من الأسئلة المهمَّة المطروحة التي باتت تنتظر السياسة الأمريكية مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية فيما إذا كان الرئيس الحالي، دونالد ترامب، سيقبل بهزيمته بالانتخابات، فقد أشار ترامب في مناسبات عدة إلى أنه قد لا يقبل نتيجة انتخابات الرئاسة في نوفمبر المقبل في حال هزيمته من قبل منافسه الديمقراطي جو بايدن.

طَعْنٌ مُحتَمل في نتيجة الانتخابات

بحسب معظم السيناريوهات التي تتعلق بمساء 3 نوفمبر 2020 فإنه إذا لم يتضح بسرعة أن حجم هزيمة ترامب كبير فإن من المرجح أن تطعن الإدارة الحالية بنتيجة الانتخابات في المحاكم والكونجرس. كما يرى عدد متزايد من المحللين أن ترامب قد يُعلِن فوزه في الانتخابات في تلك الليلة، استناداً إلى نتائج جزئية قبل فرز الأصوات عبر البريد. وتظهر نتيجة ما يسمى بـ "التحوُّل الأزرق"، أي تقدُّم المرشح الديمقراطي على حساب المرشح الجمهوري، متأخرة ذلك اليوم لأن من المرجح أن يقوم الديمقراطيون بالتصويت عبر البريد أكثر من الجمهوريين. وبالفعل، فقد أكد مسح أجرته شركة البيانات "تارغت سمارت"، على خلفية بدء الاقتراع المبكر للانتخابات العامة الأمريكية، ارتفاع نسبة التصويت بالبريد بين الديمقراطيين (53%) مقابل 36% للجمهوريين.

وتعمل جائحة كورونا على تفاقم كل هذه الأمور، وذلك بالدفع باتجاه حدوث تغيرات جذرية في طريقة تصويت بعض الناخبين، حيث سيرتفع عدد من سيدلون بأصواتهم عبر البريد بشكل كبير. وأظهر أحدث استطلاعات للرأي أن نحو 33% من مجموع الناخبين يُخططون للتصويت عبر البريد هذا العام. وانتقد ترامب بشدة، وعلى نحو متكرر، طريقة الانتخاب عبر البريد، مؤكداً أن هذه الطريقة عُرْضة للاحتيال دون أن يُقدِّم دليلاً مُقنِعاً على ذلك. واستخدمت ولايات واشنطن وأوريغُن وكولورادو ويوتاه التصويت عبر البريد منذ وقت بما في ذلك انتخابات الرئاسة السابقة دون حدوث الكثير من المشاكل الجوهرية. كما أنه ليس هناك أي فرق منطقي بين التصويت الغيابي والتصويت عبر البريد، لكنَّ ترامب يدعم التصويت الغيابي، حيث استخدم هذه الطريقة هو شخصياً.

وصادق مجلس النواب الأمريكي مؤخراً على مشروع قانون يحظى بدعم الحزبين لتوفير مبلغ 25 مليار دولار إضافية إلى خدمة البريد الأمريكية من أجل ضمان قدرة البريد الأمريكي على التعامل مع الأصوات الإضافية التي سترد عبر البريد. وتعهَّد ترامب باستخدام حق النقض ضد هذا القانون عند وصوله إليه. كما هاجم ترامب مؤخراً استخدام طريقة الانتخاب المبكِّر التي تسمح للناخبين بوضع أصواتهم في صناديق الاقتراع قبل يوم الانتخابات، زاعِماً أنه يمكن استخدام هذه الطريقة لترسيخ الاحتيال في الانتخابات دون أن يُقدِّم دليلاً على ذلك أيضاً.

"التحوُّل الأزرق" وتبعاتِه

قد يكون ما يُسمَّى بـ "التحوُّل الأزرق" - أي تقدُّم المرشح الديمقراطي على حساب المرشح الجمهوري - مُثيراً هذا العام بالتحديد، حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤخراً شركة "هوكفيش" التي تعمل في مجال البيانات وترتبط بالحزب الديمقراطي أن 19% فقط من مؤيدي ترامب قالوا إنهم يخططون للتصويت عبر البريد، مقارنة مع 69% من مؤيدي بايدن. وتوقعت "هوكفيش" باستخدام بيانات من استطلاعات صيف العام الجاري بأن نتائج ليلة الانتخابات قد تُظهِر تقدم ترامب بمجموع 408 من أصوات المجمع الانتخابي. لكنْ بعد أربعة أيام وفرز 75% من الأصوات عبر البريد فإن بايدن سيتقدم بفارق 280 صوت من أصوات المجمع الانتخابي. وبعد فرز كافة الأصوات فإن بايدن سيفوز بالرئاسة بحصوله على 334 صوت من أصوات المجمع الانتخابي.

