أقالَ الرئيسُ التركي رجب طيب أردوغان في نوفمبر الماضي صهره وزير المالية برات البيرق بشكل مُهين على نحو أدى إلى أزمة سياسية داخل الحزب الحاكم وخسارة أردوغان ذراعه اليمنى فيه، إذ قدَّم أردوغان صهره كبش فداء معلناً فشل سياساته الاقتصادية. وسيكون لهذا الأمر تبعاته السلبية على تماسُك الحزب الحاكم بعد عملية تصفية الرجال المحسوبين على صهر أردوغان، وسيؤدي إلى زيادة نفوذ القوميين داخل الحزب وفي مؤسسات الحكم.

أزمة استقالة البيرق

في 7 نوفمبر 2020، أقال الرئيس أردوغان، بشكل مفاجئ، محافظ البنك المركزي التركي، مراد أويصال، دون إبداء أسباب، وعيَّن مكانه مستشاره الاقتصادي ناجي أغبال. وجاءت هذه الخطوة دون علم أو تنسيق مع وزير المالية برات البيرق صهر الرئيس أردوغان، وتم الكشف لاحقاً عن أن قرار الإقالة جاء بعد اجتماع عقده أردوغان مع أويصال وناجي أغبال في القصر الرئاسي استعرض خلاله الوضع الاقتصادي والمالي، وجاءت الأرقام التي قدمها أويصال مخالفة لتلك التي قدمها أغبال، خصوصاً فيما يتعلق باحتياطات البنك المركزي من النقد الأجنبي.

وقد احتج البيرق على هذه الخطوة، التي تعني إعلان فشله في إدارة الاقتصاد وتحويل جزء من صلاحياته المتعلقة بالبنك المركزي لصالح أغبال. وسارع البيرق إلى تقديم استقالته عبر حسابه على انستغرام بعد بلوغه معلومات عن نية الرئيس أردوغان إعفاءه من منصبه، حيث أمر أردوغان بإغلاق حساب البيرق على تويتر. واختفى البيرق عن الأضواء بعد هذه الاستقالة حتى اليوم. فيما لم يرد أي تعليق من أردوغان والرئاسة على استقالة البيرق لمدة 72 ساعة كاملة تم فيها إخفاء الخبر عن الإعلام الموالي لأردوغان، وحتى قناة الجزيرة القطرية، لحين صدور بيان من القصر الرئاسي أكد "قبول طلب البيرق إعفاءه من منصبه". وبعدها خرج أردوغان ليؤكد أن على تركيا "أن تتجرع الدواء المرّ من أجل إنقاذ الاقتصاد التركي"، مشيراً إلى سماحه أخيراً للبنك المركزي برفع أسعار الفائدة من جديد من أجل إنقاذ سعر الليرة التركي الذي تهاوى إلى 8.5 ليرات للدولار الواحد.

وتشير هذه الأزمة إلى اعتراف صريح من أردوغان بفشل سياساته الاقتصادية، فعلى الرغم من محاولة تحميل أردوغان لصهره البيرق مسؤولية ما وصل إليه الوضع الاقتصادي، إلا أن جميع الخبراء الاقتصاديين يؤكدون أن المسؤول الأول هو أردوغان الذي كان يرفض أي نقاش حول ضرورة رفع سعر الفائدة البنكية، وأن البيرق كان ينفذ هذه السياسة، لكنه أخفى عن أردوغان حقيقة الوضع المالي كي لا يظهر وكأنه فشل في التوفيق بين رغبة أردوغان وإنقاذ الاقتصاد التركي.

