هل تتوصل إدارة ترامب ونظام الأسد إلى صفقة سياسية؟

مركز الإمارات للسياسات | 25 أكتوبر 2020

تُثير المفاوضات الجارية بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظام الرئيس السوري بشار الأسد بخصوص محتجزين أمريكيين في دمشق، السؤال عن المدى الذي من الممكن أن تصل إليه هذه المفاوضات، في ظل التعقيد الكبير الذي يلف العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية، والنظام السوري، حيث تفرض الإدارة الأمريكية عقوبات قاسية على نظام الأسد تحت مسمى "قانون قيصر" وتمنع الأطراف الإقليمية والدولية من تقديم المساعدة للنظام، بالإضافة إلى سيطرتها على مناطق شرق الفرات التي تحتوي على معظم إنتاج سوريا من النفط والغاز والقمح.

وكانت واشنطن قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع النظام السوري منذ عام 2012 وتنوب عنها السفارة التشيكية في دمشق في مجالي التفاوض والتواصل مع النظام السوري.

مفاوضات في دمشق وواشنطن

ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" في 18 أكتوبر الجاري أن المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون المخطوفين، روجر كارستينس، ومساعد الرئيس الأميركي ومدير مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، كاش باتيل، زارا دمشق، واجتمعا باللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني، و"ناقشا سلة واسعة من المسائل، حملت جملة من العروض والطلبات".

ويتمثل الهدف الأساسي من هذه المفاوضات بالإفراج عن مُعتقلين أمريكيين في سوريا، يأتي في مقدمتهم الصحافي الأمريكي المستقل أوستين تايس، الذي سبق أن خدم في قوات المشاة البحرية واختفى خلال تغطيته التطورات في سوريا عام 2012، وكذلك الطبيب الأمريكي من أصل سوري، مجد كم ألماز، الذي اختفى بعد احتجازه في نقطة تفتيش للقوات الحكومية السورية عام 2017. وتتحدث التقارير عن وجود أربعة معتقلين أمريكيين آخرين لدى الأجهزة السورية.

وبالإضافة إلى قناة التفاوض هذه، يقود اللواء عباس إبراهيم، المدير العام للأمن اللبناني، قناة تفاوض أخرى في واشنطن، بعد فشل الوفد الأمريكي في مفاوضات دمشق، والتقى كلاً من مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض روبرت أوبراين، ومديرة وكالة الاستخبارات المركزية جينا هاسبل، ووكيل وزارة الخارجية ديفيد هيل؛ وتضمَّن النقاش بين اللواء إبراهيم والمسؤولين الأمريكيين وفق تقارير إعلامية أمريكية، ملف "الأمريكيين المحتجزين في سوريا"، وقد سبق للواء إبراهيم التوسُّط للإفراج عن ثلاثة محتجزين أمريكيين في سوريا سابقاً.

وكان الرئيس ترامب بعث برسالة خطية إلى الرئيس السوري بشار الأسد بشأن مصير تايس، اقترح فيها "إقامة حوار مباشر" حسبما ورد في كتاب "الغرفة حيث حدث ذلك" لمستشار الأمن القومي السابق جون بولتون الذي أكد أن الأسد رفض العرض. وذكر بولتون أن "ترامب استشاط غضباً حين سمع رد فريق المفاوضات، وصرخ "أخبره (للأسد) بأنه سيتضرر بشدة إذا لم يُعِد أسرانا؛ سنضربه بقوة شديدة"."

وتنفي السلطات السورية أي علاقة لها باختطاف الصحفي الأمريكي، إذ قال فيصل المقداد، نائب وزير الخارجية السوري، عام 2016، إن "تايس ليس موجوداً لدى السلطات السورية، ولا توجد أدنى معلومات تتعلق به"، في حين وصفت صحيفة "الوطن" السورية شبه الرسمية تايس بأنه عميل متعاقد مع الاستخبارات الأمريكية دخل الأراضي السورية بطريقة التهريب عام 2012، وزار مناطق كثيرة كانت قد خرجت حينها عن سيطرة الجيش السوري، ووصل إلى منطقة الغوطة الشرقية، مكلفاً بمهمة تجهيز وإعداد "جهاديين" لمحاربة القوات السورية، لكنه اختفى في الغوطة في ظروف غامضة، ولم يُعرف مصيره حتى الآن، وترجح المعلومات - بحسب الصحيفة - أن يكون اختفاؤه ناجماً عن صراع جماعات متطرفة كانت قد نشأت حديثاً في الغوطة الشرقية.

