هل تنسحب القوات الأمريكية من شرق سوريا؟

مركز الإمارات للسياسات | 18 نوفمبر 2020

رغم أن مفردة" الانسحاب" من شرق سوريا، قد جرى ترديدها من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأركان إدارته، أكثر من مرّة، ووُجِّهت بالتزامن معها اتهاماتٌ نحو ما يسمى "الدولة العميقة" بأنها تتولى تسويف الأوامر والتلاعب بالإجراءات، إلا أن هذا التوجه أخذ منحىً أكثر جدية مؤخراً في ظل وجود دوافع تحركه، وأشخاص قادرين على إنجازه.

ففي أول كلمة وجهها للقوات الأمريكية بوصفه وزيراً للدفاع، أبدى كريستوفر ميلر الذي عيَّنه ترامب بدلاً من مارك إسبر، عزمه تسريع سحب قوات بلاده من الشرق الأوسط وأفغانستان، مُردداً ما كان يقوله ترامب: "حان وقت العودة إلى الوطن"، و"جميع الحروب يجب أن تنتهي".

مؤشرات الانسحاب

ما يرفع من منسوب جدية ميلر، قيامه بتعيين الكولونيل دوغلاس ماكريغور بمنصب المستشار الأول للبنتاغون، أمر الذي اعتبره خبراء السياسة الأمريكية مؤشراً واضحاً على نية البنتاغون الإسراع في سحب القوات الأمريكية من مناطق عدة في الشرق الأوسط بينها سوريا، قبيل انتهاء ولاية الرئيس ترامب، ذلك أن ماكريغور معروف بدعواته المتكررة لانسحاب القوات الأمريكية من سوريا، ويعتبره ضرورياً لـ"انتفاء مصالح الولايات المتحدة"، ويرى أن بلاده "تحتاج إلى الاستماع بعناية شديدة إلى الإيرانيين... ومعرفة ما هي مصالحهم والبحث عن المجالات التي يمكننا التعاون فيها".

ومن المؤشرات على عزم ترامب تنفيذ أجندة الانسحاب التي طالما توعَّد بها، حجم الإقالات والاستقالات التي جرت في وزارة الدفاع الأمريكية في الأيام الأخيرة، والتي شبهتها صحيفة الواشنطن بوست بـ"عملية تطهير"، طالت، بالإضافة إلى مارك إسبر، كلاً من وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية جون أندرسون، ووكيل وزارة الدفاع للاستخبارات جوزيف كيرنان، ورئيس أركان البنتاغون جين ستيوارت؛ ليستبدل الثلاثة بموظفين أكثر ولاءً لأجندة ترامب السياسية.

ووصف بعض الإعلام الأميركي ما حصل بـ"انقلاب" تم التخطيط له على مدار أشهر لإطاحة بعض قيادات "البنتاغون"، إفساحاً في المجال أمام سيطرة الرئيس الأمريكي على المؤسّسة العسكرية، ومن ثمّ المبادرة في توجيه بعض السياسات قبل انتهاء وقته في البيت الأبيض.

وعقب تصريحات ميلر، أكدت مصادر ميدانية في الحسكة أن القوات الأمريكية سحبت عدداً من آلياتها العسكرية وجنودها من ريف مدينة المالكية في الحسكة إلى العراق، عبر معبر الوليد الحدودي. ولم يتضح بعد إن كانت هذه التحركات جزءاً من الاستعدادات الأمريكية لسحب القوات من شرق سوريا.

تصريحات جيفري

واللافت، تزامُن هذه التحركات مع تصريحات للمبعوث الأمريكي الخاص بالملف السوري المستقيل من منصبه، جيمس جيفري، عندما أعلن ممارسة لعبة ""الكؤوس والكرة" (لعبة خداع) كي لا يتضح لقيادتنا كم من القوات نملكها هناك"، والمقصود بذلك، خداع ترامب المعروف عنه عدم اهتمامه بالتفاصيل.

وقد أوضح المبعوث الخاص السابق لوزارة الخارجية الأمريكية للملف السوري، فريدريك هوف، لـصحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، ماهية اللعبة التي أشار لها جيفري، بأن إحدى طرق "نشر" أعداد مختلفة من القوات الأمريكية في سوريا تتمثل في تعيين بعضهم كـ "دائمين"، أي كقوات أساسية للعمليات، وتسمية الآخرين "مؤقتين". ويمكن أن تكون هذه وحدة وصلت، على سبيل المثال، إلى سوريا من العراق، لإسناد القوات الرئيسية لفترة محدودة. وقال: "من الممكن استبدال القوات المؤقتة المنسحبة من سوريا، ما يجعل من الممكن نشر المزيد من القوات على الأرض، وعددها يفوق تلك التي يتم إرسالها إلى هناك على أساس دائم".

دوافع ومحركات ترامب

1. الانتقام: يعتبر دافع الانتقام من خصمه جو بايدن والحزب الديمقراطي، أحد أكبر محركات سياسات دونالد ترامب، والهدف هو تعقيد الأمور، قدر المستطاع، على مرحلة حكم بايدن والديمقراطيين، لإثبات أن اختيارهم للحكم بدلاً من ترامب كان خاطئاً، طالما هم سيغرقون في المشاكل التي يورثها لهم ترامب، وبذلك يُمهِّد لإزاحتهم عن السلطة في نهاية الولاية الأولى لبايدن.

