أزمة الاقتصاد التركي: انهيار الليرة وتفاقُم الديون

مركز الإمارات للسياسات | 07 أكتوبر 2020

لا يزال الاقتصاد التركي يُعاني من آثار الأزمة المالية التي بدأت عام 2018 والتي تفاقمت مع جائحة كورونا، ومن أبرز مظاهرها انهيار قيمة الليرة التركية رغم كل إجراءات البنك المركزي، وتراجُع الاستثمارات الخارجية والتمويل الأجنبي، والعجز عن سداد الديون المستحقة على الحكومة والشركات التركية.

تَستعرِض هذه الورقة واقع الاقتصاد التركي ومؤشراته حتى نهاية شهر سبتمبر 2020.

تقلُّبات الليرة وقرارات البنك المركزي

فشلت الحكومة التركية خلال شهر سبتمبر المنصرم في السيطرة على ما بات يُعتبر أهم مؤشر على صحة الاقتصاد التركي، وهو تثبيت سعر الليرة التركية أمام الدولار، حيث وصل سعر الدولار الواحد إلى رقم قياسي جديد هو 7.71 ليرات، واضطر البنك المركزي في اجتماعه بتاريخ 24 سبتمبر إلى رفع أسعار الفائدة 200 نقطة أساس لتصل إلى 10.25%، مما دفع إلى تعزيز سعر الليرة، فانخفض سعر الدولار أمامها إلى 7.57 ليرات، وهو ما فتح شهية المستثمرين الأجانب لشراء الدولار بسعر أرخص من أجل الخروج من السوق التركية، وفتح شهية المواطنين الأتراك الذين يريدون تحويل مدخراتهم إلى دولار، وكذلك الشركات التي تريد دفع ديونها الخارجية، فازداد الطلب على الدولار مع تراجعه سعره أمام الليرة، لتعود الليرة - وفق عملية العرض والطلب - إلى الانخفاض من جديد في آخر سبتمبر لتصل هذه المرة إلى 7.8 ليرات للدولار، في رقم قياسي جديد يؤكد عدم فائدة خطوة البنك المركزي وقُرْب خروج الأمر عن السيطرة.

وبذلك اتضح أن تدخل البنك المركزي برفع الفائدة لم يستمر تأثيره أكثر من يومين فقط، مما زاد من القناعة بأن آليات تدخل الحكومة للسيطرة على الوضع المالي باتت محدودة جداً. ومع رفع سعر الفائدة داخلياً، وتخفيف القيود على خروج الليرة التركية إلى الأسواق الخارجية عن طريق آليات التبادل المالي swap، تكون الحكومة التركية قد أعلنت اعترافها بخطأ خطواتها التي أقدمت عليها سابقاً بخفض سعر الفائدة ومنع خروج الليرة، وهو ما يعني أن السوق المالية التركية تريد المصالحة مع المستثمرين في الخارج والداخل وتصحيح الأوضاع.

وبالإضافة إلى الهجوم الذي حصل على شراء الدولار في الأسبوع الأخير من سبتمبر الفائت بعد تراجع سعره، سارع الأتراك إلى تحويل مدخراتهم إلى مخزونات الذهب، وأكبر دليل على ذلك هو استيراد تركيا ذهباً في شهر أغسطس 2020 بقيمة 4.2 مليار دولار. وهي جميعها مؤشرات قوية على تراجُع كبير في الثقة بالليرة التركية، وفي قدرة البنك المركزي على الوفاء بالتزاماته وقدرته على التدخُّل لضبط السوق، خصوصاً مع تراجع احتياطاته الحقيقية إلى سالب 32 مليار دولار، ووصول نسبة إعادة تدوير الديون الخارجية التركية إلى 75%.

تطورات الأسواق

بعد أن كانت أسعار الفائدة قد زادت على السندات التركية في بداية شهر سبتمبر ومنتصفه، تراجع سعر الفائدة على السندات الحكومية التركية بنسبة 1% بعد قرار البنك المركزي، إذ أصبحت نسبة الفائدة على السندات الحكومية لعشر سنوات 13%، كما تراجعت نسبة التأمين على القروض التركية الأجنبية CDS من 560 نقطة إلى 520 نقطة. كما ارتفع مؤشر البورصة بناءً على قرار البنك المركزي في الأسبوع الأخير من سبتمبر المنصرم من 1076 نقطة إلى 1124 نقطة، لكنْ رغم ذلك استمر خروج المستثمرين الأجانب من بورصة إسطنبول، فيما زاد إقبال المستثمرين المحليين على شراء أسهم البنوك التركية. ويجب لفت الانتباه إلى أن القروض الميسَّرة التي دفعت بها الحكومة إلى التجار عبر البنوك الحكومية مع تأجيل السداد ستة أشهر، قد بدأ موعد استحقاق دفعاتها في شهر سبتمبر 2020 وما يليه من أشهر، وعليه فإنه من المتوقع أن ينشغل التجار بدفع أقساط قروضهم عن توسيع أعمالهم التجارية، وهو أيضاً ما سيؤثر في النمو سلباً خلال الربع الرابع من هذا العام.

