في التاسع من أبريل الجاري بدأ الرئيس التونسي قيس سعيّد، زيارة رسمية إلى مصر استمرت ثلاثة أيام، هي الأولى له منذ توليه منصبه في أكتوبر 2019، التقى خلالها إلى جانب نظيره المصري، عبد الفتاح السيسي عدداً من المسؤولين المصريين والقيادات الروحية الإسلامية والمسيحية. وجاءت الزيارة ضمن سياق إقليمي وداخلي متغير، مصرياً وتونسياً.

تُحلِّل هذه الورقة السياقات التي جاءت فيها الزيارة، والأهداف التي وقفت خلفها، مع استقصاء القضايا التي عالجها الطرفان والنتائج التي حققتها.

سياق داخلي وإقليمي متغيّر

لم تأتِ زيارة الرئيس التونسي إلى القاهرة بشكل مفاجئ بل تم الترتيب لها منذ نحو عام كامل. ففي مايو 2020 تلقى قيس سعيّد دعوة من الرئيس السيسي لزيارة القاهرة، بيد أن تحولات جذرية شهدها الإقليم والبلدان منذ ذلك الوقت فرضت نفسها على جدول أعمال الزيارة، التي جاءت ضمن سياقات متغيرة من بينها:

  • انهيار الجولة الأخيرة من المحادثات، التي استضافتها جمهورية الكونغو الديمقراطية في كينشاسا، بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة الإثيوبي في 6 أبريل الماضي. وقد وصفت وزارة الخارجية المصرية إثيوبيا في بيان بأن لديها "افتقاراً إلى الإرادة السياسية للتفاوض بحسْن نية"، وسط تلويح الرئيس المصري باللجوء إلى الخيارات كافة في حال تمّ المساس بحق مصر في مياه النيل، وتنامي النشاط الدبلوماسي المصري لحشد التأييد لموقف القاهرة من هذه القضية على المستويين الإقليمي والدولي.
  • وجود تونس ضمن مجموعة الدول الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن الدولي، منذ بداية العام الماضي خلفاً لدولة الكويت، وستبقى في المقعد حتى نهاية العام الحالي ممثلةً للدول العربية والإفريقية إلى جانب دولة النيجر في المجلس.
  • تصاعُد الصراع بين قيس سعيّد وحركة النهضة الإسلامية ورئيس الحكومة هشام المشيشي، بعد رفض سعيّد التوقيع على قانون المحكمة الدستورية، الذي تريد النهضة تغييره لخدمة مصالحها، وقبلها رفض سعيّد قبول أداء اليمين الدستورية لعدد من وزراء الحكومة. وقد وصل الخلاف ذروته قبل يومٍ واحدٍ من بدء زيارة سعيّد إلى مصر، أي في 9 أبريل، خلال الاحتفال بعيد الشهداء، إذ سمح الرئيس التونسي لنفسه بمضايقة الغنوشي والمشيشي، من خلال تقديم رسم كاريكاتوري من بداية القرن العشرين يُظهِر تونس طريحة الفراش وطبيب يصف لها العلاج بالقول "تحتاج برلماناً محترماً وحكومة مسؤولة" في نقدٍ ضمني للغنوشي والمشيشي.
  • بدء التحول السياسي في ليبيا، بعد استقرار الوضع وتسلم حكومة عبد الحميد دبيبة لمهامها، والتي ينظر لها كخطوة إيجابية نحو بناء دولة المؤسسات، وبداية معالجة ملف خروج المقاتلين الأجانب وقوات المرتزقة الأتراك وقضايا إعادة الإعمار والإنعاش الاقتصادي.

القضايا

بحثت القمة الثنائية المصرية-التونسية عدداً من القضايا المشتركة، وبحسب البيان المشترك الذي صدر عن المباحثات بين الرئيسين السيسي وسعيّد فإنها قد "عكست مدى التقارب في وجهات النظر بين البلدين حيال مجمل القضايا"، والتي كان أبرزها وفقاً للبيان:

  • تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله ومظاهره، ومطالبة المجتمع الدولي بتبني مقاربة شاملة للتصدي لتلك الظاهرة بمختلف أبعادها الأمنية والاقتصادية، والاجتماعية والتنموية، والفكرية والأيديولوجية، ومواجهة كافة التنظيمات الإرهابية دون استثناء، وتقويض قدرتها على استقطاب أو تجنيد عناصر جديدة وتجفيف منابع تمويلها، بالإضافة إلى أهمية مواجهة الفكر المتطرف الذي يشكل تهديداً على المنطقة وشعوبها.
  • تطورات الأزمة الليبية وتشكيل السلطة التنفيذية الجديدة، وكيفية تقديم كافة أشكال الدعم لها بما يمكنها من أداء دورها في إدارة المرحلة الانتقالية، وعقْد الانتخابات في موعدها المقرر نهاية العام الجاري، وإنهاء التدخلات الخارجية وخروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الإرهابيين الأجانب من ليبيا.
  • قضية الأمن المائي المصري كونه جزءاً من الأمن القومي العربي، والتأكيد على ضرورة الحفاظ على الحقوق المائية لمصر باعتبارها قضية مصيرية، والجهود التي تبذلها مصر للتوصل إلى اتفاق عادل وشامل بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة.
  • تعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية بين البلدين، وتطوير هذا التعاون بما يحقق أهداف التنمية في البلدين، سواء على مستوى التبادل التجاري أو الاستثماري.
  • العمل على الارتقاء بالتعاون الثقافي بين البلدين في مختلف جوانبه، بما يُسهِم في تعزيز التقارب بين الشعبين التونسي والمصري، خاصة وأن للثقافة دوراً مهماً في التصدي لمخاطر التطرف الفكري التي تواجهها دول المنطقة، وجرى الاتفاق على إعلان عام 2021-2022 عاماً للثقافة المصرية-التونسية من خلال تفعيل الأنشطة الثقافية والفنية المشتركة.

