ماذا بعد فشل حكومة الجملي في تونس؟

مركز الإمارات للسياسات | 19 يناير 2020

فشل رئيسُ الحكومة الذي اقترحته حركة النهضة الحبيب الجملي في نيل ثقة البرلمان التونسي لحكومة الكفاءات التي تقدَّم بها في 10 يناير 2020. وشكَّلت هذه الانتكاسة حدثاً مهماً في الساحة التونسية له تأثيره على الخارطة السياسية، وعلى وضع حركة النهضة التي تم عزلها داخل الحقل السياسي التونسي.

تهدف الورقة إلى تحليل أسباب فشل حكومة الجملي، واستشراف الآفاق المحتملة للمشهد السياسي في المرحلة المقبلة.

حكومة الجملي: خلفيات الفشل

رغم أن الدستور التونسي ينص على تكليف الحزب الذي حصل على المركز الأول في الانتخابات البرلمانية بتشكيل الحكومة، إلا أن حركة النهضة اختارت شخصيةً مستقلة لرئاسة الحكومة رغم قربها منها، تمشياً مع أحد أهم شروط الأحزاب السياسية للشراكة معها. وما دامت مقاعد حركة النهضة في البرلمان لا تتجاوز 52 مقعداً، فإنها غدت مضطرة للتحالف مع قوى حزبية أخرى، مُفضِّلةً الأحزاب الليبرالية واليسارية التي تُصنف في خانة "التيار الثوري" على التيار الدستوري وحزب "قلب تونس".

وقد فشلت المحاولة الأولى لتشكيل حكومة ائتلافية من الأحزاب المنضوية في "الخط الثوري"، رغم محاولات رئيس الحكومة المعين الحبيب الجملي التقرب منها، والاستجابة لبعض شروطها التي تركزت على تولي حقائب وزارية حيوية. وقد بدا في مرحلة أولى أن الجملي نجح في التقريب بين حركة النهضة وثلاث كتل برلمانية أساسية هي: التيار الديمقراطي، وحركة الشعب، وحزب "تحيا تونس" بما يضمن لحكومته الائتلافية أغلبيةً برلمانية مريحة، قبل أن تفشل المحاولة، وتتنصل الأحزاب المذكورة من التوافق المعلن.

ولهذا الفشل سببان أساسيان هما: حرص حركة النهضة على الاحتفاظ بمركز التأثير الأساسي في الحكومة من خلال الاحتفاظ ببعض المواقع الوزارية الحساسة التي كانت تطالب بها بعض الأحزاب الأخرى، وفشل رئيس الحكومة المعين في التوفيق بين المطالب المتعارضة للأحزاب التي حاول تشكيل الحكومة منها.

ومع اقتراب نهاية المدة الزمنية المتاحة لتشكيل الحكومة، طرح الجملي خيار حكومة الكفاءات الوطنية المستقلة عن الأحزاب، وحاول تمريرها برلمانياً باعتبارها الخيار الوحيد الممكن بالنظر إلى تشتت الساحة السياسية، صعوبة التوفيق بين الفرقاء السياسيين، بيد أن الحكومة التي عُرضت على البرلمان في العاشر من يناير الجاري لم تحصل إلا على 72 صوتاً من أصوات البرلمانيين هي أساساً أصوات نواب حزبي النهضة والكرامة، في حين صوت ضدها 132 نائباً، يمثلون أغلب الأحزاب ومن بينها قلب تونس وتحيا تونس وحركة الشعب والتيار الديمقراطي والحزب الدستوري الحر وكتلة الإصلاح، وامتنع 3 نواب عن التصويت، فسقطت الحكومة تلقائياً.

ويعود سقوط مقترح الحكومة المستقلة إلى سببين رئيسين: انتماء العديد من الشخصيات المقترحة لتيار الإسلام السياسي بما يجعلها قريبة من حركة النهضة، وضلوع العديد من الأسماء المقترحة في الفساد بما يجعلها غير مؤهلة للقيام بالإصلاحات الجذرية المنشودة.

وإجمالاً، يُعد عدم نيل الحكومة المقترحة ثقة البرلمان ضربةً قوية لحزب النهضة، الذي فشل في التوصل إلى تحالفات لتشكيل حكومة ائتلافية بعد أن كان طرفاً رئيساً وحاسماً في كل المحطات السياسية منذ ثورة 2011.

السيناريوهات المحتملة

بحسب المادة 89 من الدستور التونسي، يتعين على رئيس الجمهورية في مدة أقصاها 10 أيام إجراء مشاورات مع الكتل البرلمانية من أجل ترشيح شخصية قادرة على تشكيل حكومة تنال ثقة المجلس النيابي، على أن تُشكل هذه الحكومة في أجَل أقصاه شهراً قابلاً للتمديد مرة واحدة. وفي حال فشل هذا الإجراء يتقرر تنظيم انتخابات برلمانية في 45 يوماً كحد أدنى و90 يوماً كحد أقصى.

