في الأشهر القليلة الماضية، تنامت مؤشرات توجه الدولة المصرية نحو تفعيل دورها وعلاقاتها بدول المشرق العربي، وتحديداً العراق والأردن، إذ عَقَدَ المسؤولون المصريون عدداً من اللقاءات والاجتماعات مع نظرائهم في البلدين، وكان بعض تلك اللقاءات ذا طابع ثلاثي، أي أنها جمعت مسؤولي الدول الثلاث، من قبيل لقاءات القمة بينهم في كلٍّ من القاهرة وعمان ونيويورك.

وتُسلِّط هذه الورقة الضوء على دوافع هذا التوجه المصري الجديد، والفرص المتوقعة، وآفاق التعاون بين الدول الثلاث.

الدوافع

تتفرع أهم دوافع التوجه المصري نحو المشرق العربي، إلى مستويين أساسيين، أولهما يتصل بالوضع المصري الداخلي، والثاني بما تتأمل تحقيقه القاهرة من تعزيز روابطها مع دولتين عربيتين مهمتين كالأردن والعراق.

أولاً، الدوافع المتصلة بالوضع المصري الداخلي

  1. سعي مصر لاستغلال الأوضاع السياسية والأمنية في الداخل المصري، وذلك عقب إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي بولاية ثانية عام ٢٠١٨، وتعديل دستور ٢٠١٢ للمرة الثانية عام ٢٠١٩، وكذلك استغلال الانحسار الكبير الذي شهدته مستويات العنف الداخلى الذي قادته جماعة الإخوان المسلمين، والعناصر المتشددة التابعة لتنظيم داعش خاصة في سيناء، وذلك كله بالعمل على دعم البنية الاقتصادية للدولة المصرية، باللجوء إلى الخارج.
  2. اهتمام مصر باستغلال قوتها الناعمة للعمل على تحقيق مصالحها الاقتصادية وربما السياسية، وذلك باستغلال القوة المصرية البشرية، وخبرتها الفنية في مجالات الإسكان والطاقة والنقل والصحة والزراعة والري والتخطيط العمراني والصناعة والتجارة والتعدين والاتصالات وتدريب الكوادر في مجالات شتى.

ثانياً، الدوافع المرتبطة بكلٍّ من العراق والأردن

  1. عراقياً، هناك رغبة مصرية في الاستفادة من مساعي العراق لاستثمار موارده النفطية في تحقيق التنمية الاقتصادية، وهو البلد الذي في أمس الحاجة للخروج من شرنقة الأزمات الداخلية المتتالية، وبعض تلك الأزمات يراها صانع القرار المصري ذات طابع سياسي وآخر أمني، وفي كل ذلك تشتبك الأوضاع الداخلية مع الأوضاع الخارجية المرتبطة بالجارة الإقليمية للعراق (إيران)، وبالقوى الكبرى الموجودة على الأرض (الولايات المتحدة). كما أن القاهرة تشجع ميل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمى إلى وضع خطوط حمراء أمام محاولات تركيا لخوض مغامرات جديدة في الساحة العراقية. وكما يفعل مع إيران، يرغب الكاظمى في توجيه رسائل واضحة إلى تركيا، بأن هناك قوى عربية فاعلة يمكن الاعتماد عليها لموازنة أي مساعي تركية للتدخل في الشأن الداخلي للعراق.
  2. وأردنيًا، تدرك مصر مكانة الأردن الفريدة في التعاون الثلاثي المصري-العراقي-الأردني، من زاوية وجود فعلي للجنة مصرية-أردنية مشتركة منشأة منذ عام 1985 تعقد اجتماعات دورية ومنتظمة، كان آخرها في مارس 2021. وقد أثمر هذا التعاون عن توقيع 147 اتفاقية، منها 44 اتفاقية في مجال التعاون الاقتصادي والتجاري والفنى والمالي والاستثمار. وهناك رغبة مصرية في أن يكون ضمّ العراق للشراكة بين مصر والأردن، فرصة لاستفادة الأردن من هذا التعاون باعتباره معبرًا وحلقة الوصل بين مصر والعراق، بما يفيد البلدان الثلاثة في هذا المضمار.

