً في الملف النووي، لكن عدا هذا الملف لم يحصل تغير نوعي في السياسات الداخلية والخارجية في عهده.
  10. عمد النظام في عهد روحاني إلى إعادة توحيد الدولة والثورة لوقف الاستنزاف الداخلي الناتج عن الصراع بينهما، وإعادة هندسة المشهد السياسي الداخلي من خلال ضبط سلوك كل المؤسسات السياسية والتيارات السياسية بما لا يشوش على مسار المفاوضات النووية.
  11. كان لإعادة هندسة المشهد السياسي الداخلي آثار جانبية برزت بوضح في الانتخابات التشريعية وسيستمر تأثيرها في المشهد الداخلي، أهمها: الجمود وإضعاف الديناميات التي كانت تنتج الأفكار والحلول والبدائل، وتلاشي الحدود السياسية بين التيارات السياسية، وتنامي مكاسب "البراغماتية الثورية" لرفسنجاني-روحاني مقابل تراجع "الواقعية الثورية" لخامنئي، واضمحلال "المثالية الثورية" لمصباح يزدي وأحمدي نجاد.
  12. تألفت البيئة السياسية المحلية قبل الانتخابات الأخيرة من ثلاثة فاعلين رئيسيين: الفاعل الأول يمثل خط ولاية الفقيه، ويتألف من أربعة مكونات، هي: بيت القائد، والحرس الثوري، والتيار الأصولي المتشدد، وطيف روحاني-رفسنجاني. ويتألف الفاعل الثاني من قوى تقع خارج نطاق ولاية الفقيه، والتي تنقسم إلى التيار الإصلاحي وطيف أحمدي نجاد. أما الفاعل الثالث فهي مؤسسات المجتمع المدني التي تضم النقابات الفئوية والاتحادات المهنية والطلابية وغيرها وهذه بعضها ينتمي إلى خط ولاية الفقيه، في حين أن بعضها الآخر يعارضه.
  13. رأى الغرب في نتائج الانتخابات التشريعية انتصاراً لتيار الإصلاح-الاعتدال، باعتبار أن هذا التيار فاز بنحو 81 صوتاً مقابل التيار الأصولي الذي حاز 62 صوتاً، إلا أن هذا الادعاء غير صحيح لأسباب عدة: الأول، أن النتائج النهائية لانتخابات مجلس الشورى لم تُحسم بعد بسبب إحالة 67 مقعداً إلى الإعادة؛ والثاني، أن المستقلين فازوا بـ 75 مقعداً ومعظم هؤلاء لا تُعرف اتجاهاتهم بدقة؛ والثالث، أن القوائم الانتخابية كانت تتسم بالسيولة وغياب التمايزات فيما بينها، فقد أدى رفض مجلس صيانة الدستور أهليّة معظم مرشحي التيارين الإصلاحي والمعتدل لمجلس الشورى، وكل مرشحي التيار الإصلاحي لمجلس الخبراء، إلى أن يتحالف مرشحو التيارين مع أنصار رئيس البرلمان علي لاريجاني، إضافة إلى شخصيات أصولية معتدلة تدعم الحكومة، مثل النائب علي مطهري وكاظم جلالي، لذا برزت ظاهرة تكرار ورود اسم المرشح الواحد في أكثر من قائمة في الانتخابات، بعضها متنافسة فيما بينها.
  14. بينما كان مجلس الشورى السادس ذا صبغة إصلاحية، والمجلس التاسع ذا صبغة أصولية، فمن المرجح أن يكون المجلس العاشر ذا صبغة محافظة معتدلة، خصوصاً بعد أن أُقصي من الترشح كل المتشدّدين في التيارين الأصولي والإصلاحي.