كما سيكون لهذه الأزمة انعكاس سياسي خطير على حزب العدالة والتنمية الحاكم، خصوصاً أن أردوغان كان يمهد "لتوريث البيرق زعامة الحزب من بعده"، إنْ هو قرر التخلي عن زعامة الحزب والاكتفاء بمنصب رئيس الجمهورية. وكان البيرق قد دخل في تنافس وصراع سياسي مع خصمه في الحزب وزير الداخلية سليمان صويلو، المحسوب على التيار القومي، من أجل السيطرة على أجنحة الحزب ومؤسسات الدولة. فالبيرق كان يتولى أمور القضاء في الخفاء، ويشل حركة وزير العدل عبد الحميد غول، ويتدخل أيضاً في تعيينات أجهزة الأمن وقيادات الحزب. وعليه فإن خروج البيرق من الصورة، يعني صعوداً مهماً لوزير الداخلية صويلو الذي لا يثق به أردوغان، ويَعتبره مفروضاً عليه من قبل حليفه القومي دولت باهشلي.

وعلى الرغم من التحالف الحاصل حالياً بين أردوغان وباهشلي، فإن كليهما لا يثق في الآخر، ويعلمان أن تحالفهما مصلحي، فيما يحاول كل طرف الاستحواذ قدر الممكن على أجهزة الدولة، إذ يُعيّن أردوغان الإسلاميين ومُنتسبي الطرق الدينية في أجهزة الدولة والقضاء والأمن كي يضمن ولاءهم، فيما يُنافسه القوميون من خلال الوزير صويلو في هذه التعيينات. لذا سارع الرئيس أردوغان إلى تعيين عدد من القوميين في حزبه من الموالين له وليس للحزب القومي في مناصب مهمة وحساسة، كمستشارين له، بينهم وزير الداخلية الأسبق إفكان آلا، ولطفي علوان وزيراً للمالية. وهذان الاثنان كانا وزيرين في حكومة أحمد داود أوغلو السابقة، وهما أيضاً من المقربين لداود أوغلو. وتم تسريب أخبار من القصر الجمهوري أن أردوغان حالَ بذلك دون احتمال انشقاقهما وانضمامهما إلى حزب المستقبل الذي يتزعمه داود أوغلو. وقد أكد أحمد داود أوغلو هذه التسريبات في تصريح لاحق قائلاً "إن أردوغان يعرف مع مَن نتواصل في حزبه ويدرك الخطر الذي يواجهه".

وعليه فإن على أردوغان الآن إعادة ترتيب وضع البيت الداخلي لحزبه بعد مغادرة البيرق، إذ لا يمكنه الوثوق بالرجال الذين عينهم البيرق، وبالفعل فقد بدأت الإقالات تلاحق عدداً من رجال البيرق في العديد من مؤسسات الدولة، مثل البورصة والبنك المركزي. ومن المستبعد بعد هذه الأزمة أن يعود البيرق إلى أي منصب سياسي في المدى المنظور، بل إنه من المتوقع أن تشمل عملية إعادة ترتيب البيت الداخلي سرهات البيرق شقيق برات البيرق، والمسؤول حالياً عن الذراع الإعلامية الأقوى للحزب الحاكم.

وجاء توقيت أزمة إقالة البيرق متوافقاً مع فوز المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية بايدن، ما يعني خسارة أردوغان لدعم الرئيس ترامب، واحتمال تفعيل الإدارة الأمريكية الجديدة العقوبات التي عرقل ترامب دخولها حيز التنفيذ بسبب شراء تركيا لصواريخ "أس-400"، ومن ضمن عقوبات "كاتسا" المقترحة "التحقيق في مدخرات وممتلكات أردوغان وعائلته حول العالم". كما أن قضية بنك الخلق التركي المتهم بالتحايل على العقوبات الأمريكية على طهران سيُعاد النظر فيها وستُفتح من جديد في نيويورك في مارس المقبل، وهي القضية التي تمس أردوغان وعدداً من وزرائه القدامى وبرات البيرق نفسه. وكل هذه الاحتمالات على الأغلب دفعت أردوغان إلى إعادة حساباته وتغيير توجهاته السياسية من أجل التواؤم مع السياسة الأمريكية الجديدة للرئيس المنتخب جو بايدن التي ستركز على حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية. 