الفرص

من المنتظر أن يجلب التعاون الثلاثي بين مصر والعراق والأردن العديد من الفرص، من أهمها الآتي:

  1. تأسيس فكرة "الشام الجديد" التي صرح بها مؤخرًا رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، والرامية لتعزيز مسار التنمية في الدول الثلاث، المتصلة جغرافيًا، والتي ستبدأ بإنشاء خط بري متصل لنقل الأفراد والبضائع بين تلك البلدان. وفكرة الخط تتضمن سريان خط نقل الأفراد عبر شركات تملكها الدول الثلاث بأسماء مختلفة، من قبيل شركة الاتحاد العربي للنقل البري (سوبرجيت) في حالة مصر، وشركة جت في حالة الأردن، والشركة العامة لنقل المسافرين والوفود في حالة العراق.
  2. الاتفاق على الربط الكهربائي بين البلدان الثلاث، وذلك بضم العراق إلى هذا الاتفاق، ما يفيد الأخير للحد من الأزمة الناجمة عن أثر السدود التركية على دجلة والفرات على توليد الطاقة الكهرومائية، والاستفادة من الخبرات المصرية في هذا المجال.
  3. التعاون في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتوظيف الإمكانات المتوافرة لدعم البنية التحتية الرقمية، من خلال الاستفادة من شبكات الكابلات الدولية المصرية وربطها بالأردن والعراق.
  4. نقل الخبرات المصرية للبلدين، وخاصة للعراق، فيما يتصل بالامتدادين العمراني والسكاني، وتأسيس الطرق والمحاور، لاسيما بعد نجاح مصر في تأسيس عاصمة إدارية جديدة، وقفزها أكثر من 50 درجة على السلم الدولي الخاص بسلامة النقل والطرق. ويرتبط بكل ما سبق، استثمار الخبرة المصرية في إعادة الإعمار في العراق. 
  5. زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدان الثلاثة، من خلال تبادل السلع والخدمات، وبما يعظم القدرة المصرية في تشغيل العمالة، واستفادة العراق والأردن ومصر من التكامل السلعي.
  6. زيادة عدد العاملين المصريين بالعراق، وتحسين ظروف عملهم في الأردن. والجدير بالذكر أن في الأردن اليوم نحو 600 ألف مصري، وفي العراق نحو 150 ألفاً. وتأمل مصر أن يعود العمال المصريين في العراق، إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل غزو الكويت في مطلع التسعينيات، وذلك بعد أن انقطعت السبل بعشرات الآلاف ممن كانوا يعملون في ليبيا، بسبب الأوضاع الأمنية هناك.

التوقعات

في الأسابيع القليلة المقبلة، يتوقع قادة مصر والأردن والعراق أن يلتحق الأخير بركب التعاون المثمر بين مصر والأردن، بعد أن فات العراق الكثير خلال العقود الثلاثة الماضية جراء توقف عمل اللجنة المشتركة المؤسسة عام 1989 بينه وبين مصر، وأن يكون ذلك عبر ضم العراق إلى الاتفاقات ومذكرات التفاهم الموقعة في مجال التعدين، والموارد المائية، والآثار، ومراقبة الشركات، والتنمية الحضرية، وغيرها. ويرى مراقبون أن التعاون بين البلدان الثلاثة، رغم كونه تعاونًا ذا طابع اقتصادي واجتماعي، إلا أنه من المتوقع لاحقًا أن يكون هناك تعاونًا أمنيًا في مجال مواجهة العنف والإرهاب، وكذلك تعاون سياسي في مجالات شتى على رأسها تنسيق المواقف في المنظمات الدولية، ومحاصرة النفوذ ومواطئ الأقدام التي تسعى بعض قوى الجوار العربي أن تقوم بها في العراق. 

أحدث الإيجازات