أضافت نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي التي أجريت في ولايتي أيوا (3 فبراير الجاري 2020) ونيوهامشير (11 فبراير) بُعداً جديداً للأزمات التي يواجهها الحزب وسلسلة إخفاقاته المتوالية، والتي كان آخرها تبرئة مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الجمهورية الرئيس دونالد ترامب من تهمتين وجههما إليه مجلس النواب ذو الأغلبية الديمقراطية بإساءة استخدام السلطة، وعرقلة عمل الكونجرس، وعزَّز هذا المأزق ارتفاع نسبة التأييد الشعبي لترامب لتصل إلى أعلى معدلاتها منذ أدائه اليمين الدستورية في العشرين من يناير 2017، ربما على خلفية نجاحاته في تحسين الأوضاع الاقتصادية لمعظم الأمريكيين.

وكشفت نتائج الانتخابات التمهيدية بالولايتين عن احتدام حالة الانقسام داخل الحزب الديمقراطي بعد فوز المرشح التقدمي بيرني ساندرز بالمرتبة الثانية في انتخابات أيوا وبالمرتبة الأولى في انتخابات نيوهامشير، ما أثار مخاوف نخبة الحزب التي بدأت تتبنى سياسات من شأنها تقويض صعود ساندرز، والبحث عن بديل له ليكون مرشَّح الحزب في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في نوفمبر المقبل.

صعود نجم السيناتور ساندرز

على الرغم من التنافس المحتدم داخل الحزب الديمقراطي بين الطامحين للفوز ببطاقة الحزب للانتخابات الرئاسية المقبلة، وعدم انعكاس نتائج انتخابات ولايتي أيوا ونيوهامشير على مسار الانتخابات التمهيدية في باقي الولايات الأمريكية، إلا أن كثيراً من استطلاعات الرأي للناخبين الديمقراطيين تُشير إلى أن السيناتور بيري ساندرز هو الأقرب لأن يكون مرشَّح الحزب ضد الرئيس ترامب الساعي للفوز بولاية رئاسية ثانية.

وكشفت نتائج استطلاع للرأي أجرته صحيفة "واشنطن بوست" وشبكة "أيه بي سي" الإخبارية، ظهرت نتائجه في 19 فبراير الجاري، عن ارتفاع نسبة تأييد الديمقراطيين في أنحاء البلاد لساندرز، لتصل إلى 32% بزيادة قدرها 8% عن استطلاع مماثل أُجري في يناير الماضي (2020). وقال 30% مِن المُستطَلع أراءهم أن المرشح الديمقراطي الاشتراكي لديه فرصة أفضل لهزيمة الرئيس ترامب، مع ملاحظة أن نسبة مُعتنقي هذا الرأي كانت 18% فقط في استطلاع يناير الماضي. ويتقدم ساندرز وفقاً لنتائج الاستطلاع بنسبة 16% عن أقرب منافسيه، نائب الرئيس الأمريكي السابق جون بايدن. كما أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجرته جامعة مونموث في 11 فبراير الجاري تقدُّم ساندرز بين الديمقراطيين على مستوى البلاد بنسبة 72%. ويشير استطلاع آخر أجرته جامعة كوينيبياك ظهرت نتائجه في هذا الشهر أيضاً إلى نتائج مماثلة لصالح ساندرز، فضلاً عن كشف هذه الاستطلاعات أن ساندرز يتمتع بتأييد واسع خارج تياره الأيديولوجي.

