زيارة ترامب إلى الهند .. التوقيت والأبعاد

محمد فايز فرحات | 26 فبراير 2020

على رغم المستوى المتقدم الذي وصلت إليه العلاقات الأمريكية-الهندية منذ نهاية الحرب الباردة، فإن عوامل عديدة وقفت وراء زيارة الرئيس دونالد ترامب الهند في هذا التوقيت (24-25 فبراير الجاري)، من بين أبرزها: العامل الانتخابي الداخلي، وإدارة مسار السلام في أفغانستان، والتعاطي مع التحدي الصيني، وكبح الاندفاعة الهندية نحو روسيا.

العامل الهندي في الانتخابات الأمريكية

من الواضح أن ترامب يحاول جاهِداً إحراز أكبر عدد من النجاحات الممكنة قبل التفرُّغ الكامل للاستحقاق الانتخابي المقرر في نهاية هذا العام. صحيح أن القضايا الداخلية تظل هي الأكثر حسماً وتأثيراً في المنافسة لدى الناخب الأمريكي، لكن هذا لا ينفي أهمية ملفات السياسة الخارجية، خاصة في ظل إخفاق إدارة ترامب في إدارة بعضها، من قبيل ملف كوريا الشمالية وبعض ملفات الشرق الأوسط. وتعزيز الشراكة مع الهند، باعتبارها أحد الحلفاء الآسيويين المهمين، سيمثل رصيداً سيُضيفه ترامب إلى عدد من النجاحات الخارجية الأخرى، وعلى رأسها تصفية أبو بكر البغدادي وقاسم سليماني، والاتفاق التجاري مع الصين الموقع في منتصف يناير الماضي والذي ألزم الصين بشراء سلع إضافية أمريكية بقيمة 200 مليار دولار خلال عامي 2020-2021، ووضع نهاية للحرب الأمريكية في أفغانستان.

والعلاقة بين تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الهند والانتخابات الأمريكية المقررة في نوفمبر المقبل (2020) تصبح أكثر وضوحاً في ظل الأهمية المتزايدة لدور اللوبي الهندي داخل الولايات المتحدة، ونجاحه في النفاذ إلى مراكز سياسية واقتصادية أمريكية مهمة؛ فضلاً عمَّا يتَّسم به مكون الأمريكيين من أصول هندية من سمات نوعية مهمة بالمقارنة بغيرهم من الأمريكيين من أصول آسيوية (فهم الأكثر تعليماً، والأعلى دخلاً داخل الولايات المتحدة)، ما جعل اللوبي الهندي من اللوبيهات الأمريكية القوية. وقد نجح الأمريكيون من أصول هندية في النفاذ إلى مؤسسات أمريكية مهمة خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها عضوية الكونجرس بمجلسيه. أضف إلى ذلك، العلاقة القوية بين اللوبي الهندي ونظيره اليهودي داخل الولايات المتحدة، والدور الذي يلعبه كل منهما في تعزيز العلاقات الأمريكية مع إسرائيل والهند، وتعزيز العلاقات الإسرائيلية-الهندية.

بمعنى آخر، فإن تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند في هذا التوقيت سيُعزز بدوره نشاط اللوبي الهندي خلال فترة الانتخابات الأمريكية، على المستويين السياسي والاقتصادي. وتزداد أهمية هذا البعد في ضوء بعض الدراسات التي أجريت على الأمريكيين من أصول هندية والتي أشارت إلى أن النسبة الأكبر من هؤلاء (حوالي 65%) تميل إلى التصويت للحزب الديمقراطي.

وفي نفس السياق أيضاً، يمكن الإشارة إلى دافع أمريكي آخر مهم وراء زيارة ترامب الأخيرة إلى الهند، يتمثل في العمل على تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، وذلك تحت تأثير عاملين رئيسين. يتصل أولهما بأزمة فيروس كورونا الجديد وتداعياتها المحتملة على حجم الطلب الصيني على السلع الأمريكية، الأمر الذي يعني صعوبة التعويل على تطبيق اتفاق التجارة الأمريكية الموقَّع في منتصف يناير الماضي. ويتعلق العامل الثاني بالتقديرات الإيجابية للاقتصاد الهندي، الأمر الذي يُفسِح المجال أمام مراهنة أمريكية على تعزيز حجم الطلب الهندي لتعويض التراجع المتوقع لنظيره الصيني على الأقل خلال عام 2020.