في المقابل استمر الارتفاع الحاصل في أسعار العقارات، بسبب التسهيلات الحكومية في قروض السكن وخفض الفائدة في الأشهر السابقة، حيث زاد ارتفاع أسعار العقارات خلال شهر سبتمبر بنسبة 1.4%، وسنوياً 25.8%، لكن من المتوقع مع ارتفاع أسعار الفائدة من جديد وزيادة ارتفاع سعر الدولار (تراجع سعر الليرة) أن يتراجع الإقبال على شراء العقارات أيضاً. وقد تراجَع عدد مبيعات العقارات من 229 ألف عقار في أغسطس 2020 إلى 170 ألف فقط خلال سبتمبر من العام نفسه، ومن المتوقع أن يتراجع الرقم في الأشهر المقبلة إلى 120 ألف، ليعود إلى حجمه الطبيعي. وما يزال نصيب العقارات الجديدة من هذه المبيعات عند 30% فقط.

ميزانا المدفوعات الخارجية والداخلية

بلغت الصادرات التركية خلال شهر يوليو الماضي 15 مليار دولار مقابل 17.7 مليار دولار واردات، وبذلك يكون العجز في ميزان التجارة الخارجية قد بلغ خلال الأشهر السبعة من هذا العام 26.6 مليار دولار، لكن من المتوقع أن يتراجع حجم هذا العجز خلال الأشهر المقبلة بسبب ارتفاع أسعار النفط، وتراجُع سعر الليرة التركية، وفرض المزيد من الضرائب في تركيا. كما تراجع عدد زوار تركيا من السياح في أغسطس 2020 مقارنة بالعام الماضي (2019) إلى 70%، وسنوياً إلى 74%، ومع أن الموسم السياحي في تركيا يستمر حتى نهاية أكتوبر، إلا أنه من غير المتوقع أن يشهد تحسناً مع زيادة حالات الإصابة بفيروس "كوفيد-19" في أوروبا وتركيا معاً.

وبسبب سياسة البنك المركزي لدعم سعر الليرة، تراجعت احتياطات البنك المركزي من العملة الأجنبية إلى سالب 31.5 مليار دولار، بينما مطلوب من تركيا دفع ديون خارجية خلال الشهور الاثني عشر المقبلة بقيمة 176.5 مليار دولار.

من جهة ثانية، استمر العجز في ميزانية الحكومة السنوية، ولكن مع تراجُع أسعار الفائدة في الأشهر السابقة وما أدى إليه من بيع للسيارات ورفع الحكومة الضرائب على بيع السيارات، فإن محصلة هذه الضرائب في أغسطس 2020 دفعت إلى زيادة في الميزانية الشهرية بفارق بلغ إلى 28 مليار ليرة، وبالتالي فإن العجز في الميزانية السنوية وصل إلى 109 مليارات ليرة، ومن المتوقع أن يصل هذا العجز في الميزانية بنهاية العام الجاري إلى رقم قياسي هو 140 مليار ليرة.

لكن نسبة الديون بالدولار لخزينة الدولة من عموم ديونها ارتفعت إلى 54.5%، وهو ما يُعيد تركيا إلى أرقام عام 2003. وهذا الرقم من الديون الداخلية بالدولار لا يشمل مدفوعات الحكومة للشركات الخاصة المتعاقدة مع الحكومة في مشاريع كبيرة. ومع احتمال تراجُع سعر الليرة في الأشهر المقبلة فإن نسبة الديون الداخلية بالدولار سوف تزداد. وبذلك تكون نسبة الدين الحكومي من الدخل القومي ارتفعت إلى 40.5%، وهي أعلى نسبة منذ عام 2009. ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 42% خلال العام المقبل، مع سياسة الحكومة في سداد الديون المعدمة للبنوك الحكومية وتحويل هذه المدفوعات إلى وزارة المالية.