من جهة ثانية، يسعى ترامب إلى إبقاء ظله ثقيلاً في الإدارة الأمريكية، من خلال تعيين الموالين له في مناصب مهمة في البنتاغون والمخابرات، وهو ما لن يستطيع بايدن تغييره بسهولة، لاحتمال مواجهته متاعب مع المؤسسات الأكثر فعالية في الحكم، والتي من المفترض عدم تأثُّرها بالرئيس الواصل للبيت الأبيض.

2. إدانة الديمقراطيين: يهدف ترامب من وراء سياسة الانسحاب إثبات أن الديمقراطيين هم الذين يصرون على توريط الولايات المتحدة في الصراعات الخارجية، وبذلك يلاقي ترامب مزاجاً شعبياً واسعاً بين يطالب بسحب القوات الأمريكية في الخارج وتقليل مصروفاتها التي يجب أن تتوجه للاستثمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية، وحتى لو لم ينجح ترامب في سحب القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق وسوريا، فإنه سيُربك إدارة بايدن عبر تحميله مسؤولية رفض سحب القوات الأمريكية من الخارج.

3. خلط الأوراق في الساحة السورية: يدرك ترامب أن انسحاب قواته سيُعجِّل بإشعال الصراع بين الإيرانيين والروس والأتراك، حيث ستتسابق هذه الأطراف الثلاث على نيل أكبر حصة من التركة الأمريكية؛ فروسيا ستسارع الى الاستحواذ على آبار النفط، التي لا تُخفي مطامعها بها، إن لجهة تنفيذ العقود التي أبرمتها مع نظام الأسد وتشغيل شركاتها النفطية فيما يعتبر أهم حقول سوريا، أو لجهة تزويد النظام بحاجته من النفط لفك أزمته المستفحلة، فيما ستسارع إيران وميليشياتها إلى وضع يدها على مساحات واسعة من المنطقة بهدف تأمين طريقها إلى الساحل السوري، وستعمل تركيا إلى احتلال المزيد من الأراضي الواقعة على الشريط الحدودي لإبعاد الخطر التركي عن مناطقها.

ومن شأن اختفاء الخطر الأمريكي الذي يوحد تلك الأطراف، التعجيل بحدوث الشقاق بينها، وهو أمر سيكون مغرياً لترامب.

صعوبات الانسحاب من سوريا

ثمّة عوائق كثيرة تقف في طريق سحب ترامب قواته من شرق سوريا، أهمها:

1. تهديد أمن إسرائيل: ليس سراً أن الوجود الأمريكي في شرق سوريا، ومنطقة التنف تحديداً، يهدف إلى عرقلة المشروع الإيراني في إيجاد طريق بري لتزويد ميليشياتها في لبنان وسوريا بالأسلحة التي تهدد أمن إسرائيل، وهذا من أكبر العوائق التي تواجه ترامب في مشروع الانسحاب، وهو المعروف بقربه من إسرائيل وتقديمه خدمات جليلة لها، وبالتالي فإذا كان ممكناً سحب القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق، فإن سحبها من سوريا له حسابات مختلفة.

2. احتمال انهيار الإدارة الذاتية الكردية: على الأغلب، سيؤدي انسحاب القوات الأمريكية من شرق سوريا إلى تدمير فوري للإدارة الذاتية الكردية، التي لن تستطيع الصمود لا في وجه تركيا ولا في وجه نظام الأسد، وستضطر إلى العودة لحضن النظام السوري وفق شروطه. وتعتبر الإدارة الذاتية استثماراً أمريكياً عابراً للصراعات الحزبية، وقد سبق أن اعترض أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس، على عزم ترامب الانسحاب من شرق سوريا مُعتبرين ذلك تهديداً للمصالح الأمريكية.

3. الوقت والدولة العميقة: يصعب على ترامب تحقيق الانسحاب في حين لم يتبق له في الإدارة سوى أسابيع قليلة، ذلك أن مثل هذه العملية تخضع لإجراءات بيروقراطية معقدة، كما أن من يُسمِّيها بـ"الدولة العميقة" قادرة على إجهاض فكرة ترامب عبر التعمُّد في الإبطاء بعملية الانسحاب لأسباب لوجستية وأمنية لا يستطيع ترامب الاعتراض عليها لما قد تجلبه من مخاطر على القوات المُنسَحبة. وحتى لو جرى سحب الجزء الأكبر من القوات الأمريكية، فإن بقاء عشرات من الجنود يكفي لبقاء الوجود الأمريكي إلى حين قيام إدارة بايدن بإرجاع عديد القوات إلى ما كان عليه في السابق.

خلاصة واستنتاجات

رغم رغبة الطاقم الذي عينه ترامب في مواقع القرار في وزارة الدفاع الأمريكية الانسحاب من سوريا، إما لأسباب مصلحية تتعلق بتراجع فائدة سوريا للاستراتيجية الأمريكية، أو لأجل رغبة ترامب في وضع العراقيل في وجه إدارة بايدن، إلا أن تطبيق الانسحاب أمر يفوق قدرة ترامب، لأسباب تتعلق بأمن إسرائيل وبالمصلحة الأمريكية بعيدة المدى، بعد استثمار لسنوات طويلة في الملف السوري.

والأرجح، أن ترامب سيُبدي تراجعاً فيما تبقى من ولايته عن هذا القرار نتيجة ظهور معارضة حادة من مؤسسات الدولة الأمريكية والكونغرس، بالإضافة للوبي الإسرائيلي، رغم توقُّع إجراء خفض بسيط لعدد الجنود في شرق سوريا، وهو إجراء لن يُغير المعادلات على الأرض، ولن يغير كثيراً قواعد اللعبة المَرْعيَّة في الساحة السورية.

أحدث الإيجازات