نتائج الزيارة

لئن يصعب الحكم سريعاً على مدى نجاح زيارة الرئيس التونسي إلى مصر، أو مدى تحقيقها لأهدافها في الوقت الحالي، إلا إنه بالإمكان القول إن بعض أهدافها يبدو قد تحقَّق، سواء للجانب المصري أو للجانب التونسي، ويندرج ضمن هذا الآتي:

  • نجحت الزيارة في ردم الفجوة التي حصلت في العلاقات التونسية-المصرية في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013، والمواقف المعادية التي أعلنها الرئيس السابق المنصف المرزوقي، حيث تراجعت العلاقات بشكل كبير على ما كانت عليه في عهد حسني مبارك وزين العابدين بن علي قبل الثورات العربية.
  • حققت مصر نجاحاً دبلوماسياً في كسْب الصوت التونسي فى قضية سد النهضة إلى جانبها، نظراً لامتلاك تونس العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي. وقد صرَّح الرئيس التونسي بموقف قوي إزاء هذه القضية، مؤكداً أن بلاده لن تقبل أن يُمسّ الأمن المائي لمصر. وستحتاج مصر في الأيام القادمة لأكبر قدر ممكن من الأصوات الدولية والإقليمية، التي تدعم موقفها، في إطار جهودها المستمرة لحشد التأييد الدبلوماسي في الخلاف مع إثيوبيا، والذي يمكن أن يصل إلى مجلس الأمن.
  • عمَّقت الزيارة من حجم الفجوة بين الرئيس قيس سعيّد وخصومه في حركة النهضة، حيث تعتبر النهضة النظام السياسي في مصر أحد خصومها بسبب صراعه مع جماعة الإخوان. ولم تكن زيارة سعيّد للقاهرة مفاجئة بحد ذاتها، وردة فعل الإسلاميين إزاءها متوقعة لاعتبارات معروفة، لكن محتواها هو الذي أنتجَ مجموعة من الرسائل أراد سعيّد توجيهها لخصمه المباشر (حركة النهضة)، وربما تكون مؤشراً إلى ما ستؤول إليه العلاقة بينهما مستقبلاً. فقد غادر سعيّد تونس على وقع خلافات واضحة مع الحركة وحلفائها السياسيين، وعاد إليها وهو يحمل رسائل مباشرة وضمنية حول العلاقة بخصومه، بما يوحي بمواصلته إيقاف ومواجهة تعنُّت النهضة وحلفائها في مسائل محلية متعلقة بما هو سياسي وقانوني وأخرى خارجية ذات صلة بما هو استراتيجي حول القضايا والتحالفات الكبرى.
  • نجح الطرفان التونسي والمصري في تحديد موقف مشترك من الملف الليبي، الذي لا يزال رغم تسلُّم الحكومة الجديدة مهامها مفتوحاً على أكثر من مسار، بسبب وجود المقاتلين الأجانب والنفوذ التركي. وتريد القاهرة وتونس، بوصفهما جارتيْ ليبيا، الاستفادة الاقتصادية من مرحلة ما بعد الحرب، لكن النفوذ التركي، بتجلياته العسكرية والاقتصادية، يظل أحد عوائق هذه الإرادة المشتركة.

الخلاصة

كسرت زيارة الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى القاهرة الجفاءَ الذي طبع العلاقات المصرية-التونسية خلال السنوات الأخيرة. ولئن جاءت في سياقات إقليمية وداخلية متغيرة، إلا أنها حققت جزءاً من أهدافها العاجلة على الأقل، خاصة لجهة ضمان القاهرة للصوت التونسي في مجلس الأمن في قضية الخلاف مع إثيوبيا حول سد النهضة، وتوصُّل الطرفين إلى نقاط مشتركة بشأن التعاطي مع الملف الليبي وقضية المقاتلين الأجانب هناك، وكذلك التوافق حول قضايا مواجهة الإرهاب والتطرف. وهذا التجانُس يمكن أن يكون مؤشراً لما ستكون عليه العلاقات بين القيادتين، والدولتين، مستقبلاً. لكن الزيارة وما خلصت إليه، في مقابل ذلك، عمَّقت الفجوة بين سعيد وخصمه الرئيس حركة النهضة، ما يُوحي بأن العلاقات بينهما قد وصلت نقطة اللاعودة.

أحدث الإيجازات