دوافع أمريكية ومطالب سورية

يأتي التفاوض مع دمشق بخصوص المحتجزين الأمريكيين في سياق محاولات الرئيس ترامب للفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، في ظل تقدُّم المرشح الديمقراطي جو بايدن حسب استطلاعات الرأي الأخيرة، إذ تُقدِّر إدارة ترامب، وبناءً على خبرة تاريخية في هذا المجال، أن استعادة الأمريكيين المحتجزين في الخارج من شأنه إحداث انعطافه مهمة في موقف الرأي العام الأمريكي لصالح ترامب.

بالإضافة إلى ذلك، تجري المفاوضات بناء على متغير في الإدراك الأمريكي مفاده "أن نظام الأسد يبدو وكأنه راسخ في السلطة".[1] ويبدو أن الأمريكيين اصطدموا بموقف صلب أبداهُ نظام الأسد يقوم على مبدأ "أنه لا نقاش ولا تعاون مع واشنطن قبل البحث بملف انسحاب القوات الأميركية المحتلة من شرق سوريا، وظهور بوادر حقيقية لهذا الانسحاب على الأرض"، كما رفض النظام مناقشة العقوبات الأمريكية على سوريا قبل مناقشة ملف الانسحاب الأمريكي من الأراضي السورية[2].

وقد وصفت صحيفة "الوطن" السورية موقف النظام بـ "الحذر"، وذلك "لانعدام الثقة بالزيارة الأمريكية أو بنتائجها المحتملة، لا سيما أن القيادة السورية تدرك تأثير اللوبيات الأمريكية على الرؤساء الأمريكيين وقراراتهم وسياساتهم العامة".

غير أن روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، كشف عن الشروط التي وضعها النظام السوري لإطلاق سراح المعتقلين الأمريكيين لديه خلال رسالة حملها مدير الأمن العام اللبناني عباس إبراهيم في زيارته الأخيرة إلى واشنطن. وتتضمن هذه الشروط:

  • وقف العمل بـ"قانون قيصر". وكانت مصادر مطلعة على زيارة الوفد الأمريكي لدمشق قد ذكرت أن النظام تقدَّم بطلب من أجل رفع، أو على الأقل، تخفيف العقوبات التي فرضها "قانون قيصر"، بالاستناد إلى نص وارد فيه، يسمح للرئيس بناء على تقديرات تخدم الأمن القومي الأمريكي برفعها لمدة 6 أشهر قابلة للتجديد، وإعادة العلاقات الدبلوماسية بالتوازي.
  • عدم الاعتراض على إقامة دول الخليج العربية علاقات مع دمشق، والسماح لها بمنح مساعدات للحكومة السورية بقيمة خمسة مليارات دولار أمريكي.

ويضيف موقع" كلنا شركاء" شروطاً أخرى تقدم بها النظام السوري للأمريكيين، تتمثل في الآتي:

  • الإفراج عن أموال الحكومة ورجال الأعمال السوريين المحتجزة ووقف ملاحقتهم.
  • الإعلان عن إمكانية إرسال سفير أمريكي إلى دمشق.

وبحسب مصادر سورية في واشنطن، فإن النظام السوري، خفّف من شروطه، في مرحلة لاحقة من التفاوض، دون الكشف عن هذه الشروط المخفّفة.

أدوار روسية وايرانية وعربية

تتحرك مفاوضات إدارة الرئيس ترامب مع النظام السوري، تحت ظلال تأثير ثلاث أطراف، لها مصالح وأجندات مختلفة، الأمر الذي يُضيف مزيداً من التعقيد على هذه المفاوضات.

روسيا: ترغب موسكو في منح ترامب نقاطاً إضافية للفوز في الانتخابات الأمريكية المقبلة، وذلك لوجود تقديرات روسية تذهب إلى أن فوز الديمقراطيين لن يكون في صالح روسيا ولا نظام الأسد، وأن الديمقراطيين سوف ينتقمون لما اعتبروه "مؤامرة روسية" ضد مرشحتهم هيلاري كلينتون في الانتخابات السابقة، ومن المحتمل زيادة منسوب تدخلهم في الملف السوري. وبناءً على هذا التقدير، يُرجح تدّخل روسيا وممارستها الضغط على الأسد لإنجاز الصفقة مع إدارة ترامب لضمان فوزه في الانتخابات.