وقد بادر فعلاً الرئيس قيس سعيّد في إجراء المشاورات المقررة من خلال الكتابة لرؤساء الكتل والمجموعات البرلمانية من أجل اقتراح الشخصيات التي ترى أنها مؤهلة لتشكيل الحكومة. ومع أنه من السابق لأوانه الحديث عن سيناريوهات واضحة ومتمايزة، إلا أنه يمكن الإشارة إلى أربعة احتمالات ممكنة بخصوص التشكيلة الحكومية المقبلة، كالآتي:

  1. سيناريو حكومة الوحدة الوطنية الموسعة: دعت حركة النهضة إلى هذا الخيار كمخرج من الأزمة الحالية ولصعوبة بناء توافق سياسي أدنى بين القوى البرلمانية. ومع أن العديد من الأحزاب تحفَّظت على هذا المقترح الذي رأت فيه محاولةً من الحركة للالتفاف على انتكاستها في تشكيل الحكومة، إلا أن مختلف القوى السياسية قد تقبل هذا المقترح في حال تبنيه من رئيس الجمهورية قيس سعيد، الذي يحتفظ بخيوط صلبة مع مختلف مكونات الطيف السياسي ويُعتَقد أنه يمكن أن يشرف على تشكيل ائتلاف متوازن لا تتحكم فيه حركة النهضة. وعلى الرغم من أن رئيس الجمهورية ليست له صلاحيات تنفيذية قوية وفق أحكام الدستور التونسي، كما أن الرئيس الحالي قيس سعيد ليست له قاعدة حزبية، إلا أن نسبة النجاح القوية التي حققها في الشوط الثاني من الانتخابات الرئاسية (76% من الأصوات) تؤهله لأداء دور سياسي مهم، ومن هنا تأتي مطالبة بعض القوى السياسية بحكومة الرئيس بديلاً من حكومة الأحزاب، أي اضطلاع الرئيس بدور الراعي والمشرف ومحور التوازن في الحقل السياسي. وإذا كان الرئيس قيس سعيد لا يُخفي حرصه على إحداث إصلاحات دستورية جذرية تُحدث تغييراً في طبيعة النظام السياسي، فإن الخيار الائتلافي الموسع قد يكون الطريق الذي يمكّنه من تحقيق بعض مطامحه السياسية لانتزاع دور تنفيذي لا يخوله له الدستور الحالي.
  2. سيناريو الائتلاف البديل عن حركة النهضة: اقترح هذا الخيار حزب "قلب تونس" الذي ادعى تشكيل ائتلاف برلماني واسع باسم "جبهة الإنقاذ الوطني" من 90 نائباً (من أصل 217 نائباً) يضم "حركة الشعب" وحزب "تحيا تونس" بالإضافة إلى كتلتي الإصلاح والمستقبل. وفضلاً عن كون هذا الائتلاف هشاً نتيجةً لعدم تجانسه وتباين مصالح مكوناته، فإنه لا يبدو قادراً على تحقيق الأغلبية البرلمانية المطلوبة لتشكيل الحكومة (109 نواب). ومن هنا تأتي مطالبة نبيل القروي زعيم "قلب تونس" بتشكيل حكومة "إنقاذ وطني" بإشراف رئيس الجمهورية، بما يرجّح السيناريو الأول.
  3. سيناريو الحكومة التكنوقراطية المستقلة البعيدة عن المحاصصة الحزبية برئاسة شخصية وطنية توافقية: فقد قدّم "الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية" هذا المقترح كمخرج من الأزمة السياسية الحالية، ومراعاة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، إلا أن هذا السيناريو يبدو بعيد التحقق لاعتراض أهم القوى السياسية عليه.
  4. سيناريو الانتخابات التشريعية الجديدة: يبدو هذا المشهد خياراً قوياً نتيجة لصعوبة تشكيل حكومة ائتلافية تقوم على الحد الأدنى من التوافق الضروري باعتبار تشتت وعدم تجانس مكونات الجمعية البرلمانية. ومع أن أغلب القوى الحزبية، خصوصاً التيارات الصغيرة، تخشى هذا السيناريو الذي قد يقلص مكاسبها الانتخابية، إلا أنه وارد التحقق وإن كان ليس من الضروري أن يُفضي إلى تغيير نوعي في الموازين السياسية بما ينتج عنه استمرار الأزمة السياسية في تونس بتأثيراتها السلبية على الأوضاع الاجتماعية المحتقنة.

خلاصة

تبدو أزمة تشكيل الحكومة مرشحة للتفاعل ومزيدٍ من الشد والجذب بين القوى السياسية التونسية، ومع المضي في خيار تشكيل "حكومة الرئيس"، على نحو يُرجِّح إمكانية تحقق السيناريو الأول في نهاية المطاف، فإن الجدل في تونس لا يزال محتدماً في ظل اختلاف قانوني واحتقان سياسي حول مستقبل الحكومة المقبلة وتركيبتها ووفق أي مرتكز قانوني وسياسي سيجري تشكيلها.

لقد اختار الرئيس قيس سعيد إطلاق مشاورات اختيار رئيس الحكومة اتكاءً على نص البند 89 من الدستور الذي يُفسِح المجال للرئيس التونسي لإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية "الأقدر" لتولي رئاسة الحكومة في مدة عشرة أيام، وذلك من أجل تشكيل حكومة في أجل أقصاه شهر. ومع هذا، فإن ثمة خبراء في القانون الدستوري يجادلون بأنه من غير الممكن لرئيس الجمهورية عند قيامه بالمشاورات مع الأحزاب السياسية والائتلافات الانتخابية والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر لتشكيل حكومة، "اختيار شخصية ما بمفرده وفرضها على الأحزاب، بل إنه مُطالَب بأخذ عديد المعطيات بالاعتبار وتكثيف المشاورات لتحظى بثقة المجلس"، وثمة تأكيد في السياق نفسه على أن الدستور التونسي "صَمَت في حالات عدم تشكيل الحكومة في الأجل وعدم منحها ثقة، وتعرَّض فقط إلى حق رئيس الجمهورية في حلّ البرلمان بمرور 4 أشهر على التكليف الأول دون منح البرلمان الثقة للحكومة، وهي ليست آلية، كما أنه ليس وجوباً على الرئيس حلّ البرلمان، وبالتالي بإمكانه تأويل الدستور وإعادة تكليف شخصية أخرى، ويواصل يوسف الشاهد تسيير الحكومة الحالية إلى حين تشكيل حكومة جديدة".

أحدث الإيجازات