تُكثِّف "هيئة تحرير الشام" أو "جبهة النصرة" سابقاً رسائلها للأطراف الدولية الفاعلة في الأزمة السورية، وذلك بغرض إشهار تحوّلها إلى فصيل "معتدل"، بل و"حركة تحرير وطنية" مثلها مثل الكثير من الحركات التي تناضل ضد المحتلين، بما يستلزم من المجتمع الدولي الاستجابة لهذا التحوّل وعدم النظر إلى أيديولوجية "الهيئة" ما دامت في النهاية - كما تروِّج الهيئة - تمثل شريحة معتبرة من السوريين.

وتذهب تقديرات "الهيئة" إلى أن المجتمع الدولي سيضطر إلى التلاقي معها في منتصف الطريق، لأنها أمرٌ واقعٌ من جهة، ولأنها باتت تمثل "أهون الشرور" لدى مقارنتها بالتنظيمات التكفيرية والمعادية للغرب. وتستند في تقديراتها إلى تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا، جيمس جيفري، الذي قال في مؤتمر صحفي عقده في شهر يناير الماضي، إن "هيئة تحرير الشام التي تعتبر فرعاً من فروع تنظيم “القاعدة”، وهي بدورها تعتبر تنظيماً إرهابياً، غير أنها ركزت على محاربة نظام الأسد. كما أعلنت هذه المجموعة عن نفسها، – ولم نقبل بهذا الادعاء بعد – بأنها تمثل مجموعة معارضة وطنية تضم مقاتلين وليس إرهابيين، كما أننا لم نشهد لهم مثلاً أي تهديدات على المستوى الدولي منذ زمن".

التطبيع مع الغرب

في سياق مسارها الدعائي للترويج لنفسها كقوّة معتدلة، دعا الشرعي العام في "تحرير الشام"، عبد الرحيم عطون، إلى تطبيع العلاقات مع الدول الغربية، وذلك خلال حديثه مع صحيفة "Le Temps" السويسرية الناطقة بالفرنسية، في 4 سبتمبر الجاري. واللافت أن عطون دمج "هيئة تحرير الشام" في إطار المجتمع الواقع تحت سيطرتها في شمال سوريا، وذلك من خلال مطالبته الدول الغربية بالتطبيع مع الأهالي في محافظة إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي، أي المناطق التي تسيطر عليها الهيئة، بل ذهب إلى حد طلب مساعدة الغرب للقضاء على نظام الأسد، مؤكداً أن المنطقة لا تستطيع الاستمرار دون مساعدة الدول الغربية.

وبرّر شرعي "هيئة تحرير الشام" موقفه بأن الهيئة "تحاول تنظيف صورتها، والهدف ليس تجميل الواقع إنما عرضه كما هو"، مُشدداً على أن الهيئة تريد "الخروج من القائمة السوداء وعندها فقط ستتمكن المنطقة من التعافي".

وكان أبو محمد الجولاني "زعيم هيئة تحرير الشام" قد بدأ سياق التقرب من الغرب منذ أواخر عام 2019 عندما أعلن بداية مرحلة جديدة في الصراع في سوريا تقوم على مقاومة الاحتلالين الإيراني والروسي، وأعقب ذلك مقابلة صحفية مع "مجموعة الأزمات الدولية"، في شهر فبراير الماضي، أكد فيها تخليه عن طموحاته الجهادية العابرة للحدود وأنه يركز فقط على حكم المنطقة الواقعة تحت سيطرته.

"دولة إدلب" أمر واقع

واستكمالاً لما تعتقد "هيئة تحرير الشام" أنه مسار تأهيلها دبلوماسياً وسياسياً، أعلنت أن إدلب "دولة متكاملة الأركان، سواء اعترف المجتمع الدولي أم لم يعترف"، وذلك خلال اجتماع لقياديين من "الهيئة" مع إعلاميين؛ فالمناطق الواقعة في إدلب وغرب حلب "دولة تحكمها سلطة ومؤسسات سواء اعترف بها أم لا"، مشيرة إلى أن تقاطع مصالحها مع مصالح جهات أخرى هو "ربح إضافي".1

دولة إدلب في نظر "الهيئة" لا ينقصها أي ركن من أجل الحصول على الاعتراف الدولي، ذلك أن "منطقة إدلب فيها ما يناهز أربعة ملايين، تُدار من قبل إدارة خرجت من رحم الثورة ومن ركام القصف، الأمر الذي يعطيها شرعية أمام أبناء الشعب وأمام العالم أجمع، وهذا يعد نصراً استراتيجياً"، وذلك حسب رأي قياديي الهيئة.

أوراق الاعتماد

شهدت "هيئة تحرير الشام" أو "النصرة سابقاً" على مدار السنوات الأخيرة تحولات عدة في بنيتها الأيديولوجية والعسكرية، في إطار التكيّف مع الحالة السورية، وكان أهمها التأكيد على أن الجماعة حركة محلية بأهداف سورية بحتة وليس لها علاقة بالجهاد العالمي، والهدف من وراء ذلك تقديم أوراق اعتماد للعالم الخارجي من أجل الاعتراف بـ "الهيئة" أو "النصرة" كطرف سياسي مقبول.