وهناك احتمال قوي بوصول النزاع إلى المحاكم، واحتمال وصوله إلى الكونجرس والمحكمة العليا. ولعل من شبه المؤكد أن يصدر الإعلان عن الفائز قبل موعد التنصيب في يناير 2021 في الوقت الذي تسعى فيه الأطراف للتخفيف من حدة الاضطرابات الاجتماعية والاضرار الاقتصادية التي سيتسبب بها هذا النزاع.

ما الذي يجب مراقبته؟ (سيناريوهات محتملة)

يبرز عاملان اثنان مرتبطان ينطويان على أهمية خاصة، يتمثل أولهما في هامش الفوز؛ فكلما كان الفوز ساحقاً أصبح من الصعب على المرشح الخاسر القول بحدوث احتيال. ويُشير معظم التوقعات إلى أن الانتخابات ستكون متقاربة، حيث ستتم حسم النتيجة إلى حد كبير من قبل عدد قليل من الولايات المتأرجحة الرئيسة، وعدد كبير غير اعتيادي من الأصوات عبر البريد والتي ستؤدي إلى تأخير النتيجة النهائية.

وعلى فَرْض أن ترامب هو من سيتحدَّى النتيجة فإن العامل الثاني يَتَمَثَّلُ في مدى الدعم الذي سيحصل عليه ترامب من كبار الشخصيات في صفوف الجمهوريين مثل نائب الرئيس مايك بنس أو زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل. ويُخاطِر ترامب من دون وقوف الحزب الجمهوري خلفه بأن يبدو منفصلاً عن الواقع، لكنْ في حال وقوف صفوف الحزب خلف ترامب فإنهم قد ينجحون في نزع الشرعية عن فوز بايدن.

وفي حال تقارُب نتائج الولايات المتأرجحة فإن أول طعن سيكون في المحاكم. وقد يتقدَّم ترامب في حال فوز بايدن بفارق ضئيل باستئناف والمطالبة بإعادة فرز الأصوات عبر البريد أو رفضها. لكنَّ السابقة القانونية – على سبيل المثال في حالة بوش الابن-جور عام 2000 – تشير إلى أنه بالرغم من أن بإمكان المحاكم إصدار أمر حول إعادة فرز الأصوات أو عدم إعادة الفرز، غير أنها لن تُقرِّر الفائز بالانتخابات نظراً للطبيعة السياسية للانتخابات. وهذا يعني أن من المرجح أن ينتقل النزاع إلى الكونجرس الذي يتولى مسؤولية إحصاء عدد أصوات المجمع الانتخابي. وفي هذه الحالة فإن احتفاظ ترامب بدعم الجمهوريين في الكونجرس سيكون حاسماً.

ويتمثل السيناريو المحتمل الآخر في فوز ترامب في المجمع الانتخابي بفارق مريح، وفوز بايدن في عدد أصوات الناخبين بفارق 5% أو أكثر، الأمر الذي سيُثير دعوات لإعادة فرز الأصوات. وقد تطلب حملة بايدن إعادة فرز الأصوات في ولايات حاسمة والتي سيدعم فيها حكام الولايات الديمقراطيون مثل هذا الاجراء في الوقت الذي سيعارض فيه حكام الولايات الجمهوريون هذا الاجراء وبالتالي نقل القضية إلى الكونجرس.

لكنَّ ظهور النتيجة النهائية سيستغرق عدة أيام بسبب الحاجة إلى إعادة فرز عدد كبير من الأصوات عبر البريد. وقد تُعلِن كلتا الحملتين النصر في غضون ذلك، وقد يُثير مؤيدو الحملتين اضطرابات اجتماعية تقود إلى صدامات مع الشرطة. وتعتمد سرعة تراجُع هذه الاضطرابات على سرعة تأكيد نتائج الانتخابات.

ويتمثل سيناريو الوضع الأسوأ في حال وصول النزاع إلى الكونجرس دون ظهور فائز واضح. عندها ستكون النتيجة أقل وضوحاً. وفي حال التوصل إلى اتفاق بأنه لم يتم تحديد فائز لغاية الآن فإن رئيس مجلس النواب – نانسي بيلوسي في هذه الحالة – تتولى القيادة يوم التنصيب باعتبارها رئيساً مؤقتاً. لكنَّ سلسلة القيادة هذه قد لا تبدأ إذا ما استمر كلا المرشحين بادعاء الفوز، ما يعني أن ترامب قد يرفض تَرْك المنصب.

وستؤثر حالة الجمود هذه على كافة التشريعات بما في ذلك القرار المتعلق بالموازنة والذي سيتم تعليقه، وبالتالي احتمال إغلاق الحكومة الأمريكية مطلع عام 2021. وبما أن البلاد ما زالت تتعافى من الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا، واعتماد عشرات ملايين العائلات على إعانات البطالة المدعومة من الدولة، فإن مثل هذه النتيجة ستكون كارثية.

أحدث الإيجازات