وتتزايد فرص فوز ساندرز ببطاقة الحزب الديمقراطي بعد خسارة بايدن في الانتخابات التمهيدية في ولايتي أيوا ونيوهامشير، حيث احتل هذا الأخير المركز الرابع في الأولى والخامس في الثانية، إلى جانب عدم قدرة بيت بوتيجيج الذي جاء في المرتبة الأولى في انتخابات أيوا، والثانية في انتخابات نيوهامشير على الفوز بدعم الناخبين السود واللاتينيين في الانتخابات المقبلة، ناهيك عن عدم قدرة بوتيجيج على توفير دعم مالي كبير لإدارة حملة انتخابية في الولايات الأمريكية، وصعوبة قبول الأمريكيين لمرشح "مِثلي" لمنصب الرئيس. وفي الوقت ذاته، أظهرت نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2016، عدم تقبُّل الأمريكيين لأن تكون امرأة رئيسة للولايات المتحدة، الأمر الذي يحد من فرص أن تصبح سيدةٌ هي مرشحة الحزب في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

المخاوف التي أثارها فوز ساندرز

أثار فوز بيرني ساندرز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولايتي أيوا نيوهامشير هَلَعَ تيار الوسط داخل الحزب بفعل مخاوفهم من إمكانية الخسارة في الانتخابات الرئاسية أمام ترامب، فضلاً عن تأثيراته المحتملة على فرص فوز الديمقراطيين في انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب، ما دفع مُرشَّحي الحزب من تيار الوسط إلى إنفاق مبالغ كبيرة على حملات إعلانية مناهضة لساندرز في الولايات التي ستشهد انتخابات تمهيدية في هذا الشهر من أجل تقويض فرص فوزه فيها.

وقد تجلَّت مخاوف نخبة الحزب الديمقراطي من فوز ساندرز في تجاهل تركيز وسائل الإعلام الداعمة لها فوز هذا السيناتور الاشتراكي في انتخابات نيوهامشير، وعوضاً عن ذلك ركَّزت على الفائزة بالمرتبة الثالثة في الانتخابات إيمي كلوباتشار، والتي نالت التغطية الإعلامية الأكثر كثافة، بالإضافة إلى المرشَّح الذي جاء في المرتبة الثانية بيت بوتيجيج.

وثمة مخاوف بين النخبة الديمقراطية من أن يؤدي فوز ساندرز ببطاقة الحزب في الانتخابات المقبلة إلى إضعاف فرص الحزب بالاستحقاق الانتخابي الرئاسي، بالنظر إلى أن كثيراً من القضايا الانتخابية التي طرحها ساندرز، مثل استبدال التأمين الصحي الخاص بواحدٍ تُديره الحكومة، لا تلقى قبولاً بين نخبة الحزب الذي صار منذ فترة طويلة مرتبطاً بقطاعات ذات مصالح كبري، وخصوصاً قطاع المال الذي يمول الحزب، وكذلك بين الناخبين المعتدلين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، والذين سيكونون حينئذ أمام قرار صعب؛ يتمثل في الاختيار بين ترامب غير المُفضَّل لهم، أو السياسات التي يرفضونها.

ويتخوف الخبراء الاستراتيجيون في الحزب الديمقراطي من أن تتسبَّب سياسات ساندرز التقدُّمية وهويته الاشتراكية في إثارة حفيظة قاعدة ترامب الانتخابية، بحيث تدفعها إلى مزيد من التأييد له، فضلاً عن كونها قد تُفقِد الحزب الديمقراطي المستقلين والمعتدلين الجمهوريين الذين ساندوا مرشَّحيه في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي أجريت في نوفمبر 2018. ووفق هذا المنظور، سيؤدي وجود اسم ساندرز على بطاقة الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية إلى خسارة الديمقراطيين عدداً من مقاعد مجلسي النواب والشيوخ في وقت يسعى الحزب إلى تعزيز أغلبيته في مجلس الأنواب، والحصول على الأغلبية في الكونجرس، ولاسيما في الولايات المتأرجحة التي فازوا بها في انتخابات 2018، والتي تضم العديد من الناخبين اللاتينيين الذين تُذكِّرهم كلمة "اشتراكي" بالنُّظم السلطوية التي فَرُّوا منها.