  15. كانت المنافسة الحقيقية في انتخابات 26 فبراير بين أنصار الاتفاق النووي والتقارب مع الغرب، ومعارضي الاتفاق من أنصار الحفاظ على الثورة وضبط التقارب مع الغرب. وتجلّت هذه المنافسة بشكل أوضح في العاصمة طهران التي حسمت من الجولة الأولى لمصلحة "قائمة الأمل" المعتدلة برئاسة محمد رضا عارف، والتي فازت بالمقاعد الثلاثين للعاصمة.
  16. أَوْلى الناخبون الإيرانيون أهمية كبرى لانتخابات مجلس الخبراء هذه المرة على غير العادة في انتخابات المجلس الأربع السابقة، بسبب احتمال حسم هذا المجلس لمسألة خلافة خامنئي، وإذا أُخذ في الاعتبار أن رموز التيار الأصولي المتشدد أخفقوا في الوصول إلى المجلس، فهذا يعني أن أكثرية الناخبين الإيرانيين يريدون خليفةً لخامنئي من خارج التيار الأصولي المتشدد.
  17. صحيح أن السياسة الخارجية لا تكون حاضرة في الانتخابات الإيرانية كما أنها لا تُصنع عبر المجالس المنتخبة، إنما يتحكم بها القائد الأعلى والمجلس الأعلى للأمن القومي والحرس الثوري، إلا أن الانتخابات تعد مؤشراً مهماً لرصد التحولات في المجتمع الإيراني، والدول الخليجية والعربية لا تستطيع التغافل عن المشهد السياسي الداخلي، لاسيما إذا أرادت أن تواجه المشروع الإيراني في المنطقة.
  18. بعد توقيع الاتفاق النووي طرحت إيران نفسها للغرب لاعباً مهماً في صوغ الترتيبات الإقليمية، وهذا الأمر لم يلقَ معارضة من الولايات المتحدة التي أخذت ترى في إيران قوة إقليمية يجب إشراكها في مثل هذه الترتيبات. وقد أسهم الانكفاء الأمريكي في صنع التحولات في المنطقة، فالولايات المتحدة كانت ترسم حدود الصراع بين دول الخليج وإيران، إلا أن هذا الدور قلّ أثره في الآونة الأخيرة، الأمر الذي سهّل تمدد إيران في المنطقة. 
  19. من المتوقع أن تستفيد إيران من الانفتاح على الغرب عقب تطبيق الاتفاق، إلا أن مسار هذا الانفتاح لن يستمر طويلاً؛ إذ ستعيد إيران الجدلَ مع الغرب في الشأن النووي إلى المسار الأول، فلاتفاق لم يُنهِ البرنامج النووي الإيراني، وما قام به الرئيس الأمريكي أوباما هو أنه اشترى الوقت بتأخيره حصول إيران على القدرات النووية اللازمة لصنع قنبلة.
  20. لا يتوقع كثيرٌ من المراقبين أن الاتفاق النووي والانتخابات الأخيرة سيُنتجان تغيراً استراتيجياً في السياسات التدخلية والتوسعية الإيرانية، ويرون أن اشتداد المواجهة مع إيران أو خفوتها سيعتمد على نتيجة حسم الأوضاع في اليمن وسورية والعراق، وعلى اتجاهات أسعار النفط التي تؤثر في الوضع الاقتصادي في إيران.
  21. بينما تطرح الإدارة الأمريكية أن سياسة الانفتاح على إيران وإعادة إدماجها في النظامين الاقتصادي والسياسي الدوليّين سيدفعانها نحو الاعتدال، فإن كثيرين لا يؤيدون هذه المقاربة، ويعتقدون أنه حتى لو صح هذا التوقع فإنه سيتطلب وقتاً طويلاً وذلك لأن النظام في إيران يقوم على الربط بين الديني والسياسي، كما أن نجاحه يرتبط بقدرة دول الخليج والدول العربية على فرض ضغوط سياسية على النظام الإيراني لدفعه إلى تغيير سلوكه.