كما جاءت أزمة إقالة البيرق في وقت تصاعد فيه الخلاف الصامت بين أردوغان وحليفه القومي، بعد زيادة سيطرة القوميين على جهاز الأمن والقضاء بشكل بات يهدد أردوغان وسلطته على هذين الجهازين، ومع مطالبة القوميين بالسيطرة على جهاز المخابرات من خلال المطالبة بتغيير هاكان فيدان، وتعيين شخص آخر من الحزب القومي. ومنذ تلك الأزمة بدأت الصحف الموالية لأردوغان –على غير العادة– تتجاهل أخبار وصور الحليف القومي دولت باهشلي في إصداراتها. بل إن أردوغان رفض السفر إلى شمال قبرص مع حليفه القومي في طائرة واحدة، وبدأ نواب حزب العدالة والتنمية يتحدثون بصوت أعلى عن "خطر" استمرار التحالف مع حزب الحركة القومي الذي بات يفرض سياساته على الحكومة، ويثبت أقدامه في أجهزة الدولة على حساب الحزب الحاكم.

أزمة أردوغان مع الحليف القومي واحتمال تغيير السياسات الداخلية والخارجية

بعد أزمة إقالة البيرق حاول الرئيس أردوغان الظهور كمن يريد فتح صفحة جديدة في سياساته والتحول إلى الديمقراطية من جديد من خلال الوعد بإصلاحات اقتصادية وديمقراطية جذرية على حد قوله، فقد وعد أردوغان منتصف نوفمبر بالبدء بإصلاحات كبيرة وجذرية في ملفَّي الاقتصاد والقضاء، كما صرّح مخاطباً القضاة في تركيا "عليكم بتحكيم ضميركم ورفض أي إملاءات توجه إليكم في القضايا التي تنظرون فيها"، وتبعه وزير العدل عبدالحميد غول مؤكداً بدء العمل على تعديل دستوري وقانوني من أجل "ضمان نزاهة القضاء"، وحمّل الوزيرُ القضاةَ مسؤولية جميع التجاوزات والمخالفات القضائية التي حصلت سابقاً، قائلاً إنه ستتم محاسبة القضاة الذين رفضوا الانصياع لأحكام المحكمة الدستورية، مع العلم بأن جميع هذه القضايا كانت تمس معارضين سياسيين أكراد أمر أردوغان شخصياً بوضعهم في السجن، وعلى رأسهم الزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش الذي حكمت المحكمة الدستورية بإخلاء سبيله ورفضت المحكمة الجزائية تنفيذ هذا الحكم بشكل مخالف للدستور ولم يتحرك أحد لتغيير هذا الوضع سابقاً.

وقرأت أحزاب المعارضة التركية تصريحات أردوغان المفاجئة هذه على أنها نية مُبيَّتة للتخلص من شريكه القومي الذي بات يشكل خطراً عليه، وإجراء إصلاحات ديمقراطية ولو محدودة من أجل خطب ود الإدارة الأمريكية الجديدة. وعليه سارع زعماء أحزاب المعارضة إلى إجراء لقاءات ثناية من أجل الخروج بوجهة نظر مشتركة حول ضرورة ما يجب إجراؤه من إصلاحات، وتنسيق المواقف بين الأحزاب استعداداً لبحث أردوغان عن شريك جديد في الحكومة بديل من الحزب القومي. وفي هذا الإطار، أجرى زعيم حزب المستقبل أحمد داود أوغلو لقاءات مع زعيمي حزبي الشعب الجمهوري الأتاتوركي والجيد القومي المعارضين، وبعدها طلب لقاء الرئيس أردوغان كي يعرض عليه "خريطة خروج من الوضع الحالي بالتعاون مع المعارضة"، لكن مدير مكتب أردوغان رد على داود أوغلو قائلاً "إن الرئيس يرفض مناقشة أي اقتراح يتعلق بتغيير نظام الحكم الرئاسي والعودة إلى نظام الحكم البرلماني، وأن أردوغان قد يقبل لقاءه في حال كانت لديه اقتراحات لتعديل النظام الرئاسي الحالي فقط".