إيران: حسب معلومات مصادر إعلامية عربية نقلاً عن مصادر سورية في واشنطن، فإن الاتصالات بين إدارة ترامب ومسؤولين في النظام السوري، تجري بتنسيق مباشر مع إيران لعقد صفقة موحدة للإفراج عن الرهائن الأمريكيين، وهو ما يُفسِّر إعطاء أولوية لتفكيك قاعدة التنف والانسحاب الأمريكي في هذا المسار على حساب ملف العقوبات وعدم عرقلة الإعمار والتطبيع العربي. ولا يبدو أن إيران متحمسة لمنح ترامب هدية تساعده في الفوز في الانتخابات، حيث تراهن إيران على فوز جو بايدن لتقديرها أنه سيسلك سلوك الرئيس السابق، باراك أوباما، في التفاوض مع إيران.

الأطراف العربية: كشفت صحيفة "الشرق الأوسط" دخول دول عربية على خط المفاوضات وذلك انطلاقاً من رغبة هذه الدول في تأسيس مسار أمريكي-سوري بدءاً من ملف الرهائن يدعم ترامب في الانتخابات ويؤدي إلى الدخول في مفاوضات عميقة في بداية السنة المقبلة مع الرئيس الأمريكي، سواء أكان بايدن أو ترامب، تُسفِر عن صفقة استراتيجية كبرى.[3]

التوقُّعات

يذهب بعض التقديرات إلى أن احتمال إتمام صفقة الرهائن قد يكون قريباً هذا الشهر، ضمن ما يسمى "مفاجآت أكتوبر"، لتقديمها خدمة لترامب في معركته الانتخابية الصعبة، مقابل الحصول على وعد بتنفيذ بوادر انسحاب أمريكي من شمال شرق سوريا، على اعتبار أن الوقت المتبقي للانتخابات قصير جداً ولا يسمح لترامب بتقديم التزامات كبرى للنظام السوري.

في المقابل، تستبعد تقديرات أخرى إتمام الصفقة بين الطرفين لعدة أسباب، أهمها:

  • الموقف الإيراني غير الراغب في إعادة انتخاب ترامب. وتُعتَبر إيران الداعم الأساسي، وربما الوحيد لنظام الأسد في مواجهة العقوبات الاقتصادية.
  • صعوبة تغيير السياسات الأمريكية تجاه سوريا لتحقيق هدف الإفراج عن السجناء الأمريكيين.
  • ارتباط الموقف الأمريكي بالموقف الغربي، والذي يصر على استمرار العقوبات على نظام الأسد لإرغامه على القبول بتسوية وفقاً للمرجعيات الأممية.

خلاصة واستنتاجات

يخوض الطرفان الأمريكي والسوري مفاوضات صعبة سببها انعدام الثقة وتراكم التعقيدات في علاقاتهما، بالإضافة الى صعوبة تقديم إدارة ترامب مقابلاً معيناً للنظام السوري الذي يُطالِب بانسحاب أمريكي من شرق سوريا وإلغاء "قانون قيصر"، وهي بالطبع مطالب لا يمكن أن توضع في الميزان مقابل الإفراج عن عدد من السجناء الأمريكيين. ويزيد تدخُّل الأطراف الأخرى، وخاصة روسيا وإيران، لغايات سياسية، على خط المفاوضات بين الطرفين، من إرباك المفاوضات واحتمال فشلها. ورغم ذلك، تبقى احتمالات حصول مفاجأة واردة جداً، كأن يُقدِّم ترامب وعداً بالانسحاب من قاعدة التنف بعد الانتخابات الأمريكية، أو بالتخفيف من عقوبات "قانون قيصر"، وخاصة المتعلقة باستيراد الوقود.

مَراجِع

[1] "هل يمكن لنظام الأسد عقد "صفقة" مع إدارة ترامب؟"، السورية نت، 19 أكتوبر 2020.

[2] إيلي يوسف، "مسؤول أميركي زار دمشق للإفراج عن مواطنين أميركيين"، الشرق الأوسط، 20 أكتوبر 2020.

[3] إبراهيم حميدي، "وساطات متناقضة مع دمشق حول «ملف الرهائن» الأميركيين"، الشرق الأوسط، 21 أكتوبر 2020.

 

أحدث الإيجازات