ثانياً: التوقعات والسيناريوهات للمشهد السياسي الإيراني

أ. على المدى القصير

  1. سيكون التيار الإصلاحي بين خيارين: إما التخلي عن معظم أطروحاته وتقبل الانضواء تحت سقف طيف رفسنجاني-روحاني المعتدل، أو يواجه مزيداً من الإقصاء والتفكيك.
  2. من المرجح أن تتراجع قدرة النظام على تقديم البدائل خلال السنوات الأربع المقبلة، نتيجة ما وصل إليه المشهد السياسي من جمود وتدني التنافسية وضعف أداء النخبة السياسية، وهذا ما عكسته طبيعة المرشحين في انتخابات مجلس الشورى الذين في معظمهم لم يكونوا من الشخصيات المعروفة ولا من أصحاب الخبرة السياسية.
  3. قد يُمنح تيار الاعتدال والرئيس حسن روحاني مساحة أكبر للتحرك في ملفات تعتبر حصرية للتحالف الحاكم، كأن تتم محاكاة ثنائية "صالحي-ظريف"، التي نجحت في الملف النووي، بثنائية "شمخاني-ظريف" للتفاوض مع القوى الغربية حول الدور الإقليمي لإيران.
  4. من المرجح أن تبقى الفجوة واسعة بين التحالف الحاكم والغالبية العظمى من أبناء العاصمة طهران، وقد يدفع ذلك النظام إلى مزيد من عمليات التصعيد للطبقة الوسطى الجديدة، والبحث عن تعزيز تحالفه مع أبناء المحافظات. 
  5. قد ينجح التحالف الحاكم في التقليل من حدة الأزمة الاقتصادية الضاغطة خلال السنوات الأربع المقبلة، لكن في ضوء المعطيات القائمة لا يُتوقَّع أن ينجح النظام في بناء نموذج اقتصادي جاذب. ونظراً إلى النمو الاقتصادي المتواضع والمشاكل الهيكلية للاقتصاد الإيراني، وتراجع أسعار النفط، وارتفاع تكلفة التدخل الخارجي، فمن غير الواقعي تحقق نسبة النمو الاقتصادي التي طرحها روحاني، وهي 8%. ومن ناحية أخرى، من المرجح أن يتجه التحالف الحاكم إلى تعزيز تعاونه الاستراتيجي مع الشرق (روسيا والصين والهند) على حساب شراكاته المفترضة مع الغرب.

ب. على المدى المتوسط والبعيد

  1. قد يعمد النظام الإيراني إلى تبني النموذج الصيني، بأن يقوم على استمرار تفرد "بيت القائد-الحرس الثوري" في الحكم بإيران، مع الانفتاح الاقتصادي تدريجياً على العالم بعد اكتمال رفع العقوبات الاقتصادية. ومن مقومات نجاح هذا السيناريو أن أهم أهداف المؤسسات الثورية من الملف النووي قد تحققت، أما معوقاته فهو أن تتنامى نزعة لدى التحالف الحاكم بإحياء الطموحات العسكرية للبرنامج النووي بشكل سري، وانكشاف أمر ذلك؛ ما قد يعني عودة إيران إلى حالة التوتر الشديد مع المجتمع الدولي، وربما انسحاب الشركات الأجنبية من استثماراتها.
  2. أو قد يتجه النظام إلى تبني نموذج كوريا الشمالية، في حال تم استئناف برنامج نووي عسكري بشكل سري، وتم كشفه، وتعرضت إيران لعقوبات وحصار على غرار الحصار المفروض على كوريا الشمالية، أو في حال بروز تفاعلات اجتماعية وعرقية قد تعرض بقاء النظام الحاكم للخطر، ولكن هذا السيناريو ضعيف الاحتمال في المدى المتوسط.
  3. أما السيناريو الثالث فهو عدم حسم الخيارات الاستراتيجية من قِبَل التحالف الحاكم، بمعنى أن يبقى النظام الإيراني في حالة سيولة في خياراته الاستراتيجية، وألّا يستقر على أي نموذج للحكم والاقتصاد والسياسة الخارجية. ومن المؤشرات التي تدعم هذا السيناريو أن النظام الإيراني لم يشهد حوارات استراتيجية وطنية حول الخيارات التي يجب تبنيها، بل غيَّب كل التيارات الفاعلة والمهمة في صناعة قرار مهم مثل الاتفاق النووي الذي كان نتيجة لتقدير استراتيجي توصلت إليه مؤسسات التحالف الحاكم. ومن مؤشراته أيضاً استمرار أزمة الحكم والهوية في إيران، وعدم قدرة النظام على الخروج من ورطة العداء لأمريكا.

الصور

http://epc.ae/photos

مكان الفعالية

أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.