زار الرئيس التونسي قيس سعيّد الدوحة، خلال الفترة 14-16 نوفمبر 2020، بدعوة رسمية من أمير قطر تميم بن حمد، واكتسبت هذه الزيارة أهميتها من كونها الأولى للرئيس سعيد إلى قطر منذ توليه رئاسة تونس في أكتوبر 2019، والثانية له إلى بلد عربي بعد الجزائر.

أهداف الرئاسة التونسية من زيارة قطر

تتمثل أهم الأهداف التي تقف وراء زيارة الرئيس سعيّد للدوحة في الآتي:

1. استقطاب مزيد من الاستثمارات القطرية: تسعى الحكومة التونسية إلى إنعاش الاقتصاد الراكد للبلاد، لاسيما في ظل التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كوفيد-19، إذ تحتاج تونس إلى تمويلات إضافية تقدر بـ 8.1 مليارات دينار لتغطية العجز في الموازنة[1]. وكان آخر الاستثمارات القطرية التي نُفِّذت في تونس مشروع "المنتجع الصحراوي" في مدينة "توزر" الذي أنجزته شركة "الديار "القطرية بقيمة 80 مليون دولار، واُفتتح بداية ديسمبر 2019. ويجري حالياً تنفيذ أحد المشروعات السياحية بمدينة "قمرت" بالعاصمة تونس، باستثمارات تبلغ حوالي 215 مليون دولار[2]. وتتطلع الحكومة التونسية إلى الحصول على تمويل مشروع منصة أسواق الإنتاج بالوسط (سيدي بوزيد) [3]، وتمويل جزء من مشروع "مدينة الأغالبة الطبية" في القيروان، بهدف تحسين نوعية الخدمات الصحية، علاوة على توفير فرص عمل للشباب[4].

ويُسهِم صندوق قطر للتنمية ومؤسسة "صلتك" بتمويل العديد من المشروعات التنموية داخل تونس، وخاصة التي تقوم بتشغيل الشباب، مثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وأعرب الصندوق عن تطلعه إلى توفير ما بين 50 ألف إلى 100 ألف فرصة عمل بحلول نهاية عام 2021[5]، وهو ما يتوازى مع سعي الرئيس قيس سعيد إلى تنفيذ مشروعات اقتصادية بشراكات رؤوس أموال أجنبية والترويج لتونس كوجهة سياحية مثالية[6].

2. إنشاء خط بحري لزيادة حجم التجارة البينية: اتفق الرئيس قيس سعيد والشيخ تميم بن حمد خلال الزيارة على استمرار التعاون بين قطر وتونس في المجال الاقتصادي، لاسيما عبر إقامة خط بحري بينهما، وتحديداً بين ميناء جرجيس في الجنوب التونسي وميناء حمد، وتفعيل اجتماعات اللجنة العليا المشتركة التونسية القطرية[7].

3. زيادة توظيف العمالة التونسية في قطر: تُدرك الحكومة التونسية أن هناك حرصاً قطرياً على تنويع هوية العمالة العربية والأجنبية داخل أراضيها، لذا أخذ هذا الملف حظه من التركيز والمناقشة في زيارة الرئيس سعيد للدوحة، لاسيما أن الجالية التونسية في قطر تعمل في مجالات وقطاعات متعددة، بما فيها الصحة والتعليم والرياضة والهندسة والاتصالات والنفط والإعلام والخدمات الفندقية والمبيعات[8]. وفي إطار استعدادات قطر لتنظيم كأس العالم في 2022، يبدو أنها ترغب في زيادة تشغيل العمالة التونسية خلال المرحلة المقبلة، وإدماج الكفاءات التونسية في قطاعي التربية البدنية والشباب بالبلاد.

وفي هذا الإطار، أجرى وزير الشباب والرياضة والإدماج المهني التونسي كمال دقيش، على هامش زيارة الرئيس سعيد للدوحة، لقاءين بكُلٍّ من وزير التنمية الإدارية والعمل والشؤون الاجتماعية القطري، يوسف بن محمد آل عثمان فخرو، ووزير الثقافة والرياضة، صلاح بن غانم العلي، أسفرا عن توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية، التي تتيح زيادة العمالة التونسية في قطر، وتوفير قاعدة بيانات حول الاختصاصات التونسية في مختلف المجالات، وإعادة تفعيل اللجنة الفنية المشتركة التونسية-القطرية في مجال التشغيل بداية من ديسمبر المقبل[9].