هاجس أفغانستان والتحدي الصيني

وتكتسب زيارة ترامب للهند أهمية إضافية بالنظر إلى التطورات المتسارعة على صعيد الملف الأفغاني، بدءاً من المحادثات المباشرة بين الولايات المتحدة وطالبان والتي انتهت بتوقيع اتفاق تخفيض مستوى العنف الذي بدأ سريانه في 22 فبراير الجاري، ثم اتفاق السلام المزمع توقيعه في 29 فبراير. ويتطلَّب نجاح عملية السلام في أفغانستان عدداً من الشروط، أهمها نيل دعم دول الجوار الإقليمي وعلى رأسها الهند. لكن الأهم، أن تعزيز التنسيق الأمريكي-الهندي بشأن أفغانستان في هذه المرحلة يعد شرطاً ضرورياً لموازنة - أو تحجيم - الدور الباكستاني، وهو دور ما يزال الإدراك الأمريكي له سلبياً رغم الدعم الذي قدمته باكستان للحوار الأمريكي مع طالبان خلال عامي 2018-2019.

كما أن ثمة عامل آخر يمكن أخذه في الاعتبار عند تحليل دوافع زيارة ترامب للهند واستخلاص نتائجها، ويتصل بالصراع العالمي الدائر في منطقة وسط وجنوب آسيا، كجزء من حالة الاستقطاب المتزايدة على قمة النظام العالمي، على خلفية الحضور الصيني القوي في إطار مبادرة الحزام والطريق (أربعة ممرات اقتصادية، من إجمالي الممرات الاقتصادية الستة المخططة ضمن المبادرة، ترتبط بروسيا وآسيا الوسطى: "الممر الاقتصادي للجسر البري الأوراسي الجديد"، "الممر الاقتصادي الصين- منغوليا- روسيا"، الممر الاقتصادي "الصين- وسط آسيا- غرب آسيا"، الممر الاقتصادي "الصين- باكستان"). ونجاح عملية السلام في أفغانستان سيفتح الباب أمام ضم أفغانستان إلى هذه الممرات ومن ثم ربطها بمناطق النفوذ الصينية، كما سيُكرِّس سياسة بناء المحاور الجارية في المنطقة.

وهكذا، فإن تعزيز التنسيق الأمريكي-الهندي في هذه المرحلة بات شرطاً مهماً لضمان نجاح المشروع الأمريكي الجديد في أفغانستان، بشكل عام، ولموازنة النفوذ الباكستاني المتوقع خلال المرحلة المقبلة، ومواجهة الصين وما يتشكَّل حولها من مصالح ومناطق نفوذ في إقليمي وسط وجنوب آسيا. أضف إلى ذلك - وكما يذهب العديد من التحليلات - إذا افترضنا أن أحد الأهداف الأساسية للخروج الأمريكي المخطط من أفغانستان هو التفرُّغ للصراع المقبل مع الصين - والذي قد يكون العنوان الرئيس للولاية الثانية للرئيس ترامب - فإن أحد الشروط الأساسية لهذا التوجه هو تعزيز التحالفات الأمريكية مع عدد من القوى المهمة وعلى رأسها الهند، التي تشارك الولايات المتحدة مخاوفها العميقة من مبادرة الحزام والطريق عموماً، وتداعيات هذه المبادرة على منطقتي وسط وجنوب آسيا بوجهٍ خاص.