المؤشرات الاقتصادية

انكمش الاقتصاد التركي في الربع الثاني من هذا العام بنسبة 9.9%، لكن مع تخفيف القيود على الحركة التجارية في الربع الثالث فإنه من المتوقع أن يعود النمو إلى الارتفاع في الربع الثالث. وتشير المؤشرات إلى ارتفاع حركة البيع بالتجزئة والعقارات ومواد البناء والمنتجات الصناعية. وخلال شهر أغسطس الماضي أُعلن عن ارتفاع معدل التضخم بنسبة 0.86%، مما يجعل معدل التضخم السنوي يصل إلى 11.77%، ومن المتوقع أن يصل في نهاية العام الجاري إلى 12.8%.

كما بلغت نسبة البطالة خلال الأشهر الثلاثة الماضية 13.4%، أي ما يقارب 4.1 ملايين شخص. ويرتفع هذا الرقم إلى 10.2 ملايين شخص إذا ما تمت إضافة أعداد العاطلين الذين توقفوا عن التقدُّم بطلبات عمل. كما يمكن إضافة 3.5 ملايين شخص آخرين تم وقف أجورهم بسبب الجائحة، من المتوقع أن يفقدوا أعمالهم في شهر أكتوبر الجاري بعد انتهاء المهلة التي منعت الحكومة فيها طرد أي موظف من عمله بسبب الجائحة.

وأعلن معهد الإحصاء التركي عن تحسُّن في مؤشر ثقة المستهلك من 60 إلى 82 نقطة من أصل 200، ويُعزى هذا الارتفاع في مؤشر ثقة المستهلك إلى تغيير معهد الإحصاء طريقة احتساب المؤشر، مما دفع بزيادته 20 نقطة دفعة واحدة نتيجة هذا التغيير الذي سعت إليه الحكومة من أجل تحسين أرقام الاقتصاد. ورغم هذا الارتفاع فإن أرقام المؤشر ما زالت سلبية، أي تحت 100 نقطة منذ عامين مع بداية الأزمة الاقتصادية الحالية.

وفي تقريرها عن وضع اقتصاد تركيا الائتماني خفَّضت مؤسسة موديز Moody’s وضع الاستثمار في تركيا إلى B2، وهو أخْفَض تقييم لتركيا منذ عام 1990؛ فهذا الرقم يُحذِّر من الاستثمار في تركيا، ويشير إلى احتمال لجوء تركيا إلى عدم القدرة على سداد ديونها الخارجية أو فرض قيود على التعامل بالدولار في تركيا. كما أعلنت السفارة الأمريكية في أنقرة أن شركات الدواء التركية عجزت عن سداد ديونها لشركات الدواء الأمريكية خلال عام بمقدار 2.3 مليار دولار، وأنه في حال تأخر الدفع أكثر من ذلك فإن شركات الدواء الأمريكية ستُوقف صادراتها إلى الشركات التركية، وهو ما اعترض عليه وزير الصحة التركي فخر الدين قوجه الذي اعتبر البيان خارجاً عن الآداب الدبلوماسية ووعد بحل المشكلة قريباً، لكن في المقابل بلغت ديون وزارة الصحة لشركات الصحة والدواء التركية أكثر من 20 مليار ليرة.

خلاصة وتوقُّعات

في حال عدم إيجاد الحكومة التركية حلاً لأزمة الليرة والتمويل الخارجي قريباً، فإن الليرة التركية ستواجه أزمةً جديدة قد تهوي بسعرها إلى 8.5 ليرات للدولار. وفي حال استمر الوضع على هذه الحال، فإن هذا سيؤدي إلى إفلاس عدد أكبر من الشركات التي لن تستطيع سداد ديونها الخارجية بسبب هذا السعر للدولار والركود الاقتصادي وجائحة كورونا، الأمر الذي سيزيد من أزمة البطالة.

وهذا الوضع سيكون له انعكاسات سلبية على البنوك التي زادت فيها نسبة القروض غير المُسدَّدة، كما سيكون له انعكاسات قوية على الوضع السياسي واستقرار الحكومة؛ لذا فإن الحكومة التركية تبدو مضطرة لتقديم تنازلات دبلوماسية في السياسة الخارجية، خصوصاً في علاقاتها بواشنطن من أجل إيجاد حلٍّ لأزمتها الاقتصادية الحالية.

أحدث الإيجازات