المصالح القطرية

في الوقت الذي ركَّز الجانب التونسي على الحصول على مكاسب اقتصادية واستثمارية بالدرجة الأولى من الدوحة خلال زيارة الرئيس سعيد الأخيرة لها، إلا أن قطر على ما يبدو توخت نيل عوائد سياسية ودبلوماسية أوسع من ذلك، لعل أبرزها يتمثل في الآتي:

1. تعزيز دور الدوحة وحضورها في تونس، وذلك عن طريق زيادة الاستثمارات القطرية الموجهة إلى الداخل التونسي. وكانت قطر قد احتلت المرتبة الأولى في قائمة تدفقات الاستثمارات العربية المباشرة نحو البلاد عام 2019، وفقاً لبيانات هيئة الاستثمار الخارجي التونسية[10]، والمرتبة الثانية في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنحو 16% من حجم الاستثمارات في تونس، المقدرة بثلاثة مليارات دولار، وتتوزع أهمها على قطاعات الاتصالات والبنوك والسياحة.[11] وكان صندوق قطر للتنمية قد أعلن خلال زيارة الشيخ تميم لتونس في فبراير 2020 بدء إجراءات افتتاح فرع له بتونس، يعد أول مكتبٍ له في الخارج، وأنه سيسهم في جهود التعاون المالي بين الدولتين من خلال توقيع اتفاقيات شراكة مع مؤسسات بنكية ومالية تونسية لتمويل مشاريع موجهة للشباب. وفي نوفمبر 2019، أُنشئ مركز تأشيرات لقطر في تونس هو الأول من نوعه عربياً وأفريقياً[12]. وعلى الرغم من أن هذه التحركات تبدو ذات طبيعة اقتصادية صرف، إلا أن انعكاساتها السياسية تبدو واضحة، وخاصة فيما يتعلق بدعم نفوذ الدوحة في تونس، وعموم منطقة المغرب العربي[13].

2. استمالة تونس باتجاه دعم موقف قطر من الأزمة الليبية؛ فقد تزامنت زيارة الرئيس سعيد مع استضافة بلاده لملتقى الحوار بين ممثلين للأطراف الليبية من أجل حل القضايا السياسية الخلافية، وخاصة تلك المتعلقة بتشكيل السلطة التنفيذية (المجلس الرئاسي والحكومة)[14]. ومع أن الخطاب الرسمي القطري يتقاطع مع الموقف الرسمي التونسي الذي يؤكد على أهمية تسوية الأزمة الليبية سياسياً، ورفض التدخل الأجنبي في ليبيا[15]، إلا أن السلوك الخارجي للدوحة لا يعكس هذا الخطاب على أرض الواقع؛ فهي تدعم فصيلاً سياسياً بعينه في الداخل الليبي، وتؤيد التدخل العسكري التركي الداعم لحكومة طرابلس في مواجهة قوات الجيش الوطني برئاسة المشير خليفة حفتر. ويتطابق الموقف القطري مع الموقف التركي في البعد المتعلق بتسوية الأزمة الليبية وفقاً لمرجعية اتفاق الصخيرات الذي تم توقيعه في المغرب في ديسمبر 2015، رغم التغيرات الميدانية التي حدثت على مدى الأعوام الخمسة الماضية[16].

ويُشار في هذا السياق إلى توقيع وزير دفاع حكومة الوفاق، صلاح الدين النمروش، اتفاقية مشتركة مع الحكومة القطرية للتدريب وبناء القدرات العسكرية في الدوحة في 13 نوفمبر الجاري، وذلك بعد أن وقَّعت حكومة الوفاق مذكرة تفاهم مع قطر أيضاً، في 28 أكتوبر الماضي، تتيح للدوحة مواصلة التأثير في الشأن الداخلي الليبي تحت مسمى "تبادل الخبرات في مجال مكافحة الإرهاب"، الأمر الذي يدل على انتهاك قطر وحكومة الوفاق ومن ورائهما تركيا للقرارات الدولية التي تنص على إخراج القوات الأجنبية من ليبيا، وهو ما يتعارض مع الموقف التونسي المطالب بإنهاء التدخل الأجنبي ومظاهره في ليبيا[17].