ضبط اندفاع نيودلهي نحو روسيا

أخيراً، من المهم وضع التطورات التي شهدتها العلاقات الهندية-الروسية خلال السنوات الأخيرة، في الاعتبار عند تحليل أبعاد زيارة ترامب للهند. فرغم علاقات الشراكة الاستراتيجية القوية بين الولايات المتحدة والهند، لكن هذا لم يَحُل دون اتجاه الأخيرة إلى تطوير علاقاها العسكرية والاقتصادية مع روسيا، مدفوعة في هذا الصدد بأربعة محددات أساسية:

أولها، الحضور الروسي القوي والمتزايد في أقاليم الجوار المباشر للهند. وثانيها، المشروعات الاستراتيجية الكبرى المشتركة التي تجمع البلدين وعلى رأسها "ممر الشمال-الجنوب" International North- South Transport Corridor، وهو شبكة متعددة من طرق التجارة الدولية - البحرية والبرية والسكك الحديدية - التي تربط بين أقاليم جنوبي آسيا، وغرب ووسط آسيا والقوقاز وروسيا وصولاً إلى شمال أوروبا، وقد تم توقيع اتفاقه الأساسي في سبتمبر 2000 بين روسيا الهند وإيران، وانضمَّت إليه لاحقاً دول أخرى. ورغم أن المشروع يواجه عقبات عدة، لكن هناك مراهنة كبيرة من الدول الثلاث على تسريع تنفيذه في حالة انتهاء الأزمة الأمريكية الإيرانية.

وثالث تلك المحددات، طبيعة الترسانة العسكرية الهندية، والتي ما تزال نسبة كبيرة منها روسية المنشأ (60-70%)، الأمر الذي يفرض على الهند الاعتماد على روسيا في عمليات التحديث والصيانة. أما المحدد الرابع، وهو الأهم، فيتصل بوجود توجه ثابت في السياسة الخارجية الهندية منذ بداية عقد التسعينيات [من القرن الماضي] وهو تنويع الشركاء والحلفاء الإقليميين والدوليين وبناء المحاور، بدرجة كبيرة من الاستقلالية عن واشنطن؛ ففي الوقت الذي تطورت فيه علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لم يَحُل ذلك دون تطوير الهند لعلاقات قوية مع إيران، والأمر ذاته ينطبق على علاقاتها مع روسيا، والمؤشر الأهم على ذلك هو شراء الهند في عام 2018 منظومة صواريخ S400 من روسيا رغم المعارضة الأمريكية، بل كان مُلفتاً تأكيد الهند وقتها أنها لن تسمح لطرف ثالث - في إشارة ضمنية واضحة إلى الحليف الأمريكي - بالتدخل في علاقاتها مع موسكو.

ومع أن زيارة ترامب للهند في هذا التوقيت قد تلعب دوراً في ضبط توجه الهند نحو تطوير علاقاتها مع روسيا، لكنها لن تنجح بالتأكيد في وقف أو تحجيم هذه العلاقات، وذلك بالنظر إلى المحددات الأربع السابق الإشارة إليها.

خلاصة

إن زيارة الرئيس الأمريكي ترامب غير المسبوقة للهند، ورغم أهميتها، تظل محكومة بحسابات انتخابية مرحلية تخص إدارة ترامب خلال ما تبقى من عام 2020، كما أنها تأتي في إطار إدارة مجموعة من التحولات والمصالح الاستراتيجية في إقليمي وسط وجنوب آسيا. ومُجمَل هذه المعطيات هي ما يُكسِب الزيارة أهميتها، لكن في الوقت ذاته يُرجَّح ألا تلعب دوراً حاكماً في تغيير التوجهات الهندية تجاه الفاعلين الرئيسين وشركائها الاستراتيجيين الآخرين، كما يَصعُب التكهُّن بإمكانية لعبها دوراً مؤثراً في تغيير دور الهند في المباراة الدولية الراهنة. فمع أن زيارة ترامب وما يتبعها من مُحادثات بين الإدارتين الأمريكية والهندية قد تُفضي إلى توسُّع دور الهند الإقليمي وتعزيز مكانتها في السياسات الخاصة باحتواء الصين، وإفساح مجالٍ أكبر لنيودلهي لتأدية دور مُتقدِّم في الساحة الأفغانية وموازنة الدور الباكستاني هناك، لكن من المُستَبعد أن تُثنيها زيارة كهذه عن إقامة شراكة قوية مع روسيا.

 

أحدث الإيجازات