ويبدو واضحاً من خلال تسريبات وتصريحات زعماء المعارضة التركية، أنهم يرون أردوغان حالياً في مأزق كبير يبحث عن مخرج له، إذ إن الاقتصاد يواجه أزمة كبيرة لا يمكن حلها إلا من خلال اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، كما أن تركيا على أعتاب أزمة كبيرة مع الإدارة الأمريكية الجديدة بسبب سياسات أردوغان الداخلية والخارجية ذات الطابع القومي، وأكثر من يدرك ذلك هو أحمد داود أوغلو الذي يتمتع بعلاقة ممتازة مع أعضاء الإدارة الأمريكية الجديدة بسبب عمله معهم سابقاً أثناء توليه وزارة الخارجية التركية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما. وتدرك المعارضة أن أردوغان يشعر بأنه بات محاصراً من قبل القوميين الذين لا يثق بهم وهم لا يثقون به، وأن شعبية أردوغان وحزبه لا تسمح له بدخول انتخابات جديدة دون حليف سياسي قوي بديل عن القوميين. وعليه فإن المعارضة ترى أن الفرصة باتت سانحة من أجل تقديم عرض لأردوغان يخلصه من هذا المأزق مقابل العودة إلى نظام الحكم البرلماني. ويتمثل هذا العرض باقتراح إجراء تعديل دستوري تعود فيه تركيا إلى نظام الحكم البرلماني، وتشكيل حكومة وحدة وطنية من كافة الأحزاب ما عدا الحزب القومي، وتتولى هذه الحكومة إجراء جميع الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة من أجل إعادة مسار تركيا إلى الديمقراطية، وتوسيع الحريات، واستعادة العلاقات الجيدة مع الجوار والغرب، أي العودة بتركيا إلى سياسات عام 2006.

لكن المعارضة ما زالت منقسمة حول دور الرئيس أردوغان في هذا السيناريو المستقبلي المطروح، بين داود أوغلو ووزعيمة الحزب الجيد ميرال أكشنار اللذين لا يمانعان ببقاء الرئيس أردوغان في منصب الرئيس لكن بصلاحيات محدودة، وبين حزب الشعب الجمهوري وزعيمه كيليجدار أوغلو الذي يرى أن أردوغان بدأ يفقد مصداقيته وأن الوقت ليس في صالحه وأن عليه أن يخسر الانتخابات القادمة من أجل إجباره على التخلي عن السلطة. فيما يستشف الرئيس أردوغان موقف المعارضة هذا، ويحاول ربما التفاوض من مركز القوة للحصول على دعم سياسي من المعارضة مقابل التخلص من شريكه القومي، وإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية محدودة، وبقائه في الحكم كرئيس بصلاحيات واسعة وفق النظام الرئاسي الحالي، مع توزيع بعض المهمات الوزارية على المعارضة.

خلاصة وتوقعات

جاءت أزمة استقالة وزير المالية التركي برات البيرق بالتزامن مع تصاعد الخلاف الصامت بين الرئيس أردوغان وحليفه القومي. وفي ضوء التطورات الأخيرة، من المتوقع أن يبدأ أردوغان العمل على ترتيب أوضاع البيت الداخلي لحزبه أولاً، والشروع في إضعاف سيطرة القوميين في أجهزة الدولة، واللعب على الوقت من أجل الضغط على المعارضة للحصول على أفضل عرض منهم قبل تخليه عن القوميين - إن حدث - وتغيير سياسات تركيا الداخلية والخارجية، وهو ينتظر أيضاً الإشارات التي ستأتي من واشنطن ومدى رغبة الحليف الأمريكي في أن يسير أردوغان في هذا الطريق مقابل إغلاق ملف تهمة المشاركة في التحايل على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

أحدث الإيجازات