3. دعم بقاء حركة النهضة في السلطة: يعد أحد المحركات الرئيسة لمحاولات قطر تعزيز علاقتها بمؤسسة الرئاسة التونسية حلّ الخلافات الحالية بين حركة النهضة والرئيس قيس سعيد، لاسيما في ظل تنامي الانقسامات داخل الحركة نفسها على خلفية الجدل المثار بشأن خلافة رئيسها راشد الغنوشي، وتأجيل المؤتمر العام للحركة الذي كان من المقرر انعقاده في شهر ديسمبر المقبل بسبب جائحة كوفيد-19، دون تحديد موعد بديل[18].

4. تغيير الصورة الذهنية بشأن علاقة قطر بالتنظيمات المتطرفة: عملت قطر على توظيف زيارة الرئيس التونسي لها في إطار مساعيها لتغيير الصورة المستقرة لها كداعم كبير للتنظيمات المتطرفة، إذ تم الاتفاق بين الجانبين القطري والتونسي على عقد مؤتمر أو حوار إسلامي-غربي يهدف للتوصل إلى فهم مشترك لمواجهة التطرف الديني وتجنُّب الخلط الغربي بين المسلمين والمتطرفين[19]، وهو هدف غير بريء بالنظر إلى التاريخ الطويل والمعروف لقطر في دعم جماعات التطرف والعنف في المنطقة.

أصداء الزيارة في الداخل التونسي

مع أن زيارة الرئيس سعيّد الأخيرة للدوحة مثلت تطوراً مهماً في علاقة الطرفين، لكن تطوير قطر علاقاتها مع تونس على أسس متينة من الشراكة وعلى نحو يتيح تحقيق مصالحها منها، يواجه بعقبات عدة، أهمها مقاومة أطراف سياسية تونسية عديدة لمساعي التغلغل القطري في بلادهم. وفي هذا السياق، أثارت الزيارة التي قام بها الرئيس سعيد جدلاً واسعاً داخل المجتمع التونسي، لاسيما بعد الإعلان عن إنشاء الرابط الدولية لفقهاء القانون الدستوري، وإسناد رئاستها للرئيس قيس سعيد، وهو ما قوبل باستهجان واسع باعتبار أن الأعراف الدبلوماسية تمنع رئيس دولة من تولي رئاسة جمعية، وتم تشبيه هذه الرابطة بـ"الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" (المدعوم من الدوحة)، وأثيرت تساؤلات بشأن أهدافها ومصادر تمويلها. [20]

وفي سياق متصل، اعتبر رئيس حزب العمال التونسي حمة الهمامي في تصريحات إعلامية أن منح قطر وديعة لتونس، بقيمة 500 مليون دولار، لم يكن بحسن نية، مؤكداً أن الدوحة اشترطت لمنح هذه الأموال، تنقية الأجواء بين الرئيس قيس سعيد وزعيم حركة النهضة ورئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي[21]، ولعل ذلك يفسر عدم الارتياح داخل تونس من التوظيف السياسي القطري لتلك الوديعة[22].  

خلاصة واستنتاجات

شكلت زيارة الرئيس التونسي قيس سعيّد الأخيرة للدوحة تطوراً لافتاً في مسار علاقات الدولة التونسية بقطر، ورغم أن الجانب التونسي ركَّز على الحصول على مكاسب اقتصادية واستثمارية بالدرجة الأولى، تتمثل أهمها في استقطاب المزيد من الاستثمارات القطرية، وإنشاء خط بحري لزيادة حجم التجارة البينية، وزيادة توظيف العمالة التونسية في قطر، إلا أن الدوحة توخت في المقابل نَيْلَ عوائد سياسية ودبلوماسية أوسع من ذلك بكثير، تمثَّل أبرزها في تعزيز دورها وحضورها في الداخل التونسي، ودعم بقاء حركة النهضة في السلطة، ومحاولة استمالة موقف تونس باتجاه دعم المواقف القطرية من الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمة الليبية.

ومع هذا، من المرجح أن تصطدم المساعي القطرية بمقاومة سياسية وشعبية كبيرة في تونس ترفض استمرار نهج توثيق روابط الدولة التونسية مع الدوحة، وتعزيز حضور الأخيرة في الداخل التونسي، فضلاً عن أن المتغيرات الإقليمية التي قد تكون سبباً إضافياً في إعاقة تطور العلاقات القطرية-التونسية، لاسيما تعقيدات الأزمة الليبية بعد التدخل العسكري التركي، علاوة على تزايد مظاهر النفور الإقليمي من المغامرات القطرية وربطها مساعي توسيع نفوذها في تونس وبقية بلدان المغرب العربي، بدعم تنظيمات وحركات الإسلام السياسي حصراً، وهو ما يمثل تهديداً فعلياً للسلم الأهلي في الإقليم المغاربي.