ولم تكتفِ "الهيئة" بالتصريحات، بل كثَّفت مؤخراً من إجراءاتها في هذا السياق، بما فيها:

  • تفكيك الجماعات "الجهادية" في مناطق سيطرتها، ومنعها من القيام بأي عمل عسكري أو فتح مقرات دون إذن منها.
  • بسط السيطرة على مناطق كانت حتى وقت قريب خارج سيطرة" الهيئة"، والتصدي للفصائل الرافضة لاتفاق سوتشي (حراس الدين، وأنصار الدين).
  • استبعاد المتشددين من صفوف "الهيئة"، وخصوصاً غير السوريين الرافضين لأي حلول سياسية للقضية السورية، وفي مقدمتهم أبو اليقظان المصري الذي ترك الهيئة في فبراير 2019، اعتراضاً على اتجاهها نحو التساهل في بعض القضايا.
  • الظهور بمظهر الطرف المعني بالسلام والهدوء في مناطق شمال غرب سوريا، من خلال احترام التفاهمات الروسية-التركية، وتسهيل مهمة الجيش التركي في نشر آلاف الجنود.
  • محاولة "الهيئة" طرح نفسها كطرف مساعد في حل مشكلة الجهاديين في سوريا، وقد برز ذلك من خلال اعتقال القيادي السابق في صفوفها سراج الدين مختاروف، المعروف باسم "أبو صلاح الأوزبكي" والمطلوب من الإنتربول، في 18 من يونيو الماضي، وكان منضوياً ضمن صفوف تنظيم "جبهة أنصار الدين" (الجهادي). لكن الرسالة الأهم في هذا السياق تمثلت باعتقال الجهادي الفرنسي عمر ديابي الملقب بـ"عمر أومسين"، الذي يقود مجموعة من المقاتلين الفرنسيين في سوريا، وتقول السلطات الفرنسية إنه "مسؤول عن تجنيد 80% من الجهاديين الذين يتحدثون اللغة الفرنسية ممن ذهبوا إلى سوريا أو العراق"، في حين صنفته الخارجية الأمريكية في 2016 إرهابياً عالمياً.
  •  ظهور الجولاني مرات عدة في صور نشرتها وسائل الإعلام التابعة له وهو يتجول في الأسواق، ويزور المرضى، ويستقبل الوفود، في محاولة متكررة لتنميط صورته كرجل سياسة متدين، بما يخدم المرحلتين الحالية والمستقبلية.

الأهداف

تعتقد "الهيئة" بوجود جهات استخباراتية دولية تراقب سلوكها وأداءها، وتجري تقييمات بهذا الخصوص، وعلى ضوء ذلك سيقوم صناع القرار في الدول المعنية بإعادة توصيف "الهيئة" من منظمة إرهابية إلى طرف محلي له خصوصية معينة. أما الغاية من الإجراءات التي تتبعها "الهيئة" فهي تعبير عن إدراك قياداتها أن طريق الوصول للاعتراف والتأهيل يمر عبر القيام بدور وظيفي تؤديه للخارج، لذلك سعت عبر اعتقال بعض الجهاديين الدوليين، إلى بعث رسالة للدول الغربية أنها يمكن أن تلعب دوراً رئيساً في إيجاد حل لهذه المعضلة التي تتخوف من تداعياتها دول غربية كثيرة، أما الثمن المطلوب فهو قبول تلك الأطراف مقايضة خدمات "الهيئة" بالاعتراف بشرعيتها.

ويكمن الهدف الأبعد من تحركات "الهيئة" ورسائلها، في تصدير صورة جديدة لها إلى المجتمع الدولي، في مسعى واضح لتكون جزءاً من الحل، إذ تعكس هذه الإجراءات مواكبة قيادات "الهيئة" تغيّرات مرتقبة في القضية السورية على صعيد الحل السياسي.

ويطرح بعض خبراء الجماعات الإسلامية احتمال تحوُّل "هيئة تحرير الشام" إلى حزب سياسي أو أن تخلق جناحًا سياسيًا لها على غرار "حزب الله" اللبناني، وحركة "حماس" الفلسطينية، على اعتبار أن الدول الغربية تتعاطى مع الأجنحة السياسية لمنظمات كهذه، لأنها في النهاية ممثلة لشريحة محلية ولها دعم محلي، وهذا يعني في المقابل أن هذه الحركات يجب أن تغير من بنيتها “الإرهابية” ولغتها وخطابها المعادي للغرب.2

خلاصة

يُشير أغلب القراءات إلى أن "تحرير الشام" تخلط بين قبول دورها الآني والمتمثل "بإدارة الفوضى وضبطها ضمن حدود النزاع وعدم امتدادها للخارج والدول المجاورة، وضبط حركة النزوح، بالإضافة إلى ضرب التنظيمات المتشدّدة"، لكن ذلك ليس سوى مشهد مؤقت، أما على صعيد لعب دور مستقبلي وتحوّلها إلى طرف مقبول، مثل حركة طالبان، فذلك أمر مستبعد.3 إذ لم تعد "الهيئة" بعد التغيرات الميدانية الأخيرة، سواء عبر قضم قوات النظام جزءاً واسعاً من مناطق سيطرتها، أو بعد إعادة انتشار آلاف الجنود الأتراك، طرفاً قوياً تحسب له الأطراف حسابات عسكرية، فقد تغيَّرت الوقائع كثيراً، وباتت قوات أبو محمد الجولاني في مرمى نيران أطراف كثيرة، وما يؤخر الإطاحة بها عدم توصّل أطراف النزاع إلى تفاهمات نهائية.

مصادر

[1] علاء حلبي، "الجولاني يعلن “دولته” في إدلب: “مأسسة التطرف”، موقع 180، 2 سبتمبر 2020.

[2] علي درويش، ""تحرير الشام" تتحول.. علاقات سياسية في"دويلة إدلب""، موقع عنب بلدي، 6 سبتمبر 2020.

[3] أمين العاصي، "تطمينات "تحرير الشام" للغرب: مناورة أم تغيير منهج؟"، العربي الجديد، 6 سبتمبر 2020.

أحدث الإيجازات