الحزب الديمقراطي ومأزق البحث عن بديل

مع تزايد احتمالات فوز ساندرز في الانتخابات التمهيدية بعد أدائه المُلفِت في ولايتي أيوا ونيوهامشير، وتصاعد التأييد له بين الديمقراطيين، تُسارِع نخبة الحزب في البحث عن مرشَّح من الوسط يستطيع أن يحل محل "بايدن"، الذي كان يُعوَّل عليه للحصول على تسمية الحزب ومنافسة ترامب، بعد خسارته في الولايتين. وإن كان هناك تحليلات تشير إلى بايدن لا يزال يحتفظ بفرصةٍ للفوز في الانتخابات المقبلة.

وتتجه أغلب التوقُّعات صوب الملياردير وعمدة مدينة نيويورك السابق وأحد مرشحي تيار الوسط بالحزب، مايكل بلومبرج، الذي تصاعدت أسهمه بعد خسارات بايدن المتتالية، وخصوصاً مع قرار بلومبرج عدم خوض الانتخابات في الولايات المبكرة، والاستثمار بكثافة في ولايات "الثلاثاء السوبر أو الكبير"، حيث ستُجرى الانتخابات في 3 مارس في 14 ولاية، إلى جانب تصويت الناخبين الأمريكيين المُقيمين خارج الولايات المتحدة، وهي استراتيجية غير تقليدية ومحفوفة بالمخاطر. ويُروِّج بعض الأوساط الديمقراطية الداعمة لبلومبرج بأنه قام بإنجازات حقيقية خلال توليه منصب عمدة مدينة نيويورك، وأنه شخصية غير أيديولوجية، لكن سجله يكشف أنه أكثر واقعية، وذو ميول ليبرالية في كثير من القضايا التي تهم قطاع كبير من الناخبين الأمريكيين، فضلاً عن قدرته على تمويل حملة انتخابية ناجحة من ماله الخاص. إلا أن هناك العديد من التحديات التي قد تواجه ترشُّح بلومبرج، ومنها تاريخه ومواقفه وتصريحاته السابقة.

ومهما يكن من أمر، من المرجَّح أن استمرار محاولات نخبة الحزب الديمقراطي لعرقلة فوز ساندرز سيكون لها تداعيات سلبية كبيرة على الحزب، وعلى فرص فوزهِ في انتخابات نوفمبر المقبلة، إذ إنها قد تزيد من مخاطر الانقسام داخل الحزب، واتساع الفجوة بين نخبة الحزب التي تبحث عن بديل لساندرز، والقاعدة الحزبية والجماهيرية التي تؤيد ترشُّحَه. ناهيك عن أن دفع الحزب بمرشح غير ساندرز كما حصل في انتخابات نوفمبر 2016، سيجعل قاعدته الشعبية تُحجِم عن النزول إلى الانتخابات والامتناع عن التصويت لصالح مُرشَّح آخر، أو قد تتجه للتصويت لصالح ترامب كما حدث في الانتخابات السابقة.

خلاصة واستنتاجات

لا يزال التنافس على أشُدِّهِ بين الديمقراطيين المُتسابقين للفوز ببطاقة الحزب في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في نوفمبر من هذا العام، وسيبقى هذا التنافس مفتوحاً على كل الاحتمالات. فعلى الرغم من تقدُّم بيرني ساندرز في الانتخابات التمهيدية التي أجريت في أيوا ونيوهامشير، وظهور توقعات بفوزه في انتخابات الولايات القادمة، فإنه لا يزال من غير الواضح مَنْ سينال ترشيح الحزب، وما إذا كان من تيار الوسط أو من الجناح التقدُّمي بالحزب.

ومع تزايد احتمالات فوز ساندرز في الانتخابات التمهيدية يواجه الحزب الديمقراطي أزمةً تُهدد من جهةٍ فرصَ فوزه بانتخابات الرئاسة والكونجرس في آنٍ معاً، وتُلقي من جهةٍ أخرى بظلالٍ قاتمة على تماسك الحزب الداخلي، إذ إن فوز ساندرز سيزيد من خطر الانقسام داخل الحزب وتَشَتُّت قاعدته الجماهيرية في وقتٍ غير مناسب على الإطلاق.

* باحث مختص في الشؤون الأمريكية.

 

أحدث الإيجازات