الهوامش

[1]  "ماذا جاء في زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى قطر؟"، سبوتنيك، 17 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/2JeIpow

[2] "فرص استثمارية قطرية تونسية تنتظر القطاع الخاص في كلا البلدين"، لوسيل، 16 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3fyh5xg

[3] "منصة سيدي بوزيد تهم 15 ألف فلاحا.. تولى تمويلها صندوق التنمية القطري"، راديو إكسبريس، 17 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/2HzfPxp

[4] "أمير قطر يبدي استعداده بلاده للمساهمة في تمويل مشروع المدينة الصحية بالقيروان"، تلفزيون نسمة، 24 فبراير 2020. على الرابط: https://bit.ly/3pZlM8g

[5] لمزيد من التفاصيل بشأن مشروعات صندوق قطر للتنمية إلى تونس، أنظر الرابط: https://qatarfund.org.qa/wp-content/uploads/2019/05/QFFD_AnnualReport_Ar.pdf

[6] "الاقتصاد أولوية رئيس تونس في محادثات قطر"، العربي الجديد، 14 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/33bteDB

[7] "لزيادة حجم التجارة البينية: سعيد يؤكد أهمية إقامة خط بحري بين تونس وقطر"، تونس ULTRA، 17 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3fFJkKM

[8] "هذه الاتفاقيات الموقعة بين تونس وقطر في مجالي الرياضة والتشغيل"، تونس ULTRA، 17 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3m8GNey

[9] "الاتفاق على الترفيع في اليد العاملة التونسية بقطر"، المنبر التونسي، 17 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/376F1Em

[10] "قطر تحافظ على ريادتها كأول مستثمر عربي في تونس"، الجزيرة نت، 24 فبراير 2020. على الرابط: https://bit.ly/2UZR28X

[11] "قطر وتونس.. علاقات أخوية وطيدة وأهداف وتطلعات مشتركة"، لوسيل، 14 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/2UWxUc1

[12] "الأول من نوعه عربيا وأفريقيا: تقدم إحداث مركز للتأشيرات القطرية في تونس"، أفريكان مانجر، 27 نوفمبر 2019. على الرابط: https://bit.ly/2J8dKJF

[13] إبراهيم بدوي، "أكد أن قطر حليف استراتيجي لتونس.. السفير سعد الحميدي في حوار مع الراية: زيارة الرئيس قيس سعيد للدوحة تعكس عمق العلاقات القطرية التونسية"، الراية، 15 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3m4AJni

[14] "انطلاق ملتقى الحوار السياسي الليبي المباشر في تونس"، دويتشه فيله، 9 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3qaB0aK

[15] "أمير قطر والرئيس التونسي يبحثان الأزمة الليبية"، روسيا اليوم، 15 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3l2DAM1

[16] "بعد تدخل أردوغان: أين تقف الدول المغاربية من الأزمة الليبية"، دويتشه فيله، 3 يناير 2020. على الرابط: https://bit.ly/3l2maz1

[17] "الحوار الليبي في تونس: هل تلتزم أطراف الحوار بإخراج جميع القوات الأجنبية من ليبيا؟"، بي بي سي عربي، 11 نوفمبر 2020. على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/inthepress-54903078

[18] "قطر تطرق باب قيس سعيد لحماية نفوذها في تونس"، العرب، 16 أغسطس 2020. على الرابط: https://i.alarab.co.uk/s3fs-public/2020-08/11791.pdf?wcyYIlkdVggstdvBvHbDJsnfvez0vy5C

[19] "قيس سعيد يعلن عن مقترح تونسي قطري لتعزيز الحوار بين المسلمين والغرب"، فرانس 24، 16 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/37aH2zp

[20] "قيس سعيد يعود إلى تونس حاملا هدية مسمومة من قطر"، سكاي نيوز عربية، 18 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/2V1QcZm

[21] "انتقادات في تونس للوديعة القطرية.. لم تأت بحسن نية"، العربية نت، 19 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/37bK9H8

[22] أميل أمين، "الفتنة القطرية على الأراضي التونسية"، سكاي نيوز عربية، 22 نوفمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/33gtFfW

 

أحدث الإيجازات